; عصم الله عز وجل رسوله من لهو الجاهلية ومجونها | مجلة المجتمع

العنوان عصم الله عز وجل رسوله من لهو الجاهلية ومجونها

الكاتب أحمد إسماعيل عبدالكريم

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005

مشاهدات 188

نشر في العدد 1662

نشر في الصفحة 52

السبت 30-يوليو-2005

إعداد الرسول ﷺ قبل البعثة

  • كان في صباه إذا هم باقتراف فعل لا يليق بمكانته تدخلت عناية الله لتمنعه.

لما كانت الطبيعة البشرية لا تخلو من العيوب والأدران البشرية تطغى على الطبيعة الإنسانية، والإنسان في حالة صراع متواصل بين العقل والوجدان والهوى والشيطان، فتشده الدنيا، فيرغب في ملذاتها، وينساق بهواه إليها، فتارة ينتصر ومرات كثيرة ينهزم أمام نزواته. 

فلا يستطيع الإنسان، أي إنسان أن يكبح جماحها، إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى. وهكذا فإن الله عز وجل أعد رسوله إعدادًا یتوازى مع سمو رسالته، فكان صورة مثالية لبني البشر، أسمى صورة أرادها الله سبحانه في أرضه، ونموذجًا أسمى فيمن استخلفهم من خلقه وأناط بهم القيام بما كلفهم به، ولذا حط عنه كل ما يشين شخصيته، فأحاطه بعنايته، وشمله برعايته، وخلصه من الأدران البشرية الخبيثة التي تعلق بالقلوب. 

ولا غرو، فإن العناية الإلهية والإعداد الرباني لمحمد شملته في صباه، بل قبل أن يخلق آباءه وأجداده وسلفه الطاهرين، ولن نذهب بعيدًا. وسنكتفي بالإشارة لعناية الله به في مرحلة الصبا والبلوغ، ففي حديثه العظمة كلها. والإعجاز بكافة صورة حيث يقول: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، فهل ثمة تأديب بعد تأديب الخالق؟ ولا تربية تعلو على تربيته سبحانه! وأدبه سبحانه ومنحه شهادة الخلق العظيم حين قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4).

وإذا كان القرآن الكريم هو الدستور الإلهي التنظيري، فإن محمدًا هو النموذج التطبيقي لما يجب أن يكون عليه البشر جميعًا، حيث يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نكون نموذجًا له نحذو حذوه ونقتفي أثره فقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21). 

ولذلك أعده الله بشديد عنايته، وعظيم رعايته، فكانت تحرسه عين الله التي لا تنام وتحوطه يد الله بالقوة والسلطان، وقد أحس بذلك ومن حوله بمثل هذه الكرامات التي كانت بمثابة إرهاصات على عظمة ما سيكلف به من مسؤولية إلهية فمن أولى إحاطته سبحانه بعنايته وإعداده حادث شق الصدر وطرح ما علق به من أدران البشرية.

وقد سجل القرآن الكريم هذه الحادثة في سورة الشرح في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ (الشرح: 1- 8)، حيث أزال المولى سبحانه وتعالى عن رسوله أوزار الوثنية من قلبه منذ طفولته المبكرة فحمل بين أضلعه قلبًا عامرًا بالطهارة والصدق والرحمة والإخلاص. 

ولما كانت الحياة الجاهلية تعج بصنوف اللهو وألوان المجون، وقد انخرط في معتركها جميع الشباب الذين نشأوا في هذه البيئة، وما يمنعهم عن ذلك وتلك الحياة بعاداتها ترعرعوا فيها وتربوا في خضمها ونشأوا في محيطها؟؟ وما يمنع محمدًا أن يفعل مثل ما يفعله بنو جلدته؟! ألم يكن واحدًا منهم، وتربى في نفس المحيط الذي نشؤوا فيه؟!

كلا ... لكنها عناية الله عز وجل، الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وقد تكفل برعاية رسوله ورباه على عينه، وحسبه أن أحسن تأديبه. وقد ورد كثير من الروايات توضح لنا عصمة الله لنبيه مما كان سائدًا من موبقات تفشت في بني قومه.

وقد عصم الله عز وجل رسوله من لهو الجاهلية ومجونها، وقد كانت الوثنية متفشية في أرض الجزيرة العربية، وكانت قريش تعبد الأصنام ويتقربون إليها زلفى.. طالبين العون والنجدة والنصر على الأعداء، ويقدمون لها القرابين ويتوددون لها بالنذور، ولكن الله عز وجل صرف رسوله عن هذه الأمور كلها، فلم يكن ليتقرب إلى صنم ولم يتزلف لهيكل، وكان يعلم في قرارة نفسه أن ذلك جاهلية جهلاء وغباوة جلفاء لأنه يعلم أن هناك إلهًا يدير الكون ويدير دفته فلا سلطان إلا سلطانه، ولا قوة إلا قوته، وأن هذه الأصنام لا حول لها ولا قوة، فلا تملك ضرًا ولا نفعًا، وقد جانب هذه العادة التي اتبعها أهله كابرًا عن كابر.

فقد أحاط الله سبحانه رسوله بعنايته وعصمه من الزلل، فلم يقع في هفوة، ولا أخذت عليه هنة، وكانت يد الله تتعهده بالرعاية، فلم يبرح مكانًا إلا ويد الله مبسوطة عليه، فقد روي أنه «كان ينقل الحجارة للكعبة مع قريش وعليه إزار فقال له عمه العباس: يابن أخي.. لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة ففعل ذلك، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا» (متفق عليه). وهكذا عصم الله نبيه خلقًا وسلوكًا، فإذا ساقته الأقدار إلى الهم باقتراف فعل لا يليق بمكانته ورسالته، وإن لم يذكر، فإن يد الله تتدخل عند ذلك، فيكف ولم يعاود فعل ذلك مرة أخرى، ومن ثم أمضى حياته بعيدًا عن اللهو والمجون وعن كل خلق شائن، فصلى الله عليه وسلم.

الرابط المختصر :