العنوان عروبة موريتانيا في خطر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 19-يناير-1988
الزنوج
والفرنكوفونيون والصهاينة يهددون أقصى نقطة في العالم العربي من ناحية الغرب
في الوقت الذي
بدأت فيه دول المغرب العربي محاولات جادة لتخفيف حدة التوتر فيما بينها، حيث تحسنت
العلاقات الليبية-التونسية وشهدت العلاقات الجزائرية-المغربية انفراجًا نسبيًا،
واجهت موريتانيا في نهاية عام 1987 محاولة انقلاب لو قدر لها أن تنجح لغيرت اسم
موريتانيا وهويتها العربية وأخرجتها رسميًا من الجامعة العربية. ومن هنا، يمكن
اعتبار هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة بمثابة ناقوس خطر ينبهنا إلى ما يدبره
الأعداء لتهديد الأمن العربي من أقصى نقطة عربية في الغرب.
لقد كشفت
الوثائق التي عثر عليها مع المتآمرين أن هدفهم لم يكن فقط تغيير الأشخاص، بل
القضاء على عروبة موريتانيا وإعادة بناء موريتانيا جديدة تكون فيها السيادة
للأقلية الزنجية، وبالخصوص "التكارير" الذين ينتمي إليهم مخططو
المؤامرة. وحتى اسم موريتانيا كانوا ينوون تغييره إلى "والو والو"، كما
كانوا يعتزمون نقل العاصمة من الشمال أو إلى الجنوب حيث يتواجد التكارير بكثرة.
والأهم من ذلك اعتزامهم إعلان انفصال موريتانيا عن الجامعة العربية وقطع الصلات مع
جيرانهم المغاربة. ومن هنا، تطرح هذه المؤامرة مؤشرات بالغة الخطورة بالنسبة للأمن
العربي تستوجب الوقوف عندها.
التركيبة
السكانية في موريتانيا
يبلغ تعداد سكان
موريتانيا حوالي مليوني نسمة، يمثل العرب 80% منهم، والبقية أي 20% من الزنوج.
وينقسم هؤلاء إلى ثلاث فئات: التكارير وتشكل الغالبية الزنجية (70% من الزنوج
الموريتانيين)، ثم "السراكولي 20%" و"الولف 10%". والجدير
بالذكر أن كل الموريتانيين، على اختلاف أصولهم وجذورهم، لم يعرفوا الصراع العنصري
ولم تظهر بينهم مشكلة اسمها اختلاف الألوان، إلى أن بدأ الاستعمار من خلال أعوانه
في السنغال وساحل العاج خصوصًا يُذكي النعرة القبلية ويوقظ فتنة نائمة من شأنها
إذا بُعثت زعزعة الأمن العربي كله، لأنها تحيي مشكلة الأقليات في البلاد العربية.
وهنا لا بد من
وقفة عند قبيلة التكارير التي ينتمي إليها المتآمرون. فهذه القبيلة يعيش معظمها في
السنغال ولها امتداد كذلك في الكاميرون، وجانب كبير من هؤلاء التكارير هم من
الفرنكوفونيين الذين تشبعوا بالثقافة الفرنسية، وبالتالي كان من السهل إثارتهم ضد
العرب وضد التعريب في موريتانيا. وقد سبق لهم أن اعترضوا على دخول موريتانيا إلى
الجامعة العربية. وتوجد بين تكارير موريتانيا وتكارير السنغال صلات وثيقة، وليس
غريبًا أن يكون تكارير السنغال هم المحرك الرئيسي للمؤامرة الأخيرة أو بالأحرى
الأداة الرئيسية لتحريك المؤامرة. وما تروج له وسائل الإعلام المغرضة من أن صراعًا
في موريتانيا يدور بين شمال عربي أكثر رفاهية وجنوب زنجي أكثر بؤسًا لا أساس له من
الصحة، فالكثير من الزنوج نزحوا إلى الشمال بسبب الجفاف واختلطوا بالبيض أو السمر،
وكذلك ذهب كثيرون من عرب موريتانيا إلى الجنوب واشتروا أراضي الإصلاح الزراعي
المرتبط بسد على نهر السنغال يوشك بناؤه على الاكتمال، وسيزيد هذا السد من مساحة
الأراضي الزراعية في كل من موريتانيا والسنغال وسيزودهما بالطاقة الكهربائية.
بالإضافة إلى
هذا، فإن زنوج موريتانيا من غير التكارير لم يُظهروا في أي وقت من الأوقات عداوة
نحو العرب، بل إن التكارير أنفسهم لا يعادي سوى جزء منهم العرب وهم الفرنكوفونيون.
ويفسر ذلك بأن هؤلاء التكارير الفرنكوفونيين قد فقدوا امتيازاتهم التي مكنهم منها
الفرنسيون بمجرد أن استقلت البلاد وأصبحت لغتها الرسمية العربية. ولكن كل التكارير
لا يمكن النظر إليهم باعتبارهم أقلية مضطهدة أو خاضعة لسيطرة عربية، وكانت مؤسسات
الدولة والنظام تضم باستمرار أعضاء من الزنوج ومن التكارير بالخصوص، فهم يشكلون
على سبيل المثال ثلث أعضاء لجنة الخلاص الوطني. وكان لهم في بعض الحكومات وزراء
بارزون مثل "أمادو بابلي" الذي أُلقي القبض عليه في المؤامرة وكان
وزيرًا للداخلية حتى أغسطس 1986.
وباختصار، فإن
ما تدعيه بيانات التكارير المتطرفين التي توزع في داكار أو أديس أبابا أو باريس لا
أساس له من الصحة، ويقصد به تهييج الزنوج وتأليبهم على إخوانهم من الموريتانيين
ذوي الأصول العربية.
أصابع
الفرنكوفونيين والموساد في غرب أفريقيا
كنا نعتقد إلى
وقت قريب أن الحزام الأفريقي جنوبي المغرب العربي هو حزام مأمون يضم أصدقاء بسبب
عوامل كثيرة وفي مقدمتها رابطة الدين الإسلامي. ولكن المتغيرات الجديدة في السنوات
الأخيرة تتطلب منا إعادة النظر في مبدأ أمان هذا الحزام، فها هي أصابع الصهيونية
تمتد إلى هذا الحزام وها هو الموساد يعشش في سفارات تحمل العلم الإسرائيلي في دول
أفريقية كثيرة متاخمة للدول العربية. وبالأمس القريب تعرضت ليبيا للعدوان من جهة
تشاد بتحريض استعماري لا يخفى على أحد، وها هي اليوم موريتانيا تتعرض لمحاولة
سلخها من جسم الأمة العربية بتحريض صهيوني فرنكوفوني زنجي. فمديرو محاولة الانقلاب
الفاشلة في أكتوبر عام 1987 في موريتانيا شكلوا ما يسمى "جبهة تحرير
الأفارقة" وهي تنادي بموريتانيا زنجية وتدعو إلى عدم التعامل مع العرب وحتى
إلى عدم الصلاة في المساجد التي يكون الأئمة فيها من العرب. وهذه الجبهة تعمل من
مكتبها بداكار بعلم السلطات السنغالية وتنشر البيانات التي تتحدث عن اضطهاد العرب
للزنوج وتدعو إلى تحرير موريتانيا الزنجية من سيطرة العرب. وقد سبق لها أن قامت
بأعمال تخريب في نواكشوط، ورغم حلم السلطات وصدور أحكام مخففة على من ثبتت
إدانتهم، فإن هذه الجبهة التكاريرية العنصرية المتطرفة صعدت نشاطها. كيف لا وقد
وجدت الدعم من سفارة الصهاينة في ساحل العاج واستفادت من المساعدات الفرنسية
الكبيرة التي لم تقدم أساسًا إلا لمواجهة عملية التعريب والمساهمة النشيطة في نشر
الكتابة بالأحرف اللاتينية.
وسواء كانت هذه
الجبهة نتاجًا مباشرًا أو غير مباشر لحركة "الزنوجية" التي أظهرها بعض
القادة الأفارقة وعلى رأسهم موبوتو سيسي سيكو وليوبولد سنغور وإيفوات بوانيي،
فالارتباط قائم بينهما والهدف واحد. ألم يدعُ موبوتو وبوانيي أكثر من مرة لإنشاء
منظمة أفريقية جديدة "عوضًا عن منظمة الوحدة الأفريقية" لا تضم الدول
العربية الأفريقية، منظمة وجهها أسود تقع جنوب الصحراء الكبرى؟ ومما يؤيد العلاقة
بين ما حدث في موريتانيا وبين أصابع الموساد أن أقطاب الدعوة إلى الزنوجية وإلى
أفريقيا السوداء مقابل أفريقيا البيضاء هم رواد الدعوة لإقامة علاقات سياسية مع
الكيان الصهيوني. و"تكارير" موريتانيا الذين ينتمي إليهم مدبرو الانقلاب
الفاشل هم الوجه الآخر لعملة "الزنوجية" التي تريد خلق تناقض عربي-زنجي.
إنها دعوة عنصرية يرفضها الإسلام الذي لا يميز بين أبيض وأسود إلا بالتقوى،
وترفضها مبادئ المصالح المشتركة وحسن الجوار.
وأخيرًا، فإن ما
حدث في موريتانيا يكشف لنا عن تمكن الدوائر الاستعمارية والصهيونية من تخدير الحس
الديني الصادق وطمس جانب من مبادئ الإسلام السمحة كالعدل والمساواة لتغليب النعرة
العرقية القبلية وجعلها ثغرة في جدار أمن الأمة ومناعتها.