العنوان عقاب الفلسطينيين.. يخلق بوتقة من المتاعب للعالم كله
الكاتب ديفيد هيرست
تاريخ النشر السبت 17-يونيو-2006
مشاهدات 84
نشر في العدد 1706
نشر في الصفحة 30
السبت 17-يونيو-2006
لقد جاءت نتائج الحصار بعكس ما أرادت أمريكا حيث التف الشعب الفلسطيني حول حكومته المنتخبة
إن لحماس رأيًا عامًا عربيًا مؤيدًا لها وكلما زادت بعض الأنظمة العربية من حملتها ضدها ساءت سمعة تلك الأنظمة لدى الرأي العام
مرضى الكلى يموتون بسبب نقص أدوية الغسيل الكلوي ١٦٥ ألف موظف فلسطيني لم يتقاضوا رواتبهم لأكثر من شهرين ونصف النساء يبعن مجوهراتهن ليشترين الطعام والوقود. والأزمة الإنسانية في غزة ليست مثل دارفور، وما يصدم العرب والمسلمين هو أن هذه الأزمة هي ناتج قرار سياسي مقصود ومتعمد من قبل القوة العظمى الوحيدة. في البداية قلتم أعطونا العراق والعراق الآن على حافة الحرب الأهلية، وها هو شعب كامل »الشعب الفلسطيني «يموت جوعًا.
والرابط الاستراتيجي والنفسي بين العراق وفلسطين ليس جديدًا، إلا أن أعمق مراحله بدأت مع الغزو الأمريكي للعراق الذي أنجزه بوش وإدارته ومن ورائهما المحافظون الجدد الموالون لـ«إسرائيل». وهم يقولون إن ذلك الغزو هو أضخم خطوة نحو تغيير ودمقرطة الأنظمة العربية، وأنه سيؤدي إلى تسوية عربية إسرائيلية. هيهات لقد كان للأستاذين »مير شماير» و«وولت«كل الحق في دراستهما عندما وصلا إلى أنه لولا جهود اللوبي »الإسرائيلي«، ما كان يمكن أن يوجد غزو للعراق على الإطلاق.. إذن فالغزو وقع من أجل عيون إسرائيل وشركائها في الولايات المتحدة.
ولقد أصبح واضحًا أن أي ديمقراطية فلسطينية أو عربية حقيقية شاءت أمريكا أم أبت سوف تتصادم رؤاها للتسوية مع الرؤية الأمريكية الإسرائيلية. وهذا هو الذي تجلى بوضوح من صعود حماس إلى السلطة والذي دفع بوش إلى القول: نحن ندعم الديمقراطية، ولكن هذا لا يعني أن ندعم الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا.. وقد وجدت هذه تأييدًا ومساندة بدرجات مختلفة من أوروبا ومن الحكومات العربية ومن بعض الفلسطينيين، ولكن هذا حتمًا سيعرض أمن العالم كله للخطر، فكلما اشتد الضغط على معارضة ومعارضي السياسة الأمريكية من الفلسطينيين تحولت الأرض الفلسطينية إلى بوتقة للخطر، خطر على الشعب الفلسطيني نفسه وعلى المنطقة والعالم بالضبط كما فعل الغزو الأمريكي والغربي للعراق.
والفكرة والغرض من الحصار هو أن يتبرأ الشعب الفلسطيني، بسبب العقاب الجماعي الذي يتعرض له من حماس. وإذا كان البعض يلوم حماس فإن الأغلبية تلوم أمريكا.. أما نتائج الحصار فقد جاءت بعكس ما تريد أمريكا، حيث التف الشعب الفلسطيني حول حكومته المنتخبة حكومته الشرعية، وحماس لن تترك السلطة إلا بحرب كما يقول إياد سراج عالم النفس الفلسطيني من غزة.
وحتى لو تمكنت أمريكا من إسقاط حماس، فسيكون الأمر مشابهًا لإسقاط صدام حسين، نوعًا من النجاح الكارثي سيؤدي إلى إغراق فلسطين في الفوضى، كما سقطت العراق في فوضى وصراع ضروس عكس ما تمنينا به أمريكا من ديمقراطية موالية للغرب.
ولقد أصبح- بعد قنبلة اقتراح عباس بالاستفتاء على طبيعة الحل النهائي- هذا الاقتراح الذي سيصعد من المأزق الفلسطيني. وقد بدت بوادر تفاقم الأزمة بالصدامات بين فتح وحماس وأصبحت الحرب أكثر احتمالاً. وهيهات أن يفوز الموالون لأمريكا فإذا كانت فتح قد عجزت عن السيطرة على حماس وهي في السلطة، كما يقول الجنرال إيان باز الرئيس السابق للإدارة المدنية للأراضي الفلسطينية المحتلة، فكيف يمكن أن تسيطر عليها وحماس في السلطة وفتح مفككة ومحطمة؟ بالإضافة إلى ما تقدم، فإن الفوضى في الأراضي المحتلة- وهذا هو الأخطر- سوف تفتح الطريق للمقاتلين من بقية أنحاء العالم، كما حدث في العراق فإيران البلد غير العربي والحليف الرئيس للراديكاليين العرب، كانت أسرع من أي قطر عربي في تقديم المال لنظام حماس الجديد، وهذا دور جوهري في الاستراتيجية الإيرانية، بالإضافة إلى طموحات إيران النووية، حيث تشكل فلسطين أولوية متقدمة في السياسة الخارجية لإيران.
وعباس يقول: إن لحزب الله وللقاعدة نشاطًا في غزة.. ومن أين إذن- إن لم يكن من الخارج- جاءت صواريخ الكاتيوشا التي بدأت تستهدف جنوب إسرائيل من غزة؟ وإذا طردت حماس من السلطة فإنها حتمًا سوف تعود لاستئناف نشاطها المقاوم الذي تؤجله مؤقتًا.
أما بالنسبة للعرب فلسوف يصيبهم على الأقل غبار المعركة في فلسطين كما أصابتهم وتصيبهم آثار المعارك في العراق، فأنظمتهم المشوهة لا نعرف هل تخاف من نظام حماس الديمقراطي أكثر أم من اقتلاع حماس من السلطة بشكل لا ديمقراطي ومن ثم من الفوضى التي تنشأ عن ذلك؟! والخيار الأول سوف يشجع صعود الإسلاميين، أما الخيار الثاني، وهو اقتلاع حماس بشكل لا ديمقراطي، والحرب الأهلية التي يمكن أن تترتب عليه، فيمكن أن يثير انفعالات أكثر خطورة لدى الإسلاميين.
والخلاصة: إن لحماس رأيًا عامًا عربيًا مؤيدًا لها وخصوصًا من الإسلاميين، وكلما زادت بعض الأنظمة العربية من حملتها ضد حماس ساءت سمعتها لدى الرأي العام.
والمخاطرة الأشد في رأي الكاتب اللبناني المعروف رامي خوري أن قضية فلسطين تتحول من مسألة قومية إلى قضية حضارية. فعشرات الآلاف من »الشباب»، كما يقول خوري سوف يشعرون بالاستغفال والغدر.. ومعين التأييد لحماس ولنمط الإخوان المسلمين الديمقراطي سوف ينحسر ببطء لصالح الكفاح المسلح، ولسوف يتوقف لديهم تضييع الوقت في محاولة رفع الضيم من خلال طرق سياسية ودبلوماسية ديمقراطية سلمية أثبتت فشلها. إسقاط حكومة حماس سوف يؤدي إلى مزيد من الراديكالية والمقاومة في طول المنطقة وعرضها.
وكما يقول وزير المالية الفلسطيني الحمساوي عمر عبد الرزاق محذرًا نحن واعون بكل هذه الأخطار. والنار ستشب في المنطقة كلها إذا دفع الشعب الفلسطيني إلى الوضع الذي لا يكون لديه فيه ما يخسره.
وفجأة في الشهر الماضي مايو ٢٠٠٦م بدت إدارة بوش وكأنها فهمت بعضًا من الخطر الذي تسببت هي فيه والذي تجاهله مهندسو حرمان غزة بشكل واضح وفاضح.. ففي اجتماع للرباعية قرروا منح ١٠ ملايين دولار كمعونة طبية عاجلة. نوع من السخاء الخسيس ولكنه مؤشر على الأقل على أن واشنطن قد تخلت عن أملها في الوصول إلى تغيير سريع لنظام حماس من خلال التدمير الاقتصادي.. لدرجة أن جدعون ليفي المعلق المختص بالشؤون »الفلسطينية الإسرائيلية«، يقول: «إن حماس هي التي تكسب.«
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون له أثر في التغيير ومن ثم يفشل حماس في الانتخابات هو أن تتبع واشنطن سياسة تلتزم نوعًا من الحياد ومساندة الحقوق- وقد فات أوان ذلك- وكان هو السبيل الوحيد لصرف الناخبين عن حماس ولكن ذلك يحتاج إلى تغييرات جوهرية من القلب أو في قلب الاستراتيجية الأمريكية.
والارتباط الشديد بين أمريكا وإسرائيل، كما يرى »میر شمایر» و«وولت»، هو الحمل الاستراتيجي والأخلاقي الذي يجعل التغيير مستحيلاً، والخطورة والخوف يكمنان في أن هذا الارتباط لا بد أنه سيؤكد نفسه بصورة خطيرة وسيزيد من ارتباط أزمة العراق بأزمة فلسطين حتى يشكلا معًا مشكلة واحدة ضخمة فإذا ما أضافت لهم إدارة بوش ثالثة بالدخول في حرب مع إيران حينذاك تحدث الطامة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل