العنوان عصر المهانة
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 26
الأحد 29-مارس-1992
العجيب أن الأذى يلحق بالجميع..
ويبقى الحاكم الفرد الذي حشد الجيوش وشرد الشعوب جاثماً على الصدور.
أفرزت أزمة الخليج التي فجرها الغزو العراقي للكويت عديدًا من
النتائج، كما أبانت عن كثير من الخفايا، وكشفت عن عدد من الظواهر الهامة والخطيرة
لعل أبرزها وأفدحها آثارًا: ثلاث ظواهر صار يدركها الداني والقاصي والقريب والغريب
وربما كانت شماتة القريب إزاءها تعادل هم وألم المصاب، بل وتزيد.
- هامشية الإنسان العربي:
في كثير من جهات عالمنا العربي والإسلامي إلى الحد الذي تعدى إهمال
رأيه ووزنه في الأمور التي تتعلق بشؤون حياته، وحقه في التصور والتفكير والاختيار،
بل ووصل الأمر إلى حد استباحة حرماته، وإباحة إهانته ومواجهة أية محاولة من جانبه
لنيل حق من حقوقه أو استعادة جانب من كرامته أو إبداء رأيه في شأن من شؤونه العامة
أو الخاصة بالسخرية والازدراء ورميه بالقصور والجهل، وضيق الأفق والعجز عن ملاحقة
متطلبات العصر والتحضر، بل ووصل الأمر إلى مستوى الملاحقة بالقهر والحجر والحجز.
ووازى هذا كله ما أعطته السلطة الفردية لنفسها حق إصدار القرارات في
مختلف شؤون وقضايا البلاد والعباد، بلا رقابة أو محاسبة، ووسط قرع طبول إعلامها
الرسمي الذي يضفي على القرارات الحمقاء الرعناء شتى صفات الحكمة والمعرفة والعلم
والإدراك والتنزيه عن الخطايا والتجرد من الأهواء بأن وراءها شتى المكاسب
والانتصارات، كما تم من خلالها تجذير وتعميق المبادئ والشعارات.
ووصل الأمر في أجواء المهانة التي لحقت بالإنسان العربي في كثير من
الديار والأمصار إلى مستوى اتخاذ عديد من القرارات المصيرية التي هددت وتهدد مصيره
ومصير كل العرب في شتى الديار، فقد تم شحنه وحشده ودفنه في الكونغو، وتم سحقه على
سفوح جبال اليمن، وأخيرًا تم ترويعه وتشتيته وهدم دوره وتدمير موارد رزقه، بل
والاعتداء على عرضه في الكويت، مع فتح الأبواب والنوافذ أمام كل الأخطاء لتحدق
بالجميع وتعصف بالجميع، وتهدد حاضر ومستقبل الجميع.
والعجيب أن الأذى يلحق بالجميع، والنوازل تحل بالجميع، ويبقى الفرد
الذي اتخذ قرار حشد الجيوش، وشحن البشر وتشتيت الشعوب.. جاثماً على الصدور، باحثًا
عن كل السبل والوسائل لاستخدامها في إحكام القبضة على الأعناق، ولو بمزيد من
الإهانات يلحقها بالإنسان العربي مع مزيد من المصادرة لأبسط حقوقه.
- الظاهرة الثانية:
ترتبط بالظاهرة الأولى.. وهي ظاهرة التمزق العربي الذي فاق كل
التصورات، وتعدى كافة الحدود وسط عالم يتجه إلى الوحدة والتكتل، حتى بدت على خريطة
العالم تكتلات صار وسيصير لها شأن هام وخطير في تشكيل السياسات أو تأكيد الوجود في
عالم التفرد الأمريكي بالزعامة والسلطة والسلطان.
وإذا كان تهميش دور الإنسان العربي ووجوده في عديد من الجهات مع إلحاق
الأذى والمهانة به واستباحة حرماته في ظل فردية السلطة والقرار.. قد صاحبه على
مستوى الداخل شكوك لا حصر ولا حد لها في قدرات الإنسان العربي وإمكاناته، وفيما
يضمره بين جنبيه، أو يعلنه عبر جوارحه، فإن هذه الشكوك تركت بصماتها وآثارها واضحة
على توجهات سياسات النظم الفردية حتى لم يعد لديها إيمان بقدرة العرب على الوحدة
أو الاتحاد أو حتى صلاحيتهم لهما، كما لم يعد لديها قناعة في إمكان توحيد الجهود
والطاقات على المستوى العام لتحقيق الصالح العام، وإثبات الوجود على الساحة
العالمية مثل غيرنا من البشر، وزاد ويزيد الطين بلة سيطرة شهوة الحكم والمصلحة
الخاصة على صاحب القرار الفرد، والتفاف جماعات النفاق حوله تُزين القبيح، وتُجمل
الكريه، وتثني على الأخطاء، وتمتدح الجرائم.
وأدى انعدام الثقة وغلبة المصالح الخاصة عند السلطة الفردية على
المستوى الداخلي إلى انعدام الثقة وغلبة المصالح الخاصة على المستوى العام.. فصارت
النظم الفردية التي لا تستمد جذورها وسلطاتها من الشعوب، ولا ترجع في قراراتها إلى
الشعوب.. ولو كانت قرارات مصيرية تهدد مصائر كافة الشعوب، تتعامل على الساحة
العربية العامة كما تتعامل على ساحاتها المحلية من خلال قرارات ومواقف هي وليدة
الأهواء والتسلط والحمق والتهور، ومن ثم فقد صار من الطبيعي وكنتيجة لسيطرة
النزوات والرعونة والأهواء أن تتجه مدافعنا إلى الداخل، وتنكفئ توجهاتنا أيضًا إلى
الداخل، وكان من الطبيعي أيضًا أن تخور القوى عن مواجهة المخاطر الحقيقية التي
تعشش داخل ديارنا أو التي تُحدق بنا من الخارج، كما كان من الطبيعي كذلك وقد خارت
قوانا إلى هذا الحد أمام قوى الخارج أن نستجيب لشروط وتهديدات الخارج، فلحقت بنا
مهانة الخارج، كما لحقت بنا المهانة من الداخل.
- الظاهرة الثالثة:
وتلك
هي الظاهرة الثالثة أن البطش وبلا حدود مع القمع والتجبر بما يفوق كل الحدود،
مصحوبًا بالغطرسة والعنجهية في الداخل، يقابله عند المتغطرسين وأرباب القمع
والتجبر.. الرضوخ والاستجداء أمام قوى الخارج، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يحدث
في تونس والجزائر وفي بعض البلاد الأخرى.
وتلك كما أحسب نتيجة طبيعية لسياسة السلطة الفردية القائمة على إذلال
الشعوب وإلغاء وجودها ودورها، فيفقد الحاكم الفرد مصدر التأييد الصحيح، كما يفتقد
مؤسسات الرقابة والمحاسبة الصحيحة، كما يفتقد أيضًا مصدر النصيحة الخالصة، ويحظى
بالكراهية الشديدة في الداخل وعلى الساحة العربية كما يحظى بالمهانة الشديدة على
مستوى الخارج.
ولعمري فقد وضع الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- النقاط فوق الحروف،
وأبرز الحقيقة تمام الوضوح وبكافة أبعادها حين قال للرعية قولته: «لا خير فيكم إن
لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها» كما وضع الفاروق عمر -رضي الله عنه-
عديدًا من النقاط فوق العديد من الحروف، تأكيدًا وتوضيحًا للمعالم الصحيحة، وليُسترشد
بها كل حاكم يبحث عن النجاة والفلاح ويحرص على عزته وكرامته حين قال وهو ينظر إلى
الكعبة: «مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ»، ثم أردف: «وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ المُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً
مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ».
ولكن حين تغيب أو تُغيَّب المعالم الصحيحة، وتتلاشى الضوابط الصحيحة
داخل النفوس وخارجها، تُسفك الدماء وتستباح الأعراض، وتُنهب الأموال وتُخرب
الديار، ويروع الأبرياء، ويرخص الإنسان العربي، ويستغاث بالمعتصم، فلا يوجد في هذه
الحاضرة أو تلك إلا طاغية أجوف.. فهو عصر المهانة تتوالى فيها بشتى أشكالها وصورها
وقبل كل الآخرين على رؤوس الطغاة المستبدين.
- رئيس تحرير مجلة لواء الإسلام القاهرية