العنوان عقول ينبغي أن تتحرك لتُدرك الرّكب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000
مشاهدات 78
نشر في العدد 1410
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 25-يوليو-2000
كثيرًا ما يأسى الإنسان على عقول تتمتع بعفوية غريبة وسطحية عجيبة، ولا تريد أن تقرأ أو تفكر، أو تجهد نفسها في بحث أو معرفة، وتهوى أن تأخذ كل شيء من منظورها هي، لا اعتبار لرأي آخر، أو فهم آخر، أو زمان آخر، أو أسلوب آخر، ولهذا تقف مكانها وتتسمر في موضعها، لا تستطيع التقدم، أو القدرة على التحرك، حتى يجرها الزمان جرًا، ويسحبها الآخرون سحبًا، فتتغير مواقفها، وتتبدل أفهامها، وهيهات أن تبلغ شيئًا أو تدرك أمرًا، لأن الأيام تكون قد تخطتها، والأمم قد سبقتها، ومما يزيد الإنسان أسى، وينقله حزنًا، أن أمر هؤلاء قد تخطى أمور العادة إلى أمور الشرع، وأمور المباحات إلى أمور الفروض والعقائد، وأمور المندوبات إلى مناطق الحرام والخروج على الشرع.
وكثيرًا ما يظهر هؤلاء في الأيام التي كسد فيها العلم، وضعفت فيها الهمة، وكبت فيها الحق، وقلّ فيها الناصح الأمين، والراعي المخلص، وأريد للناس أن تعيش هملًا، وترعى سوائم، ليسهل قيادها للظالم، واستعبادها للباغي، وخداعها للأفاكين، لقد مرّ على الأمة زمان عاشت فيه على الخرافات، واقتاتت منه الأوهام والكهانات، وأبدلت حقها بالباطل، ودينها بالجمود والترهات، حتى أسنت وتقيحت وتقرحت، ونَفَر من ثقافتها كل ذي عقل، وفرّ من تدينها كل ذي لب أو فكر أو منطق، وما كان الإسلام إلا دين العقل، والفكر والطهر، والنفس الذكية، والروح القوية، والمثل الطيب، والهمة العالية، والحضارة السامية، والتقدم الباهر،
ولعلي أريد أن أتبع القول العمل، والكلام المثال فأرجع بك قليلًا إلى زمن الأستاذ رشيد رضا من نصف قرن تقريبًا لنرى كيف كانت العقلية المسلمة في فهمها للإسلام مما يعد اليوم مستغربًا، تأتي فتوى إلى الشيخ محمد رشيد رضا، من خادم العلم (م. ز) يقول فيها: هل تعليم النساء حلال أم حرام؟ وما درجة حديث النهي عن تعليم النساء الكتابة، وما رأيكم في هذا التعليم. ثم ذكر نصًا يقول إنه حديث: «لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة»، فقال له الشيخ رشيد رضا لم يصح في النهي عن تعليم النساء الكتابة شيء، بل وردت في تعليمهن أحاديث والحديث الذي رويته جاء من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن عائشة، وهو كذاب، وقال النسائي متروك الحديث، وقال غير واحد كذاب، وقد وردت روايات صحيحة في مشروعية تعليم النساء، وذكر تلك الروايات، ثم قال: وقد كان في الصدر الأول كثير من الكاتبات العالمات بالحديث والأدب والفنون، ومن مقاصد الشرع إخراج الأمة من الأميّة وتعليمها الكتاب والحكمة، ونَص على ذلك في كتاب الله، فمن الذي فرض على الأمة إهانة المرأة ومنعها من التعليم، وجعلها أميّة، وأخترع لذلك أحاديث كذاب؟
وقد وَرَد إلى الشيخ سؤال آخر يقول صاحبه: هل يجوز سماع القرآن من صندوق «الفونوغراف» يعني جهاز الأسطوانات، وعندنا في هذه المسألة، فريقان يختصمان، فريق يُحرّمونه بالكلية، ويقولون إنه استعمال للقراءة في محل اللهو، حيث ممكن أن يستعمل بعد إسطوانة القرآن إسطوانة أخرى للغناء مثلًا، وأن الصندوق لا يستعمل للعبادة، وفريق يجيزونه وأنا من جملتهم، لأن أهل بلاد القازان محتاجون إلى إصلاح قراءة القرآن الكريم بالأصوات العربية، ولا يتيسر لأحد أن يذهب إلى مصر أو الحجاز حتى يتلقى من أفواه المشايخ، والأسطوانات تعلمنا ذلك، أفيدونا، فأجابه الشيخ بأن هذا جائز ولا شيء فيه، وجاء له بسند ذلك من الآراء، ومرّ الزمن وانتفى الحرج، وفهم الناس.
وجاء سؤال آخر يقول للشيخ: يا شيخ: هل سماع القرآن من المذياع حلال أم حرام، والعلة السابقة هي العلة في هذا السؤال، وهي أن المذياع يذيع في بعض الأحيان، بعض الأغاني وتتوالى الأسئلة في هذا الشأن، وكلها تدل على عدم فهم لمقاصد الإسلام ولا لأحكامه ومراميه، ومن ذلك ما جاء من أسئلتهم للشيخ، قائلين: إن بعض الكتابيين من أهل إنجلترا وأمريكا أسلموا ولم يغيّروا زيّهم في اللباس، كالبنطلون وغيره، فهل يصح إسلامهم أم لا، وهل يقتضي أن يكون الإسلام بالزيّ لا بالعمل أو بكليهما معًا، وإذا كان كذلك فإسلام من أسلم من أهل أمريكا وإنجلترا غير صحيح ما لم يغيّروا أزياءهم، وهذا من الإشكال في الدرجة القصوى كما لا يخفى على بصير، إذ ربما كان مدعاة لعدم انتشار الإسلام بين الأقوام الذين تقتضي عوائدهم عدم التخلي عن لبس البنطلون وما شابهه، فقال الإمام: «لا يوجد دليل في الكتاب والسُنة ولا في أقوال الأئمة والعلماء، على اشتراط زيّ مخصوص للمسلم، بل هناك أدلة على عدم اشتراط ذلك، فقد لبس النبي ﷺ لبس قومه، ولبس الجبة الرومية، والطيلسان الفارسي، ومن أسلم في الصدر الأول لم يكن يطلب منهم تغيير أزيائهم».
إذن مَنْ الذي أوحى إلى هؤلاء الناس بهذا الجهل الذي يخالف الإسلام ويخالف السُنة، وما عليه المسلمون؟ ومن الذي أبدلهم بالإسلام الصحيح الإسلام المزيف؟ ومن الذي أوقف العقلية الإسلامية عن الإطلاع وعن العلم بل عن الفهم؟ من الذي جعلها تتعثر في هذه الأمور التافهة، وتترك جلائل الأمور، تترك المظالم، وفقد الحريات، وضياع حكم القرآن والسُنة؟ من الذي جعلها لا تحس بالقهر، أو الاستعمار، أو التدني الخُلقي والعلمي والحضاري؟ من الذي جعلها تنزوي في ترهاتها ولا تفكر في دستور أو قانون يحمي كرامتها ويدافع عن عزتها؟ من الذي جعلها لا تفكر في الخطر المحدق بها من أعدائها، وأنساها الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، وأنساها الشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ من الذي جعلها تتخلف علميًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، وتلك من الفروض التي فرضها الإسلام عليها، إن بقايا تلك العقول ما زالت تعيش بيننا إلى اليوم، تجادل في الثياب، وتحرّم دخول الحياة النيابية حتى يقفز عليها أعداء الإسلام، وتقول إنه مناف للتوحيد، وإن بعضهم يحرّم العمل في السياسة التي هي رعاية أحوال المسلمين، ويتركها بيد الأبالسة والشياطين.
إن هذه العقول ستتحرك يومًا، وما أظنها قادرة على اللحاق، ولكن حسبنا أن القافلة بالمخلصين تسير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.