; عصر التنوير في العالم العربي والحكومة الدينية | مجلة المجتمع

العنوان عصر التنوير في العالم العربي والحكومة الدينية

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992

مشاهدات 46

نشر في العدد 985

نشر في الصفحة 33

الأحد 19-يناير-1992

يردد بعض الكتاب أن عصر التنوير في العالم العربي بدأ مع مدنية الاستعمار الغربي للبلاد العربية ويستشهدون بأفكار ساطع الحصري الملقب برائد القومية العربية وأفكار لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل وأفكار طه حسين الملقب بعميد الأدب العربي وغير هؤلاء من الذين انبهروا بمادية الغرب فقلدوا أوروبا في كل شيء واتبعوها حتى في الانحرافات والمفاسد التي تئن منها أوروبا، حتى قال أحد قادة حزب الاتحاد والترقي في تركيا وهو أغلو أحمد: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الأوروبيين حتى الأمراض التي في رئاتهم والنجاسات التي في أمعائهم.

ولا شك أن كل صبي من صبيان المسلمين يعلم أن ما يسمى بعصر التنوير في أوروبا له أسباب مقبولة لدى الأوروبيين لأنه قد مرت أوروبا بعصور تسمى عصور الظلام أو القرون الوسطى خلالها تدخلت الكنيسة في كل شيء وأفتت في كل شيء بما في ذلك أمور الصناعة والطب والجغرافيا والهندسة فحرمت على الناس ما أحله الله وزعمت أن هذا الذي تقول هو حكم الله، لأن البابوات الذين ابتدعوا ذلك زعموا للناس أنهم إنما ينطقون بحكم الله، فما يحلونه في الأرض يحله الله في السماء، وما يحرمونه في الأرض يحرمه الله في السماء، وابتدعوا صكوك الغفران والحرمان ولن تنسى الإنسانية أنه عندما اختلف الامبراطور هنري الرابع مع البابا جريجوري السابع على من له حق تعيين الأساقفة منهما، أصدر البابا قرارا بالحرمان ضد الإمبراطور، وهذا يعني في المفهوم الكنسي حرمان الإمبراطور من دخول الجنة ومن طاعة الناس له، ولهذا اضطر الإمبراطور أن يطلب الغفران من البابا الذي اشترط عليه أن يقف أمام قصر البابا في روما ثلاثة أيام حافي القدمين حتى يسمح له بالدخول في أيام كان البرد فيها قارسا .

كما لا يجهل كل صبي من صبيان المسلمين أن بلاد العرب والمسلمين لا تعرف هذه الصكوك ولا هذا المفهوم الكنسي، ولم ولن تعرف حكومة الباباوات، لأن الإسلام في رسالته الخاتمة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسالة لإخراج الناس من هذه الظلمات إلى العدل والنور الذي أنزله الله قال تعالي: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16)، وقال الله تعالى في وصف الرسول والرسالة: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف:157).

بل إن فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح عام ١٤٥٣م يعتبر نهاية للقرون الوسطى في أوروبا وبداية للتاريخ الحديث حيث تفجرت حركة النهضة في أوروبا وتجرأ المفكرون والعلماء على المناداة بالتحرر من سلطان الباباوات ومن صكوك الغفران والحرمان، ولهذا سميت هذه الفترة بعصر التنوير، وهي تسمية أوروبية بحتة لأنه خلال عصور الظلام والقرون الوسطى كانت عواصم البلاد الإسلامية من مكة إلى بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة مركزا للعلوم والآداب والنور والعرفان سواء في المساجد أو المدارس أو الجامعات ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة في أوروبا محرومة من التعليم، لأنها رسول للشيطان ولا يعرفون إذا كان لها روح أم لا كالبشر ومن يعترف لها بوجود الروح يقول إنها روح شريرة.. في هذا الوقت كانت المرأة في البلاد العربية والإسلامية تتعلم ما يتعلمه الرجال بل من النساء من كان يعلم الرجال فقد كانت السيدة عائشة تعلم كثيرا من رجال الصحابة وتصحح لهم بعض الأخطاء حتى جمع ذلك الزركشي في كتاب اسمه «الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة».

ولقد سجل التاريخ بمداد من نور موقف الفتاة الصغيرة التي ذهبت الى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه متظلمة من أبيها بقولها: «إن أبي زوجني بابن أخيه ليرفع بي خسيسته. فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم أن أمرها بيدها إن شاءت فسخت العقد أو أجازت ما صنع أبوها. فقالت: الآن فقط أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الرجال أن ليس لهم من الأمر شيء» (رواه أحمد والنسائي وابن يل الأوطار ج 1 ص ٢٦٠).

ولقد اشتغلت زينب بنت عبدالرحمن الجرجاني بعلوم الحديث والفقه وكانت تروي عن كبار المحدثين وظلت تتعلم العلم وتعلمه حتى توفيت في نيسابور سنة 615هـ، كما أن زينب بنت مكي الحراني كانت من القانتات العابدات واشتغلت بالعلم والفقه حتى ازدحم بيتها بطلاب العلم وظلت على ذلك حتى توفيت سنة 668هـ، وكل هذا كان في الفترة التي تسمى في أوروبا بالقرون الوسطى أو المظلمة وهي من 476م إلى تاريخ العصور الحديثة والذي يبدأ بسنة 1453م (857هـ).

كما نشير إلى أن ما يسمى بالحكومة الدينية في أوروبا هو اصطلاح خاص في فترة حكم الباباوات حيث زعم هؤلاء الحكام أنهم يمثلون الإرادة الإلهية فيما يحرمونه على الناس، إنما ينطقون فيه باسم الله ونيابة عنه، ونتج عن ذلك تحريم كافة أنواع العلوم التجريبية والتي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». ولكن من نكد الدنيا على العلم والعلماء أن كتابا من العرب يحلون لهم المغالطات المكشوفة فيكتبون أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو بعينه العودة إلى نظام الحكومة الدينية في أوروبا وهؤلاء لا يجهلون أن الباباوات في أوروبا يستندون إلى أن الله هو الذي اختارهم للحكم وأنه خولهم صلاحية التحليل والتحريم بين الناس فلا يملك أحد أن يحاسبهم أو يعزلهم أو يرد حكمهم، بينما الحاكم في النظام الإسلامي يختاره الشعب ويحاسبه ويعزله، وهذا معلوم لغير المسلمين من الباحثين، ومعلوم لهم أيضا أن تطبيق الشريعة الإسلامية يعني الالتزام بنصوص القرآن والسنة، ولا يعني أبدا نظام الحكومة الدينية في أوروبا، بل قد نزل القرآن لإبطال هذه المزاعم، فمن خصائص هذه الرسالة قول الله: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

الرابط المختصر :