; عسكرة التعليم الإسرائيلي» «أخيرة» تبرير أعمال الاحتلال والعدوان | مجلة المجتمع

العنوان عسكرة التعليم الإسرائيلي» «أخيرة» تبرير أعمال الاحتلال والعدوان

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 56

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 26

السبت 25-ديسمبر-2010

العسكرة هي إشاعة الروح العسكرية، كاستعداد عاطفي، ومكون أيديولوجي، تعبأ به الدارس من خلال العملية التعليمية.. وقد أصبح هذا التوجه الثقافي، هو الطابع المألوف للعملية التعليمية الصهيونية مما جعل «العدوانية» سلوكا مميزا للشخصية اليهودية الشابة، التي تمت برمجتها بإحكام، لتتربى على هذا السلوك الاستقوائي، المرتكز إلى التراث الديني اليهودي.

الشحن العسكري للعملية التعليمية «الإسرائيلية» جعل منها تعليما بالذخيرة الحية.

برنامج تأهيلي يسمى «جنود ليوم واحد» لإعداد جنود المستقبل من طلاب المدارس الثانوية.

عسكرة التعليم «الإسرائيلي» أصبحت مفارز لتخريج قوات المرتزقة والتشكيلات العصابية الدولية.

يبدأ هذا التوجه التعليمي الصهيوني من ولادة الأطفال بإحياء بعض الأعياد والاحتفالات مثل «أعياد الشمعدان» «الحانوكاه»، وأعياد البوريم حيث يقرؤون سفر «إستير»، والحفاوة بانتصار قوى النور «اليهود» على قوى الشر والظلام «أعداء اليهود»، كما يتعرض الأطفال في سن مبكرة جدا لمشاهدة أفلام عن الحرب، وإلى ألعاب حاسوبية عبارة عن لعب حربية صهيونية، كما يكرسون عند الأطفال الصغار، تقديس يوم الفصح وهو اليوم الذي خرج فيه اليهود من مصر، وهو آخر أعياد السنة العبرية. وكذلك يوم «الاستقلال». وكل هذه المناسبات تنقل للأطفال رسائل واضحة، وترسخ لديهم سلوكا خاصا، واتجاها وجدانيًّا معينا، ونقل رسائل تربوية مفادها أن «العالم كله ضدنا». 

ويتم تعزيز هذا التوجه بشدة، من خلال الزيارات الميدانية للأطفال إلى مناطق القتال وميادين المعارك، كأحد أهم أهداف الرحلات المدرسية، وكذلك وضع النصب التذكارية للقادة والجنود المحاربين في ساحات المدارس وتزيين كل مدرسة بلوحة رخامية في ركن مهم منها .. وقد سطرت عليها أسماء لأبطال عسكريين. 

ولا يقتصر هذا النهج على هذه الثقافة البصرية فحسب.. فإلى جانب رؤية الجنود بزيهم العسكري، وقراءة الملصقات في الشوارع، فإنه يتم تدريس «سفر يشوع» في الصف الرابع الابتدائي، كذلك فإنه يتم تناول كل حروب «إسرائيل» مع العرب من خلال رؤية سفر يشوع، والتي تجعل من ذلك السياق التاريخي عملا دينيا، تتم فيه مقابلة «جيش يشوع بجيش الدفاع الصهيوني الحالي، وتغرس في نفوس التلاميذ عقيدة الإبادة والاستئصال والقتل والتدمير التي مارسها «يشوع» ضد أعدائه بالأمس، ويجب أن يطبقها جيش الدفاع «الإسرائيلي» ضد أعدائه اليوم.

وتجعل من هذه المادة التاريخية مرجعية أساسية لتبرير أعمال الاحتلال والعدوان في العصر الحديث.

عسكرة الثقافة العامة

ولأن العسكرة هي منظومة من القيم والمعتقدات التي ترى في استخدام القوة العسكرية، وسيلة مناسبة لحل المشكلات وتخطي العقبات بدلا من المصالحة أو التفاهم، أو حتى التنازل- بعض الشيء- لحل المعضلات. لذا فإننا ندرك أن الحرب هي إحدى النتائج المرتقبة لهذه العسكرة المشحونة، بل ربما تكون الحرب هي أحد الشرور التي تخلقها !! 

ومنذ نشأة الكيان العبري، وكل مؤسسة بنيت فيه، إنما قامت لتؤدي دورًا سياسيا عسكريًا، بل ومن قبل منذ عام ١٩٠٩م، حيث أنشئت أولى قوات «هاموشير» عسكرية صهيونية، وكذلك «الهستدروت» الصهيوني الذي يتجاوز دوره كنقابة عمالية يهودية فالعمل العسكري الإسرائيلي أداة لبناء الدولة، وليس لمجرد حمايتها أو الدفاع عنها .

وقد أخذ هذا المنهج في التنامي والتجييش حتى عقد في مايو ۲۰۰۱م المؤتمر «الإسرائيلي» الأول حول العسكرة والتعليم والذي عقد بالجامعة العبرية التي أنشئت بالقدس عام ١٩٢٥م، والتي حضر حفل افتتاحها من مصر أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد!

وقد انتهى هذا المؤتمر إلى أن العملية التعليمية «الإسرائيلية» قد نجحت في مزج اللغة والثقافة العسكرية باللغة والثقافة اليومية الحياتية. فقد أصبح معتادًا ومستساغا لدى تلاميذ المدارس أن يستمعوا للإذاعة العامة أو المدرسية، وهي تذيع لهم الأغاني التي تخلد ذكرى من قتلوا في الحروب، وقد أصبح أمرًا بديهيا أن يقوم أبناء«رياض الأطفال» بترديد هذه الأغاني، بل إن هناك محطة إذاعية ترفيهية عسكرية تقوم بالترفيه الشعبي عن السائقين في الاختناقات المرورية !! كما أن المدنيين يقومون بقراءة المجلات العسكرية بقابلية تامة وإقبال شديد.

التعليم بالذخيرة الحية

ومن مؤشرات النجاح أن يشغل الجنرالات منصب مديري المدارس كما يشغلون منصب رئيس الحكومة، بل إن مقاولي الإعلانات الناجحين وشركات الدعاية المتطورة. هي تلك التي تستخدم واقع الجيش الصهيوني ومظهرياته في الترويج لمنتجاتها وسلعها، التي لا تمت إلى الجيش بأية صلة.

فشركة «الجبن» تعلن عن منتجاتها من خلال أفراد «٥٠% مظليون ٥٠% جولاني» وإعلانات منظفات الملابس تتم على خلفية جنود قتاليين وإعلانات مساحيق التجميل. تتزين به المرأة لتتهيأ لملاقاة حبيبها المقاتل العائد لتوه من الميدان

والشارع الذي يذهب منه التلميذ لمدرسته اسمه «شارع الجيش الإسرائيلي»، والشارع الذي يتنزه فيه اسمه «شارع القادة»، والملصق العسكري الذي يزين سيارة الشباب مكتوب عليه «كل الشكر لرجال الكوماندوز الإسرائيلي». 

وأطفال الروضة يذهبون إلى رحلة خلوية ليقوموا بتسلق آلة عسكرية، ويجلسون على مقعد قيادتها، ويلتقطون لهم الصور التذكارية وهم يقومون بهذا العمل، ويفوز بالمركز الأول في مسابقة حول هذه الآلية ذلك الطفل الذي ينجح في إطلاق طلقة من مدفع رشاش. ولم يسلم من هذه الحمى صندوق علاج المرضى فالمعلنون هم من القوات الخاصة «الإسرائيلية». وحتى الملابس الداخلية وحفاضات الأطفال وإعلانات الجنس والملابس النسائية الخاصة تقوم بها مجندات «إسرائيليات».

كل ذلك في اجترار لا نهائي الرسائل نبتت بالداخل الصهيوني دون وعي من خلال العقلية التي شكلتها هيئة التعليم «الإسرائيلية». مما جعل من العملية برمتها. تعليما بالذخيرة الحية. 

وفي مقال لموشي ديان، في مجلة الشؤون الخارجية، عدد يناير ١٩٥٥م، بعنوان: «حدود إسرائيل ومشكلات الأمن». يبلور «ديان» هذه الفكرة المركزية في العقلية الصهيونية. في شكل منظومة خماسية، مفادها : 

  1.  إن الدولة كلها عبارة عن خط حدود مع دول معادية.
  2.  إن الدولة تعيش في كل لحظة تحت خط التدمير.
  3. إن العدو قد يلجأ إلى سياسة حرب العصابات.
  4.  إن هدف «إسرائيل» هو تحويل خطوط الهدنة، إلى خطوط سلام دائم. 
  5. إن الجيش وحده هو الذي يستطيع حماية «إسرائيل».

إذن هي عقيدة قتالية، تقوم على التربص والتحفز الدائم، وهي عقيدة «بن جوريون» نفسها الذي سيطر على الجيش الصهيوني لمدة ١٥ سنة من «١٩٤٧- ١٩٦٣م». وهي النظرية الحاكمة نفسها لكل شياطين الجيل الصهيوني المؤسس، وحتى جيل الأحفاد، فهم الامتداد الحقيقي لجيل الرواد الصهاينة بكل اعتقاداتهم وتعصبهم ودمويتهم، ومنذ صدر قانون الخدمة العسكرية في «إسرائيل» في 8سبتمبر ١٩٤٩م بعد دمج العصابات الصهيونية المسلحة لتكوين جيش الإجرام «الدفاع» «الإسرائيلي»، ولينخرط الجيش بكل مؤسساته في لعب أربعة أدوار أساسية كبرى، إلى جانب وظيفته الأساسية، وهذه الأدوار هي:

  1.  التعليم.
  2.  النحال «فرق الطلائعيين المقاتلين».
  3. الجدناع «فرق الشباب».
  4. التدريب المهني. 

أما فيما يخص التعليم، فإن الجيش الصهيوني هو المسؤول الأول عن تعليم اللغة العبرية للمهاجرين الجدد، كما يقوم بالإشراف الكامل على المدارس النائية، وكذلك يتولى مهمة محو الأمية بين جنوده، كما يتولى التدريس بالمدارس المهنية والعسكرية الخاصة بالبنين والبنات.

جنود ليوم واحد

وعلى ذلك، فإن مشاهد العسكرة التعليمية لا تتم عرضا، ولو في أدق وأبسط مشاهدها، فالجيش والتعليم والروح العسكرية تشكل كلا واحدا في الهوية الجمعية الصهيونية، وترسم المعالم الأساسية للخارطة الفكرية والواقعية «الإسرائيلية».

فالمواقع والمباني والأحياء تحمل أسماء حروب. ومن المعتاد أن ينتقل العابر من شقة في شارع حملة قادش إلى شقة في شارع «حرب الأيام الستة»، و«قادش»: اسم مستمد من مكان ورد في التوراة في سيناء، وكان محطة انطلاق القبائل العبرية إلى فلسطين وهو الاسم الذي تطلقه «إسرائيل» على حرب ١٩٥٦م في ٢٩ أكتوبر، وحرب الأيام الستة هو الاسم الذي تطلقه «إسرائيل» على حرب 5يونيو ١٩٦٧، إمعانا في الاستخفاف والسخرية من العرب.

وفي بعض المدارس الثانوية، يتم ما يسمى برحلة جنود ليوم واحد حيث تقوم المدرسة برحلة إلى قاعدة فرز الجنود في برنامج تأهيلي لتربية جنود المستقبل.

وفي المدارس الابتدائية لابد أن تقوم مدرسة «جندية» بزيارة مدرسية أسبوعية وهي ترتدي زي الجيش الصهيوني، حتى بطاقات التهاني والذكريات والمناسبات، يتم حفر المشاهد العسكرية وتحويلها في الذهنية التعليمية إلى جزء لا يتجزأ من الثقافة العسكرية المكرسة للحرب والعدوان، حتى إنه من المألوف جدا أن تهيمن دروس الجدناع «كتائب الشباب» على كل أطوار التأهيل التعليمي «الإسرائيلي»، بحيث يشتمل هذا التأهيل على تدريبات إطلاق النار إلى جانب النشاط التأهيلي الميداني والعسكري لهؤلاء الطلاب.

ومن ثم فقد أصبحت العملية التعليمية الإسرائيلية عبارة عن مفرزة العسكرة الحياة الإسرائيلية العامة.

الرابط المختصر :