; عسكرة الديمقراطية أفقدتها المصداقية | مجلة المجتمع

العنوان عسكرة الديمقراطية أفقدتها المصداقية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1274

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

معالم على الطريق 

عسكرة الديمقراطية أفقدتها المصداقية

بقلم: د. توفيق الواعي

المراقب للديمقراطية في الوطن العربي يجد أنها بدأت كوريثة للحكم العسكري في كثير من البلاد، أو خلفًا لسلطات مطلقة لأسماء مختلفة درجت عليها الشعوب، فتعسكرت الديمقراطية بالوراثة، أو بالتبني خلفًا لسلطات مطلقة، وعانت الشعوب في الحقبة الثانية كما عانت في الأولى، ونعم الناس بتواصل القهر، والكبت، وفقدان الحرية، وضياع الشخصية، وتهميش الهوية، وغاب عن الساحة الرأي الآخر، والبدائل الصالحة، واستبدلت الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد بإنشاء السلطة لأحزاب وهمية هزيلة ليس لها دور لتختبئ وراءها وتزور لها، وتقوم تلك الأحزاب بمهمة الديكورات المطلوبة لتجميل وجه السلطة ورفع لافتة الديمقراطية، والحقيقة كانت الديمقراطيات العربية هي البديل السيئ للحكم العسكري لأنها اتصفت بصفاته وزادت على ذلك مسحة من الخداع والتمويه زاد دسترت العسف وتكريس الضياع الشعبي والحضاري للأمة، وكان من هذه الصفات ما يلي:

1- تعميق التزوير واستخدام الوسائل الملتوية في تكوين كيانات هزيلة لا تمثل الشعب أو تخدم توجهه، وذلك قصد احتكار السلطة لتنفيذ وتمرير القرارات غير المدروسة وغير الحكيمة.

2- تخصيم الشعوب والخشية من حساباتها على التجاوزات وعلى المصالح الطبقية التي يمثلها ثلة من المحاسيب، والذين يستأثرون بمقاليد السلطة.

3- الادعاء الكاذب بأن تعدد الآراء ووجود المعارضة الديمقراطية والأساليب الديمقراطية بما تعني من انتخابات وبرلمانات نيابية منتخبة يعرقل التنمية ولا يسرع بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.

4- انعدام المصداقية بين الشعوب والحكام لكثرة الكذب والتمويه والخداع، والوعود المضللة جعل السلبية الشعبية تبلغ مداها، وتأخذ دورها في هدم الأمة.

5- كراهية القانون وقعت الدساتير من قبل الحاكم المسلط على الرقاب، لأنه يعتبر نفسه هو القانون أو فوق القانون والدساتير، ولهذا فقد انتقل هذا إلى الشعب في عدم احترامه للقانون.

6- حجب المؤسسات أو تدجينها واحتلالها من قبل السلطة، وادعاء فسادها وعدم صلاحيتها للمرحلة، ومحاولة احتلالها، أو إحلال ما يريدون ومن يريدون لينسجم مع المنظومة المسيطرة.

7- صار القمع هو الزاد اليومي للسلطة ولهذا أولت السلطة أجهزته ومنفذيه عناية خاصة، ومزايا معينة، وجهزتهم بالوسائل والمعدات لأنهم يمثلون خط الدفاع الأول عن السلطة، بالتلفيقات والقضايا الوهمية، والتعذيب والمعتقلات، والمحاكم الاستثنائية، والسجون والأحكام القاسية.

8- اعتبار الحريات العامة والخاصة والحديث عنها جريمة يعاقب عليها القانون، وفتنًا عمياء يجب القضاء عليها.

9- منع تكوين الجماعات أو إقامة التجمعات، واتهام أصحابها بالعمالة والخيانة لحساب دول أجنبية وتهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في الأمة لصالح تلك الدول.

10- فقدان المشروع القومي والحضاري والتنموي وعدم القدرة أو الاستعداد للقيام بهذه الدور الذي تحتاجه الشعوب في حاضرها ومستقبلها.

11- توافق المزاج الشخصي في تهميش الديمقراطية مع التوجه الأجنبي لقمع إرهاصاتها ووجودها، لهذا وغيره ظهرت فورات شعبية وتشنجات إصلاحية استغلت هي الأخرى في فرض الأحكام العرفية وتمديدها.

12- تسخير الإعلام بجميع أنواعه وتأميمه أو تقييده بقوانين غير دستورية زاد في تعميق القهر وتهويل الكارثة.

حتميات تفرض نفسها

الاستبداد والاستبعاد من قديم كان مصدرًا للقلاقل في الأمة وعملًا مرفوضًا من الخاصة والعامة، والمفكرين والأميين على سواء، ولهذا ترى رجلًا وطنيًا مثل الكواكبي يعرفه بقوله: «الاستبداد في الإصلاح السياسي: هو تصرف جمع أو فرد في حقوق قوم برأيه بلا خوف تبعة».

ثم يعطينا الكواكبي مفاتيح معرفته فيقول: «المستبد: يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم أنه الغاصب المعتدي، لكنه يضع رجله في أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق، والتداعي لمطالبته بالعدل.

المستبد: عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما والحق أبو البشر، والحرية أمهم، والعوم صبيان أيتام نيام لا يعلمون شيئًا، والعلماء هم إخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا وإلا فنومهم موت.

المستبد: يتجاوز الحد ما لم ير حاجزًا من حديد فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفًا لما أقدم على الظلم، كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب.

المستبد: إنسان مستعد بالطبع للشر، ولا يفعل الخير إلا مرغمًا، فعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر، فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه... إلخ.

المستبد: يود أن تكون الرعية كالغنم درًا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا، ولكن خدمت، وإن ضربت شرست، ومثل الصقور لا تلاعب ولا تستأثر عليها بالصيد كله، وعلى الرعية أن تعرف مقامها، هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، أم جاءت به ليخدمها، وينفذ أمرها؟، إلى أن يقول: فالاستبداد أعظم البلاء، لأنه وباء دائم بالفتنة، وجدب مستمر بتعطيل الطاقات والمواهب، وحريق متواصل بتعطيل الطاقات والمواهب، وحريق متواصل بالسلب والغضب، وسيل جارف للعمران، وخرف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفتر، وحائل لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي».

في هذه الأجواء الملبدة بالاستبداد، وبعسكرية السلطة، والأنظمة القمعية، وتحويل الديمقراطيات إلى دكتاتوريات شرعية، نمت بؤر الإرهاب، وترعرعت في العصر الحديث ضد السلطات، وخاصة في أوساط الشباب المهزوم نفسيًا، والمتأزم روحيًا من الانتكاسات الأخلاقية والوطنية والحربية ما يزيد على نصف قرن من الزمان، وقد قوبل هذا الشباب الوطني الغيور في معظم الأحيان بحلول أمنية قاسية واتهامات تجاوزت المعقول في نظر المراقبين المحايدين، مما فاق في بعض الأحيان أعمال المستعمرين الأجانب، رغم أنه في بدء أمره كان متشدد الطرح، ولم يدخل في الإرهاب بعد، فهل كان يمكن تفادي الكارثة قبل استفحالها بحلول ديمقراطية، وفكرية، وعقلانية؟ أقول: نعم، وما زالت هذه الحلول هي البديلة للاستئصال الذي يجري اليوم بدون جدوى، خاصة وقد أعلنت معظم هذه الفصائل استعدادها لذلك، ولكن هل ممكن أن تتخلى الأنظمة عن عسكرة الديمقراطية، ويكون لها مصداقية فاعلة... نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :