; موسى الكليم: مولده كان إيذانا بقرب زوال ملك فرعون | مجلة المجتمع

العنوان موسى الكليم: مولده كان إيذانا بقرب زوال ملك فرعون

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008

مشاهدات 67

نشر في العدد 1798

نشر في الصفحة 52

السبت 19-أبريل-2008

  • التربية الربانية والعناية الإلهية، أهلته ليكون من أولي العزم من الرسل.
  • لا يكون في ملك الله إلا ما يريد.. لكنه أمرنا أن نأخذ بالأسباب.

مع مولد نبي كريم ورسول عظيم من أولي العزم من الرسل، ذكر في القرآن الكريم (۱۲۹) مرة وفي (١٢٤) آية من آياته، جاء بشريعة عظيمة دعا إليها أنبياء كثيرون من بعده، هو نبي الله وكليمه، رأه النبي صلى الله عليه وسلم في السماء السادسة في رحلة الإسراء والمعراج، ضرب لنا مثلًا كبيرًا في الصبر وتحمل العنت في سبيل إيصال رسالته، فبلغ وأوذي في تبليغها، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا آذاه الناس يقول: «رحم الله أخي موسي، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» «البخاري»، فهو قمة عالية من قمم الصبر العظيم التي دعا الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بها فقال له، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل﴾ (الأنعام: ۹۰).

ميلاده في جو رهيب: حين قدر الله تعالى لأم موسى أن تحمل بموسى كانت تخشى من ظهور ذلك الحمل على بطنها ولم لا؟ والنصال تحيط بمن حولها من أولات الأحمال بغية البطش بمن يولد لهن من الذكور وذبحهم.

ورغم ظلم فرعون وجبروته وقوته المزعومة وألوهيته المتوهمة، فقد احترز كل الاحتراز ألا يولد موسى، حتى بلغ من سفاهته وغبائه أن جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى من نساء بني إسرائيل ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته. 

فما الظن بما سيفعله فرعون بموسى وقد ولد في هذا الجو المرعب والحال الرهيب؟ وكان الموعد في أرض مصر في ساعة عصيبة حين ولد موسى، إيذانًا بقرب زوال ملك الملك الفاني، وانتهاء سلطان العبيد المتألهين، كانت أمه تخشى أن يعلو صوته فيها بالاستهلال والبكاء فيستقبله الموت بدلًا من الحياة، فتفقده الأم إلى الأبد! لكن الله تعالى كان لفرعون بالمرصاد، فمن ذا الذي يملك أمام حوله حولًا أو قوة، أو ضرًا ونفعًا، فضلًا عن أن يملكها لغيره، لذا فقد أحبط الله كيد فرعون وأبطل مكره ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ ﴾ (فاطر: 43) ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

نجاة الطفل الرضيع:

وقد كانت نجاة موسى من الذبح ميلادًا جديدًا له، ومعجزة ممن يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى، وكانت رضاعته علامة من علامات القدرة الإلهية، أما نشأته فهي آية من آيات الله التي لا تنفد ولا تنتهي، ولم لا وقد ولد في جو مليء بالظلم والعدوان، وزمان كان فيه فرعون هو السيد المطاع يأمر فيجاب، يقول للناس: «أنا ربكم الأعلى» والويل كل الويل لمن لا يقف على أعتاب بابه يطلب عفوه وقربه، ويعبده ويؤلهه، وولد في الوقت الذي فيه أمر بذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، وذلك كما قيل لرؤيا رآها وفي تأويلها أن ذهاب ملكه على يد مولود يولد منهم، أو لما سمعه مما كان يتدارسه بنو إسرائيل فيما بينهم مما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، أيًا كان السبب فقد جن جنون فرعون وأمر بقتل كل مولود ذكر يولد في بني إسرائيل، ثم إنه خفف الحكم على المواليد بالذبح عامًا دون عام، استجابة لقومه خشية فقد الأيدي العاملة من بني إسرائيل مع مرور الوقت، لذا فقد فزعت أم موسى وهالها أن يكون مولودها ذكرًا إذ خرج إلى الحياة في عام الذبح لكن الله الرحيم الذي لا يكون في سلطانه إلا ما يريد أوحى إليها وحي إلهام ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7)، وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل فاتخذت تابوتًا ومهدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر وذهلت أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون «ابن كثير».

وألقى الله في قلب الملكة حبه ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: 9)، وذلك لما رآه فرعون وهم بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل، وكان ذلك الحدث ميلادًا جديدًا لذلك المولود الذي كاد أن يذبح في تلك اللحظة لولا لطف الله تعالى به.

نشأة موسى عليه السلام:

ذكر المفسرون: أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون «آسية بنت مزاحم»، فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، ورأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، ووقع نظرها عليه أحبته حبًا شديدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ ﴾ (القصص: 9)، وعن ابن عباس قال: لما أنت امرأة فرعون إلى فرعون بموسى قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ ﴾ (القصص: 9) قال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت الهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك»، وعن السدي، قال: لما أتي فرعون به صبيًا أخذه إليه، فأخذ موسى بلحيته فنتفها، قال فرعون: علي بالذباحين، هو هذا! قالت أسية: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (القصص: 9) إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه «الطبري».

وهكذا نشأ موسى صبيًا في قصر فرعون وتربى فيه، وسبحان الله الذي مكن لموسى في قصر الملك.

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه: 39):

لقد كرم الله موسى عليه السلام بأشياء كثيرة، فقد كرم وجهه فلم يسجد لإله من آلهة القصر، وآتاه بسطة في القوة والجسم جعلته لا يخشى أحدًا سوى الله عز وجل، وألقى محبته في قلوب الناس وهذا من أعظم المنن، قال تعالى: ﴿إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ﴾ (طه: ٣٨- ٤٠). وقال له: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ أي لتغذى وتربى على محبتي وإرادتي، ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين مني، وقيل: جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة ولتصنع على عيني بمرأى مني ومحبة وإرادة وأنت بعيني في أحوالك كلها، أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، ﴿إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ﴾ (طه: ٤٠)، وقال له ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (طه: 41) أي اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي أي كما أريد وأشاء «ابن كثير»، وأنعمت عليك يا موسى هذه النعم، ومننت عليك هذه المنن، اجتباء مني لك، واختيار لرسالتي والبلاغ عني، والقيام بأمري ونهيي «الطبري»، لقد أهلته هذه التربية الربانية والعناية الإلهية ليكون من أولي العزم من الرسل. 

درس إيماني كبير:

إنه درس إيماني كبير لي ولك ولكل مؤمن، فالثقة بالله عز وجل يجب أن تملأ القلوب وتحركها، مع الأخذ بالأسباب، وها نحن نرى فعل الله بنبيه عليه السلام وهو رضيع صغير وطفل ناشئ لا حول له ولا قوة، ووعده سبحانه لأم موسى وبشارته العظيمة بنبوته حين ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7) وأمرها جل وعلا أن تأخذ بأسباب حفظ وليدها، وقد كان قادرًا على حفظه بلا أسباب لكنه عز وجل قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7)، والله تعالى لا يخلف وعده وهو خالق الأسباب ومسببها ومسخرها لتتحقق أقداره في ملكه وخلقه، وها هو موسى الذي كان مهددًا بالذبح البارحة يتنقل بين أروقة القصر الملكي يتلقى الرعاية والحظوة والمكانة، في قصر من أراد قتله وقتل الكثير من الأطفال خشية أن يكون موسى منهم، أما الآن فهو الذي يتبناه ويربيه ليكون هلاكه على يديه في الدنيا والآخرة وهكذا يطل الأمل برأسه من بين الأزمة والشدة، فما اشتد كرب إلا وهان، وما ضاقت واستحكمت إلا فرجت أرأيت كيف يسخر الله أسباب التمكين لموسى ليصير رسولًا نبيًا؟ إن لنا عبرة فيما حدث، فالله لا يكون في ملكه إلا ما يريد، لكنه أمرنا أن نأخذ بأسباب الحياة الطيبة، وهو من وراء القصد وعليه التكلان، فمن أخذ بأسباب القوة قواه ومن أيقن بنصره نصره، ومن وثق بما عنده وامتلأ قلبه بالتوكل عليه هانت أمامه المغريات، وكان طالبًا لما عنده عاملًا من أجله.

الرابط المختصر :