العنوان معالم على الطريق.. عصور الفتن.. هل تستطيع الأمة تجاوزها
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012
مشاهدات 46
نشر في العدد 1984
نشر في الصفحة 29
الجمعة 13-يناير-2012
لا أجد أمة نبهت إلى خطر الفتن كما نبهت أمة الإسلام، ولا شعوبًا حذرت منها كما حذرت الشعوب المؤمنة؛ سواء أكانت تلك الفتن صغيرة أم كبيرة تموج موج البحر، وسواء أكانت شيطانية أم إنسانية، وسواء أكانت من ذات أنفسها أم من أعدائها.. والفتن في خطورتها تكون كالنار، ولهذا عرفها الخليل بقوله: «الفتن إحراق الشيء بالنار»، ولهذا يقال: ورق فتين أي محترق، وقد قال القرآن الكريم فيها: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: 191)
وقال الراغب الأصفهاني: الفتنة في العباد هي البلية والمصيبة والعذاب والقتل.. وقال غيره: الفتنة هي التسليط والقهر كقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الممتحنة: 5)
وكان الرسول ﷺ يستعيذ من قهر الرجال: «وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».
وقد حذر القرآن والسنة من فتن كثيرة، سنتعرض لاثنتين منها فقط: الأولى: فتنة المسلمين بعضهم مع بعض. وقد حذر الإسلام منها أشد التحذير فقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25)؛ لأن الفتن ستكون شديدة الوطأة والوقع على الأمة، بحيث إن تمكنت منها قضت على الأخضر واليابس، وأصابت الكل بشررها ونارها، فأمر القرآن بتجنبها وتحاشي أسبابها ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (النور: 63)
فإن وقعت، فالصبر حتى تنجلي، والثبات حتى تنقشع، ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (الفرقان: 20)
ثم يتحاشى الإنسان السير فيها، والانخراط في موجها وزخمها، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به»؛ أي من تطلع إليها وتعرض إليها أتته ووقع فيها وذلك أمر يحتاج إلى بصيرة وعمل؛ لأن الفتن لا تنقشع إلا بالأعمال الطيبة، كالعدالة ورعاية مصالح الرعية، والتقوى وغير ذلك من الأعمال التي تمنع الكوارث والمظالم، وإلا دخلت الشياطين للإفساد وذهبت التقوى وكثر النفاق والضياع وهانت الدماء والأعراض، روى الترمذي ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»
ولا شك أن هناك رجالًا أصحاب بصائر وعقول يعرفونها فيقفون كالجبال في وسط رياح الفتن، لا تهزهم أعاصيرها ولا تزحزحهم صواعقها، روى أبو داود عن حذيفة قال: «ما من أحد من الناس تدركه الفتنة إلا خفت عليه منها، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول له: «لا تضرك الفتنة».. وقد كان هناك رجال في تاريخ الأمة كالشموس تنجلي عنهم كل فتنة عمياء، يعرفون رياحها ونذرها، فحصنوا أنفسهم ضدها، وتسلحوا لمقاومتها، وصدق رسول الله ﷺ إذ يبين الطريق للسالكين فيقول: «تعرض الفتن على أمتي كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه».. نعم هناك رجال يملأ الإيمان قلوبهم وينير بصائرهم، فلا يقعون في الفتن، وهناك آخرون تحركهم الشهوات وأشياء كثيرة، وهم الذين يحرقون الأمة ويجهزون الشعوب للضياع.
أما الفتنة الثانية فهي فتنة الأعداء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الممتحنة: 5)
وهي المرادة بقول الرسول ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها»، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» وهذه فتنة لغلبة الأعداء وتسلطهم على المسلمين وقهرهم واستباحة بيضتهم وأرضهم، وهي فتنة كبيرة، وهناك فتنة أخرى أشارت إليها الآيات، وهي فتنة الكافرين بصدهم عن الإسلام بأعمال المسلمين، حينما يعتريهم الهوان وتضل أعمالهم وتتلوث سيرتهم ويتمكن الباطل منهم ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان، فيقول الكافرون: لو كان هذا الدين حقًا ما صار أصحابه إلى ما صاروا إليه، فيكون في هذا صد عن سبيل الله وعن انتشار الإسلام.. والأمة الإسلامية اليوم مصابة بهذه الآفات المهلكة، وعليها مزيد، فهل تستطيع أن تنقذ نفسها، أم أنها عميت وكلت ووهن القلب وضاع العزم؟
وإذا البصائر عن طرائق رشدها
عميت فماذا تنفع الأبصار؟
يغشى الفتى حب الحياة وزينة
الدنيا وينسى ما إليه يصار
وهذه الأيام تغشى العالم الإسلامي كله فتنة، وتلفه سحابة قائمة من دواه ليس لها من دون الله كاشفة، وذلك بسبب مطالبة الشعوب بحريتها وأن يقوم فيها حاكم صالح فيعمد المفسدون إلى قتل المجاهدين والمخلصين والتخلص من كوادر الخيرين بأسباب واهية وحجج باطلة، ولا أحد يستطيع أن يبرر قتل الأبرياء والآمنين والعزل، فتلك جريمة لا شك فيها بصرف النظر عن ظلم الأنظمة الفاسدة التي أثارت عليها الكثيرين، وحتمًا يجب أن يحاسب المتسببون في هذه الكارثة، ولكن ينبغي ألا يؤخذ البريء بذنب لم يقترفه، وكان يتخذ هذا تكئة لكثير من الأنظمة لتصفية حسابات معينة وزيادة المظالم، وبالتالي يعمد الكثيرون من الأعداء إلى إباحة الدماء وزيادة القهر والظلم، كما يعمد كثير من الحكام والسلطات الفاشلة والفاسدة إلى استغلال الموقف لضرب معارضيها من السياسيين والإسلاميين، بل ربما كان يمتد الأمر إلى ضرب الإسلام نفسه في ديار المسلمين وغيرها، تحت ستار ضرب الإرهاب، فيكون هذا هو الإرهاب الأكبر بعينه، والفتنة العمياء ببشاعتها ولن يزيد الأمر إلا اشتعالًا وفي هذا الوقت نسمع الكثير من العقلاء يستنكر ما وقع هنا أو هناك بدون تمحيص أو بصيرة، فيؤدي ذلك إلى ما لا يحمد عقباه وما لا يمكن التخلص منه، ويقول: يجب أن ينال الجاني العقاب الرادع، ولكن حذار أن يستغل ذلك لضرب المخلصين البراء من الوطنيين والمسلمين، وأن تستغل هذه الكوارث إلى مساندة الظلم والظالمين، وإلحاق الأذى بالأبرياء المسالمين، وإلا فلا يعلم أحد إلا الله ما سيكون عليه حجم الفتن التي ستعصف بالأمة، ولن ينجو منها أحد، وأفضل ما يجب أن يكون أن تراجع هذه الفتن مرة ومرات من قبل العقلاء، وأن يوضع الأمر في نصابه، وألا تستغل الفواجع من البعض لزيادة الكوارث، كما ينبغي على الأوفياء في الأمة والمخلصين من صناع القرار أن يقدموا أصحاب الرؤى السابرة والبصائر المستنيرة والآراء الثاقبة ليكونوا الحصن الواقي والسد المنيع الذي يقي الأمة من الفتن وينتشلها من براثن الهزيمة وجرثومة الانكسار، فهناك رجال وعوا تجارب الحياة وخاضوا غمار الصعاب، وفقهوا وسبروا أعماق الشدائد وعاركوا الأزمات:
إذا الخطب قالوا من له خلت
أنني دعيت له فقمت مبادرًا
صبور على الأهوال حتى لو أنها
أرتني حمامي لا أرى متقهقرًا
وهؤلاء هم الأقدر على كشف الغمة إن شاء الله ودرء الفتن بعد الاعتماد على الله سبحانه والتوكل عليه، والله نسأل أن يكشف الكرب ويهدي لأقوم السبل ويهيئ لمستقبل مفعم بالتطور والازدهار. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل