العنوان عــــــــــــــــــــــــــــار في غـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1248
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 06-مايو-1997
• مقاتلونا قتلوا.. ومفكرونا تم اغتيالهم.. ولم يبق عندنا إلا المنتفعون
غزة.. هي المنطقة الأكثر محافظة من بين المناطق الفلسطينية الأخرى، حيث قام إسلاميوها ذات يوم بإشعال النار في أحد الفنادق التي تقع في محاذاة البحر وفي أحد المطاعم وبعض أوكار الفساد.
ولذلك لك أن تتخيل الهلع الديني الذي يمكن أن يحدثه افتتاح أول ناد ليلي في غزة، ففي مساء أحد أيام الخميس، ليلة عطلة المسلمين، وجدت «زهرة المدائن» «اسم النادي الليلي» مكتظًّا عن آخره تقريبًا بالزبائن، لم يكونوا فقط من الشباب الذكور الذين جاءوا بمفردهم للإعراب عن إعجابهم براقصات «هز البطن» اللاتي يدخلن غزة للمرة الأولى، وبالمطربات الغجريات المحليات، وإنما أيضًا من عائلات بأكملها، نساء وأطفال بمن فيهم من الرضع.
في أماكن أخرى راقية مكشوفة يلجأ الزبائن إلى خلط المشروب المحرم مع الكوكاكولا حتى لا ينكشف أمرهم، أما هنا فيستطيع الواحد لأول مرة أن يطلب الويسكي أو البيرة الإسرائيلية جهارًا نهارًا، إلا أن أغرب شيء ليس المكان بحد ذاته بقدر ما هم الزبائن؛ فغالبيتهم من «التونسيون» وليسوا أبدًا من أهل غزة الأصليين.
كانت تونس آخر مقر لقيادة ياسر عرفات في المنفى، و«التونسيون» هو الاسم المستعار الذي أطلقه الغزيون على هؤلاء، ويطلق عليهم رسميًّا «العائدون» الذين جاءوا معه بعد أن أقام هنا في أعقاب اتفاق أوسلو، هناك حوالي عشرة آلاف منهم، من الموظفين البيروقراطيين الذين يديرون له سلطته، إنهم الفدائيون السابقون الذين يهيمنون على جهازه الأمني الضخم.
لقد عاد «التونسيون» إلى «وطنهم»، إلى أرض فلسطين، لكن المفارقة المخيفة أنهم ليسوا غرباء فقط في وطنهم، بل إنهم أكثر فئة مكروهة ومحتقرة، فهم الذين جلبوا هذه البدع البغيضة أمثال «زهرة المدائن»، وليس أنصار حماس وحدهم أو الجهاد الإسلامي أو المتعصبون بشكل عام هم الذين يشعرون بالصدمة، فالليبراليون الذين يرحبون بأي تحد للعادات المحلية الصارمة يحملون نفس الشعور تجاههم، فالتونسيون بالنسبة للجميع تقريبًا غرباء لا يصلحون للحكم حالهم كالأتراك والبريطانيين والمصريين والإسرائيليين الذين سبقوهم، ولأنهم في واقع الأمر فلسطينيون وجاءوا «محررين» فإن الصدمة أسوأ.
إن ثورة عرفات الفلسطينية لم تحرص أبدًا على جعل نفسها محبوبة لدى الحكومات أو النخب الاجتماعية أو حتى بين الناس العاديين في المناطق المحتلة، لكن رجالها في الأردن على الأقل وفي الستينيات قاتلوا بإخلاص وقتلوا، كما أنهم فعلوا نفس الشيء في لبنان في السبعينيات والثمانينيات وإن كان بإخلاص أقل، ومن الواضح أنهم خلال الثمانينيات والتسعينيات لم يتمكنوا من القتال من تونس ومن الدول العربية الأخرى البعيدة التي توقفوا بها، لكنهم على الأقل وباعتبارهم ينتمون لأغنى منظمة تحرير في العالم واصلوا ضخ الأموال في اقتصاديات تلك الدول.
هنا.. وفي الوطن نفسه وبعيدًا عن محاربة العدو الصهيوني السابق، يتعاون هؤلاء القادمون الجدد معه، قد يستطيعون جذب أموال على شكل مساعدات دولية إلى هذه المجتمعات الفلسطينية الأشد فقرًا؛ لكنهم يأخذون منها أكثرمما يعطونها، إنهم قمعيون وفاسدون بشكل لا يوصف.
يقول أحد كبار التجار في غزة وهو مقاتل سابق في فتح: «إننا نعيش في زمن عجيب ومخز، ولكن يجب أن تعلم بأن كل ثورة لها مقاتلوها ومفكروها ومنتفعوها، مقاتلونا قتلوا، ومفكرونا تم اغتيالهم، ولم يبق عندنا إلا المنتفعون، وهؤلاء لا يفكرون بالقضية أبدًا، إنهم يعرفون أنهم هنا مجرد عابرين، مثلما كانوا في تونس ومثل أي نظام نهايته قريبة، إنهم لا يفكرون إلا في كيفية الاستفادة من هذا النظام أكبر قدر ممكن».
إنه اتهام خطير، ولكن إذا كان النظام -أي نظام- يقاس بسلوك موظفيه فإنه اتهام صحيح غير ظالم، والواقع أن عدالته هذه تصيب الزائر الطارئ لغزة بالصدمة، اذهب إلى حي الرمال فقط لترى بعينك.
كانت هذه المنطقة من غزة مهملة حتى وقت قريب، أما الآن فيظهر فيها وبسرعة لا تصدق حركة لبناء ما سيكون أهم منطقة تجارية في غزة «المحررة»، قد لا تلقي لها بالًا من أول نظرة، حيث ترى فيها أراض خالية قذرة تملؤها التربة والفوضى وسط أكواخ بدأت الآن تختفي، ووسط مبان ضخمة لم يكتمل بناؤها بعد، بدأت تظهر هنا وهناك، إنها تختلف قليلًا عن بقية أجزاء هذه المدينة البائسة البالية البشعة، ولكن في هذه المنطقة بشكل رئيسي يقوم «التونسيون» بضرب جذور لهم وبناء هذه المباني المدهشة من «الوزارات» و«السلطات» و«الوكالات» الخاصة، ومراكز الشرطة والحراسة والشقق السكنية الفاخرة والفلل وأماكن الترفيه، وها هو المنتدى -قصر عرفات الرئاسي- المطل على واجهة البحر، القصر المليء بالزخارف التي يعشقها، وهنا في هذا المبنى المجاور له تمامًا يوجد كباريه «زهرة المدائن»!
وهنا آجلًا أم عاجلًا لا بد أن تصادف سهى زوجة الرئيس الشابة وهي تخرج لتناول الغداء في مطعم الميراج، وهو مطعم خاص على البحر مع ابنتها الصغيرة وعدد كبير من حراسها من القوة ۱۷، ستلتقي بها عندما لا تكون هي في باريس حيث تقوم بالتسوق هناك، وتذهب إلى صالون تجميل راق خلافًا لذلك الصالون الكارثة في غزة، والذي قيل بأنه حول خصلات شعرها الأشقر إلى اللون البرتقالي، كما قد تصادف سوزي البريطانية مربية ابنتها، حيث تحب هذه المربية ارتداء الملابس الضيقة المرقطة وغالبًا ما تسرف في الشراب، وهي حالة تؤدي بها إلى فضح أسرار أهل البيت الرئاسية مما يهدد -كما يخشى البعض- بفضيحة مشابهة لتلك التي سببتها المربية في بيت رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
وأفخم الفلل الجديدة تلك التي بناها أبو مازن -وهو كبير مفاوضي اتفاق أوسلو المتداعي- وليس معروفًا من الذي دفع المليوني دولار ثمن هذه الفيلا الفخمة، لكن عبارة كتبها أحد الأوغاد على حائط البيت «فيلا أبو مازن» كانت تقول: «هذه مكافأتك نظير بيع فلسطين».
أما نبيل شعث وزير التخطيط المفوه -الذي يظهر كثيرًا على شاشات تليفزيونات الغرب- فقد تزوج حديثًا من أمرأة شابة بعمر ابنته، وقد طلب إقامة أربع حفلات استقبال للاحتفال بهذه المناسبة في القاهرة وغزة، واثنتين في القدس، ولأن أصدقاءه الإسرائيليين لم يكونوا يستطيعون الذهاب إلى بيت الشرق في القدس الشرقية؛ حيث تعتبر منطقة غير قانونية للسلطة الفلسطينية، فقد أقام حفلًا آخر في فندق الأمباسادور.
إن الحياة في حي الرمال تتوقف بصورة عامة على وجود أو سفر «الرئيس» الذي يعتبر الأكثر سفرًا بين زعماء العالم، فعندما يكون خارج المدينة يحب كبار مساعديه أخذ قسط من الراحة في تل أبيب، حيث يعتبر «كباريه» زهرة المدائن مكانًا مبتذلًا بالنسبة لهم.
أم جهاد وزيرة الشئون الاجتماعية كانت «أيقونة» الثورة سواء بصفتها الشخصية أو كونها أرملة أكثر الشهداء الفلسطينيين شعبية، أبو جهاد الذي اغتالته مجموعة إسرائيلية في تونس عام ۱۹۸۸م لكنها أيضًا تبني فيلا تنافس فيلا أبو مازن، كما أنها شوهدت تتسوق في شارع ديزنغوف بتل أبيب.
حياة البؤس التي يعيشها الشعب
ومن أجل مقارنة صحيحة مع حي الرمال يجب أن تتمشى بعيدًا عن الساحل، حيث ستجد وراء مطعم الميراج مخيم الشاطئ بشوارعه القذرة وبيوته المتواضعة، ومجاريه المكشوفة، وهي ظروف تشابه الظروف التي يحياها معظم أهل غزة.
في أحد المقاهي الفقيرة هناك كنت ذات يوم قد سألت بعض العمال الذين كانوا دون عمل بسبب إغلاق إسرائيل للمعابر إن كانوا يعتقدون بصحة ما جاء في دراسة أجرتها الأمم المتحدة من أن دخل الفرد قد تراجع في غزة منذ توقيع اتفاق أوسلو بنسبة ٣٩%، وقد أجابني أحدهم وقتها: «بل إنها تزيد على ٧٥%»، وآخر أخبرني أنه لم يجد غضاضة في إرسال أولاده للتسول في الشوارع.
وأكثر ما يبعث على الصدمة في هذه المقارنة هو ما يكمن وراها، فعندما جاء عرفات إلى هذا أول مرة قال بأنه سيحول غزة إلى «سنغافورة جديدة» بمساعدة الأثرياء من رجال الأعمال الفلسطينيين الوطنيين الذين جمعوا ثرواتهم من مساهماتهم في بناء دول النفط العربية، ولكن الآن وبعد مرور ثلاث سنوات لا يبدو أن أحدًا منهم جاد في هذا المسعى، ولا يعزى ذلك فقط إلى الإغلاقات المتكررة التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية والذي يعيق عمل رجال الأعمال فضلًا عن العمال، بل إن عرفات نفسه لا يريدهم هو الآخر في حقيقة الأمر لأنهم سيضعفون سيطرته التي حققها من الجمع بين القوة البوليسية وسلطة المال، وهكذا.. بدلًا من إيجاد رأسمال مستقل ومبدع ومنتج فقد أقام هو وزمرته من المستشارين الاقتصاديين غير الرسميين شركات احتكارية ضخمة قائمة على الابتزاز والمحاباة والتي عن طريقها يجمعون المزيد من الثروات، وهو ما يزيد من فقر المجتمع بشكل عام.
«البحر» والسيطرة على غزة
قبل عامين ظهرت شركة «البحر»، وكانت تبدو شركة ضعيفة، لكن أهل غزة يتندرون عليها الآن ويسمونها «المحيط» لأنها -كما يقولون- تبتلع غزة بأكملها، ومن الناحية القانونية فإنها يجب ألا تمارس أي نشاط على الإطلاق كونها غير مسجلة رسميًّا، أما الآن فلها صلات قوية إلى الحد الذي تستخدم فيه أوراقًا رسمية عليها شعار السلطة، وهو ما يثير حنق أعضاء البرلمان الفلسطيني. إن هذه الشركة ملك لعرفات، أو لنكن أكثر دقة لزوجته سهى والشركاء الآخرين الذين يديرون أمواله الخاصة.
«البحر» ومن غيرها؟ هي التي تدير نادي زهرة المدائن، وكان يفترض أن يقوم ببناء النادي صاحب أفضل عطاء، لكن عرفات لم يزد على أن وقع مرسومًا بإرساء ذلك العطاء على حاشيته، وليس من العدل أن تدخل شركة عرفات «البحر» أسواق العقارات والترفيه وأجهزة الكمبيوتر والإعلانات والأدوية والتأمين، وحدهم رجال الأعمال الغزيون المتنفذون الذين يستطيعون مقاومة تعديات هذه الشركة وتجاوزاتها، ولكن هذه الشركة تلاحق التجار الصغار ومتوسطي الحال فقط، حيث يجبرون على «الشراكة» مع «البحر»، وإذا رفضوا سينتهي بهم الحال إلى أحد سجون السلطة الكثيرة بتهمة: التعامل مع العدو، وهو أسوأ الاحتمالات، أما أحسنها فهو قيام الأمن الوقائي بتعمد تأخير وصول بضائعهم التي يمكن أن تتعرض للتلف عبر الموانئ الإسرائيلية.
إن «البحر» هي أداة عرفات المحلية الجديدة للسيطرة على اقتصاد غزة والتي تكمل حلقة الشراكة الاحتكارية القائمة، حيث تعمل في مجال استيراد البضائع الأساسية كالأسمنت والنفط والطحين، ويديرها عرفات بتسهيلات من الإسرائيليين، فعلى سبيل المثال من كل ٧٤ دولار، وهو ثمن بيع طن الأسمنت في غزة، يذهب ۱۷ دولار إلى السلطة، و۱۷ دولار آخر إلى حسابه الخاص في أحد بنوك تل أبيب.
وليس خافيًا الهدف الذي يستعمل عرفات هذه الأموال من أجله، فهو سيعطيك كل ما تريد إذا أطعته وأمنت له الحماية، وأعطيته كل ما يريد، هذا هو أسلوبه دائمًا وهو أسلوب ناجح بشكل مذهل، فلماذا سيعارض وزير مثل جميل الطريفي وزير الشئون المدنية رئيسه ما دام «الطريفي» مقاولًا كبيرًا يقوم ببناء المستوطنات الإسرائيلية على الرغم من أن الشعب الفلسطيني يهدد بعمل انتفاضة جديدة بسبب هارحوما؟ أو لماذا يعارضه كبار مسئوليه الذين يستخدمون سيارات «الشخصيات الهامة» في اجتياز نقاط التفتيش الإسرائيلية في طريقهم إلى أندية تل أبيب الليلية حتى في ظل إغلاق السلطات الإسرائيلية للحدود في وجه العمال الذين يريدون كسب رغيف يومهم؟
نادرًا ما تظل ثورة مثل ثورة عرفات على قيد الحياة بعد أن تتفسخ وتنحل، لكن هذه الثورة ظلت على قيد الحياة لسبب واحد وهو أنه أثبت التزامًا كبيرًا في عملية السلام، مما جعل الأطراف التي يعتمد عليها الآن اعتمادًا كليًّا الإسرائيليون والأمريكان والمجتمع الدولي بشكل عام، تغض الطرف عن تجاوزات أفراد سلطته، بل جعلهم يشجعونه على الفساد الواضح، قد يتضايق الإسرائيليون مما كشفته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أخيرًا من فضائح حول أموال عرفات «في البنوك الإسرائيلية» وهي التي سمح له بها إسحاق رابين، ولكن ما دام عرفات مستمرًّا بالإذعان لمفهومهم عن السلام فإنهم سيتركونه يودع تلك الأموال ويسحبها كيفما شاء، كما أن الحكومات الأوربية ستتضايق كثيرًا إذا ما ثبت أن الأموال التي يجنيها عرفات من شركة البحر وشركاته الاحتكارية الأخرى غير القانونية هي أكثر من المساعدات التي تقدمها له هذه الحكومات مجتمعة، ولكن ما لم تكبر هذه الفضيحة وتنكشف ستواصل هذه الحكومات دفع الأموال له، إلا أنها تخدع نفسها إذا ما اعتقدت أن بإمكانها الاستمرار في دعمه إلى الأبد، ويبدو أن عرفات و«تونسيوه» أكثر ذكاء مما يظهر عليهم، فهم يعرفون أنه لا بد أن يصل يومًا ما إلى نقطة لا يمكنعندها إلا أن يجازف بجلب غضب شعبه عليه.
إذن من المستبعد بعض الشيء -كما تقول «هآرتس»- حدوث انقلاب أو حرب أهلية تؤدي إلى طرده وعائلته وحاشيته خارج غزة، بغض النظر عن الأموال السرية التي يضعها عرفات في تل أبيب «للحالات الطارئة»، إنهم يعرفون أكثر من أي شخص آخر أن عملية السلام وكل ما حصلوا عليه منها قائم على نفس الأسس التي بني عليها كباريه زهرة المدائن.
«*» ترجمة محمود الخطيب عن «الجارديان» البريطانية 21/ 4/ 1997م.