; عظماء منسيون (۸) «عبد العزيز الثعالبي» ... رجل الحماسة والهمة | مجلة المجتمع

العنوان عظماء منسيون (۸) «عبد العزيز الثعالبي» ... رجل الحماسة والهمة

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008

مشاهدات 42

نشر في العدد 1819

نشر في الصفحة 30

السبت 13-سبتمبر-2008

  • من أصل جزائري ولد بتونس عام ١٨٧٤ م ورعاه جده المجاهد عبد الرحمن الثعالبي، الذي قاوم الفرنسيين في الجزائر.
  • أسس الحزب الوطني الإسلامي وقاد حملة للدعوة إلى استقلال تونس عن فرنسا.
  • وقف عقبة كأداء أمام مؤامرة تجنيس فرنسا للتونسيين بعد الحرب العالمية الأولى وظل يكتب في الصحف المصرية وغيرها مفندًا هذا الأمر ومبينًا خطورته.
  • كشف أن حركة الاستقلال في الهند كانت بيد زعماء المسلمين وهم الذين ابتدؤوها إلى أن خطفها غاندي منهم ثم نسبت إليه.
  • استطاع أن يظهر بوضوح أن تونس قبل الاحتلال الفرنسي كانت تملك مقومات النهضة وقد قطعت خطوات مهمة في ذلك الطريق فجاء الفرنسيون ليهدموا كل ذلك. 
  • محمود زكي باشا كنت من أشد المعجبين بذكائه الباهر وفصاحة لسانه وسعة اطلاعه وغزارة علمه وفرط حميته الإسلامية.

عبد العزيز الثعالبي، علم من أعلام تونس الخضراء، وكم في تونس من أعلام، وكم ظهر فيها من رجال عظام منذ أنست بالفتح الإسلامي إلى يومنا هذا، ولئن نكبت في هذا الزمان بـ بورقيبة، و ابن علي، فإن فجرها قادم بإذن الله تعالى، وضياءها منتشر عما قريب: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: ٥١).

كانت تونس إلى القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي ولاية تابعة للخلافة العثمانية، ولما ضعفت الدولة العثمانية في أوائل ذلك القرن بدأت الأخطار تتهدد تونس من جهتي فرنسا وبريطانيا، وابتدأ التدخل الأجنبي يؤثر في تونس منذ الثلث الأول من ذلك القرن، وظهر ذلك فيما يعرف بالامتيازات التي منحت لفرنسا ثم إنجلترا، وفي عدد الأجانب الكبير الذي انتشر في البلد، وصبغ الحياة هناك بالصبغة الغربية، وأحاطت الدسائس بتونس التي كانت قد خطت خطوات إلى الحضارة والعمران على يد الوزير خير الدين التونسي والشيخ محمود قابادو، وآخرين...

احتلال فرنسي

لكن ذلك لم يدم؛ إذ سرعان ما سقطت البلاد في قبضة الفرنسيين سنة ۱۸۸۱م، إثر مناوشات قبلية حدودية بين تونس والجزائر، اتخذتها فرنسا ذريعة لاحتلال تونس، ومن ثم إعلان الحماية عليها سنة ١٨٨٢م في الثاني عشر من مايو، وعلى إثر ذلك عينت فرنسا فرنسيًّا مستعربًا يدعى لويس ماشويل رئيسًا لإدارة المعارف، وأطلقت يده في البلد، فاستولى على كل ما له علاقة بالتعليم والثقافة، واستولى على التعليم في الجامعة الزيتونية، ووضع قوانين تقدم الفرنسية على العربية في مناهج التدريس، وأوقف النهضة العلمية في الزيتونة التي كانت قد جمعت آنذاك بين العلوم الشرعية والعصرية، وقيدت فرنسا حريات التونسيين في التعبير والنشر، وحولت الإدارة إلى النظم الفرنسية، وجعلت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلد، وأهملت المؤسسات التي خطت خطوات في الطريق إلى الحضارة والعمران كالزيتونة ومدرسة باردو الحربية التي جمعت بين العلوم العسكرية والهندسية والرياضية، وكان غياب خير الدين التونسي، عن تونس مؤثرًا في الروح المعنوية لأهلها، فقد استقال من الوزارة قبل الاحتلال الفرنسي لتونس، وصار صدرًا أعظم رئيسًا للوزراء في الدولة العثمانية، وبقي فيها إلى وفاته سنة ١٨٩٠م.

وظهر على إثر ذلك في تونس رجال يريدون الإصلاح والارتقاء، مستمسكين بحبل الإسلام والعربية، ومقابل هؤلاء ظهرت فئة تريد السير في ركاب فرنسا وهي فئة مستغربة أنشأت جمعية سمتها قدماء الصادقية وظهرت فئة ثالثة هي فئة المشايخ المعتزلين للفريقين، وهم بين سلفي وصوفي، أما الفئة الأولى التي بنت دعائم إصلاحها على أسس إسلامية وعربية وعلى إرادة الخلاص من فرنسا واحتلالها البغيض، فقد برز فيها الشيخ سالم بوحاجب والبشير بن مصطفى صفره تلميذ خير الدين التونسي، وقد كان لهم جمعية سموها (الحاضرة)، وأصدروا جريدة أسبوعية لها الاسم نفسه، ومن ثم أسسوا المدرسة الخلدونية سنة ١٨٩٦م.

نشأته

وفي تلك المدة برز الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي ولد سنة ١٣٩٣هـ / ١٨٧٤م في تونس، وهو من أصول جزائرية، واهتم به جده المجاهد عبد الرحمن الثعالبي الذي قاوم الفرنسيين في الجزائر، وقام على تعليمه وتحفيظه القرآن ومبادئ النحو والعقيدة، ومن المواقف التي أثرت فيه في صغره، أنه لما كان في السابعة من عمره رأى أمه تبكي فسألها عن السبب فقالت: أما رأيت الفرنجة يمرون من هنا؟ إنهم يحتلون تونس، ولن يخرجوا منها إلا بالحرب.

ثم التحق بمدرسة باب سويقة الابتدائية بتونس، ثم بجامع الزيتونة، واختلف المؤرخون هل أكمل دراسته أم لا، وكان كثير الانتقاد لطرائق التدريس ومناهجه وكتبه، وهذا أدى إلى تبرم بعض المشايخ منه.

تأسيسه حزب إسلامي

ولما تأسس في تونس الحزب الوطني سنة ١٨٩٥م الذي كان أول حزب يطالب بتحرير تونس انضم إليه، ثم أسس الحزب الوطني الإسلامي، وكتب في الصحف داعيًا إلى الاستقلال، فعطل الفرنسيون جريدتين المنتظر والمبشر، فأسس جريدة سبيل الرشاد، التي استمرت عامًا ثم عطلت، ومن بعدها ضيقت الحكومة على الصحافة، وهنا رأى أن تونس ضاقت عليه، فقرر الخروج منها لكن الفرنسيين منعوه، فهرب إلى طرابلس التي كانت لا تزال تحت الحكم العثماني، فعمل السفير الفرنسي في طرابلس على إخراجه منها، فخرج إلى إستانبول عن طريق اليونان وبلغاريا، فوصلها سنة ١٨٩٨م. وتحدث مع رجال الدولة وناقشهم في القضية التونسية، ومن ثم غادرها إلى مصر، واجتمع بكثير من كبارها، ثم عاد إلى إستانبول ومنها عاد إلى تونس فوصلها سنة ١٩٠٢م بعد أن بقي أربع سنوات خارجها، ومنذ ذلك الوقت أحاطت به محن وبلاءات أوجزها في الآتي:

  • قبض عليه سنة ١٩٠٦م ووضع في السجن بتهمة محاربته للأولياء، وأخذ سيرًا على الأقدام من السجن إلى المحكمة، وكان هناك عدد كبير من أهل البلاد قد اجتمعوا حوله رافعين علمًا أبيض وكتبوا فيه: اقتلوا الثعالبي، الكافر، فسجن شهرين، ثم خرج لينادي بالإصلاح الذي لم يرضَ عنه الفرنسيون ولا بعض المشايخ، ولما احتلت إيطاليا ليبيا سنة ١٩١١م، حاول مساعدة المجاهدين وإرسال المساعدات، فنقم عليه الفرنسيون صنيعه.
  • سنة ١٩١٢م قبض عليه الفرنسيون وأخرجوه خارج البلاد، فأضربت البلاد ثلاثة أيام، وأصر الشعب على رجوعه، فأبى أن يرجع حتى يحقق الفرنسيون الإصلاح المنشود، فقال له الفرنسيون: إن الحرب العالمية على الأبواب، فإذا انتهت الحرب ينفذون طلبه، فعاد إلى تونس سنة ١٩١٤م.
  • ظل عاملًا في مجالات الإصلاح إلى أن اعتقل سنة ١٩٢٠م وسجن في تونس ثم خرج من البلاد سنة ١٩٢٣م وبقي خارج تونس حتى عام ۱۹۳۷م، وكان سبب إخراجه هو مطالبته المستمرة بالحريات وعداؤه مع الباي - الحاكم - الجديد محمد الحبيب الذي كان من أصفيائه، ثم لما تولى الحكم انقلب عليه وعلى مبادئه التي كان ينادي بها من قبل، فغادر تونس إلى إيطاليا ففرنسا. ثم إلى مصر فالحجاز، ثم استقر به المقام في العراق؛ حيث درس في جامعة آل البيت ببغداد منذ سنة ١٩٢٥م إلى سنة ١٩٣٠م. ولقد استفاد منه العراق: فانتدبه للإشراف على البعثة الطلابية العراقية إلى مصر. ومثل العراق في مؤتمر الخلافة بمصر سنة ١٩٢٥م الذي دعا إليه شيخ الأزهر عقب إسقاط الخلافة في إستانبول. وقد قيل: إن ترشيحه ليشرف على الطلاب في مصر هو لإبعاده عن العراق التي كان له فيها مكانه عالية، أخافت ذوي الأمر من الإنجليز وأذنابهم.
  • ثم ترك العراق إلى مصر، ومنها سافر إلى الصين، وسنغافورة، وبورما والهند ثم عاد للقاهرة، ومنها إلى تونس؛ حيث استقبل استقبالًا حافلًا من الشعب وكاد الشعب يتوجه حاكمًا عليه، لكن قطعت فرنسا عليه الطريق؛ حيث أعلنت حالة الحصار على البلاد، وأنشأت المحاكم العرفية، وهذا أدى إلى أن ينزوي في بيته ويتفرغ للتأليف والمحاضرات - أحيانًا - إلى أن توفي سنة ١٩٤٤ قبل أن يمتع ناظريه برؤية الاستخراب الفرنسي مطرودًا من أرضه، لكنه كان بلا منازع من أهم العوامل التي أسست لهذا الاستقلال، وعملت له بجد واجتهاد.

أهم أعماله

من أهم أعمال الثعالبي، يرحمه الله تعالى:

أولًا: فضح مخططات الفرنسيين وادعاءاتهم الباطلة:

  • فقد وقف عقبة كأداء أمام مؤامرة تجنيس فرنسا للتونسيين بعد الحرب العالمية الأولى، وظل يكتب في الصحف المصرية وغيرها مفندًا هذا الأمر ومبينًا خطورته.
  • وقد استطاع أن يظهر بوضوح أن تونس قبل الاحتلال الفرنسي كانت تملك مقومات النهضة، وقد قطعت خطوات مهمة في ذلك الطريق، فجاء الفرنسيون ليهدموا كل ذلك، وليس الأمر على العكس الذي يريده الفرنسيون ويذيعونه، وقد نشر في ذلك مقالات جيدة.
  • فضح المخططات التنصيرية الفرنسية، وكشف زيف ادعاءاتهم بأن مسلمي شمال إفريقيا كانوا نصارى، ثم دخلوا في الإسلام، وبين أن هذا غير صحيح تاريخيًّا، وبين أيضًا أن ادعاء الفرنسيين أن أهل شمال إفريقيا من أصل غربي ادعاء عارٍ عن الصحة.
  • بيَّن كيف استولى الفرنسيون على خيرات تونس، فذكر أن مساحة تونس تبلغ ٩ ملايين هكتار، والهكتار ألف متر مربع منها مليون هكتار أراض جبلية ومليون ونصف المليون غابات وأحراش، ومليون غير صالح للزراعة، وهناك خمسة ملايين ونصف المليون أراض صالحة للزراعة استولى الفرنسيون على أكثرها، واستولوا كذلك على مناجم الفوسفات والرصاص والحديد والفحم الحجري وغير ذلك.
  • أراد الفرنسيون كتابة تاريخ تونس باللهجة العامية، واعتمادها لغة رسمية للتعليم والخطابات الرسمية، وكان الثعالبي وراء إفشال هذا المشروع ومشروع آخر له صلة به، وهو إصدار معجم اللغة العامية. وكانت جهوده تلك من خلال كتابته المقالات الكثيرة ضد هذه المشاريع في صحيفة «التونسي».
  • كشف غوار سياسة التعليم الفرنسية، وبين أنها ترمي إلى إيجاد أيد عاملة، وليس عقولًا مدبرة، وأوضح أيضًا كيف عملت فرنسا على محاربة اللغة العربية والدراسات الإسلامية والتاريخية، وهذا الذي أزعج فرنسا فأخرجته من تونس وضيقت عليه خارجها، وقد أوضح كل هذا وغيره في كتابه «تونس الشهيدة» الذي نشره بالفرنسية، ثم عرب بعد ذلك، وعدت فرنسا كل من يقرأ الكتاب عدوا لها، وجعلت من قراءته جنحة يعاقب عليها. 

دراساته عن الأقطار الإسلامية

ثانيًا: الدراسات التي قام بها عن المسلمين في أقطار كثيرة:

كان الثعالبي، قد ارتحل طويلًا، وجال في بلاد كثيرة، وهذا ساعده على أن يقف على أحوال المسلمين في بلاد عديدة، وكتب كل ذلك بالتفصيل، وإني لأعجب من مثقفينا وذوي الرأي منا كيف لم يستفيدوا من تلك الكتابات، ومن ثم يبنون عليها ويطورونها، فمن جهوده في بيان أحوال المسلمين وأوضاعهم:

  • تحدث عن اليمن وأحوالها الاقتصادية، وبيَّن أنها بلاد ذات حضارة ومدنية، ووصف ما رأه فيها وصفًا جيدًا.
  • وبيَّن أحوال المسلمين في الهند وكيف انتشر الإسلام هناك بدون دعوة مخطط لها أو حركة قوية من المسلمين، وقد قدم تقريرًا عن مسألة المنبوذين في الهند إلى رئيس المؤتمر الإسلامي محمد أمين الحسيني، وكان تقريرًا جليلًا مفصلًا غاية التفصيل، وبين فيه رغبة المنبوذين في انشقاق الإسلام، وقد بين في تقريره حقيقة تخفى على أكثر المسلمين إلى يومنا هذا، ألا وهي أن حركة الاستقلال في الهند كانت بيد زعماء المسلمين وهم الذين ابتدؤوها إلى أن خطفها غاندي، منهم ثم نسبت إليه!!
  • وذكر أحوال المسلمين. على هذا المنوال، في مناطق كثيرة، واقترح اقتراحات عديدة اقتصادية وسياسية وثقافية لكن أين من يأخذ بكلامه واقتراحاته؟!

جهوده السياسية

ثالثًا: جهوده السياسية في العالم الإسلامي:

لم يكتف الثعالبي، بجهوده السياسية في تونس، إنما امتد عطاؤه إلى البلاد العربية والإسلامية، فقد شارك في مؤتمر الخلافة الإسلامية في القاهرة استجابة لدعوة شيخ الأزهر المسلمين للنظر في قضية الخلافة، وقد كان الثعالبي، في العراق آنذاك مدرسًا فاختاره العراق ممثلًا له، وكان ذلك سنة ١٩٢٥م.

وكان عضوًا مؤسسًا في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس سنة ١٩٣١م في المسجد الأقصى، وقد اختير مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني، رئيسًا لهذا المؤتمر. واختير الثعالبي رئيسا للجنة الدعاية والنشر، وعضوًا في المكتب الدائم للمؤتمر.

نشاطه في تونس

رابعًا: جهوده السياسية في تونس:

كان الثعالبي، قد جمع بين الوعي الديني، والوعي السياسي، مازجًا ذلك بثقافة إسلامية جيدة، فكان لذلك شوكة في حلق الفرنسيين وأتباعهم من التونسيين.

وتجلت جهوده السياسية في مظاهر عديدة منها:

  • شارك الثعالبي، في حزب تونس الفتاة الذي كان ينادي بالارتباط بالخلافة الإسلامية، والسلطان عبد الحميد، وانتقاد نظام الحماية الفرنسي، والدفاع عن الحضارة الإسلامية.
  • سافر بعد الحرب العالمية الأولى إلى باريس؛ ليكون فيها أثناء انعقاد مؤتمر الصلح مؤتمر فرساي - وقد سمع أن الرئيس الأمريكي ويلسون، سيحضره، وهذا الرئيس كان قد أعلن مبادئه الأربعة عشر لعقد الصلح، ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها، فسافر ليعرض القضية التونسية، وحاول في باريس أن يجمع بين قلوب المسلمين هناك على تعدد أجناسهم، واتصل بزعماء الحركات التحررية في العالم الذين كانوا في باريس أثناء مؤتمر الصلح، وأصدر هناك كتاب «تونس الشهيدة» الذي أشرت إليه آنفًا، وقدم إلى المقيم العام الفرنسي في تونس الذي كان في باريس آنذاك مذكرة طالب فيها بإلحاح برفع إجراءات الحظر على الصحافة التونسية، فألغت فرنسا على إثرها قرار تعطيل الصحف، واتصل بالرئيس الأمريكي ويلسون وبالحزب الاشتراكي الفرنسي، وعارض في باريس حصول تونس على قرض مالي، وكل ذلك أدى بالفرنسيين إلى سجنه في باريس ومرسيليا، وأعيد إلى تونس ليسجن هناك أيضًا.
  • إنشاء الحزب الدستوري، وتولى رئاسته وذلك سنة ١٩٢٠م، ولما ضيق عليه في تونس خرج منها سنة ١٩٢٣م، ثم جرت أحداث عديدة انشق الحزب الدستوري على إثرها شقين، وأسس حسن قلاتي الحزب الإصلاحي الذي تقرب إلى فرنسا، وكان المتنازعون قد أرسلوا إليه قرابة ١٥٠ رسالة، فكان على ذكر تام بما جرى هناك. ولما عاد الثعالبي، إلى تونس حاول استرداد الزعامة في الحزب الدستوري، وفي الحياة السياسية التونسية لكنه أخفق، ولعل السبب في ذلك طول غيابه عن بلده، على أن الناس قد استقبلوه في بلده إثر عودته استقبالًا جليلًا، وكان هناك ثلاثون ألفًا ينتظرونه في ميناء العاصمة، لكن ذلك لم يكن كافيًا لاستعادة زعامة الحياة السياسية في ظل مؤامرات فرنسية، وارتباطات مشبوهة لأذيال تونسية، وقد تعرض لمحاولتي اغتيال في تونس بعد عودته أثناء طوافه بالبلاد التونسية لجمع الشمل واجتماع الكلمة.

مؤلفاته

للثعالبي كتب قليلة ومقالات كثيرة وكتابته بليغة مؤثرة كخطابته، وقد ألَّف بالفرنسية «روح القرآن الحرة»، وألَّف «تونس الشهيدة» وألَّف بالعربية «معجزة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وله مئات المقالات بالعربية والفرنسية، لا أدري ما حالها اليوم؟ وهل جمعت أم لا؟ وله محاضرات مطبوعة في مجلة جامعة آل البيت في بغداد من سنة 1926 - 1928 م.

قالوا عن الثعالبي

  • محمود زكي باشا: كنت من أشد الناس إعجابًا بذكائه الباهر، وفصاحة لسانه، وسعة اطلاعه، وغزارة علمه، وفرط حميته الإسلامية ... وكان لا ينفك عن التكلم باللغة العربية الفصحى. 
  • محمد لطفي جمعة: هو من أشرف البيوت وأعظمها، وله الكلمة العليا والصوت المسموع والأثر المحمود من أقصى تونس إلى أقصاها، بل شمال أفريقيا كله. 
  • الشاعر العراقي معروف الرصافي: أعظم خطيب عربي عرفه هذا القرن.
  • محمود أبو الفتح في جريدة السياسة المصرية 16/5/1962م: إن مكانته في تونس هي مكانة سعد زغلول في مصر، وإنني لا أنسى الثعالبي في باريس عام ١٩١٩م في عاصمة فرنسا يثير الأرض والسماء على فرنسا للمطالبة بتحرير تونس، يثير أحرار الفرنسيين على سياسة الاستعباد. 
  • وقال الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور: عبد العزيز الثعالبي واحد من ذلك الرعيل من المجاهدين المسلمين في الوطن العربي إبان الحملة الاستعمارية التي اجتاحت المشرق الإسلامي، وقد تميز هذا الرعيل بطابع خاص، فهم لم يكونوا زعماء سياسيين أو مجاهدين وطنيين أو صحافيين، أو كُتابًا، أو مصلحين اجتماعيين، وكلهم كانوا كل ذلك مجتمعًا في شخصياتهم القوية الصلبة التي واجهت الاحتلال الأجنبي مضحية بكل ما تملك. 
  • وقال الأستاذ أبو القاسم محمد كرو: إني لأزعم بأن أحدًا من التونسيين المناضلين حديثًا والجوابين بعلمهم قديمًا لا يضاهيه فيما حققه من إشعاع وتركه من صدى في معظم أنحاء آسيا والعالم الإسلامي. 

والعجيب أن تونس كرمته سنة ١٩٨٩م أي بعد وفاته بخمس وأربعين سنة، بدعوى أنه جاهد لاستقلال تونس، وحكام تونس اليوم يئدون جهود الثعالبي، ويذهبون بها أدراج الرياح.

وبعد: فهذا هو الثعالبي، وتلك حياته موجزة لكنها معبرة عن تصميم وحماسة وجهد وبذل وتضحية، فما أحرى الشباب أن يقفوا عليها، ويقتدوا بها، ويستفيدوا منها فرحمه الله رحمة واسعة، ونفعنا بصنيعه وجهاده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 300

63

الثلاثاء 18-مايو-1976

مقال مهم «في الاعتصام»

نشر في العدد 468

58

الثلاثاء 05-فبراير-1980

بطاقات ثقافية (468)