; عقيدة أهل السنة في الميزان «5» | مجلة المجتمع

العنوان عقيدة أهل السنة في الميزان «5»

الكاتب محمد علي الصابوني

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983

مشاهدات 63

نشر في العدد 631

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 02-أغسطس-1983

ليس مذهب السلف الصالح- الذي أسلفنا الحديث عنه في مقالاتنا السابقة- في موضوع صفات الباري جل وعلا..  هو «التفويض المطلق» كما قد يتوهم البعض من الناس..  بل هو مسلك آخر، يدل على نظر ثاقب، وفهم سليم مستقيم، لنصوص الكتاب والسنة..  ويتلخص هذا المسلك والمنهج في الآتي:

أولا: تأويل ما لا بد من تأويله، من آيات الصفات، وأحاديث الصفات مما لا مندوحة عن تأويله، لأسباب لغوية، أو شرعية، أو اعتقادية.

ثانيا: إثبات ما أثبته القرآن الكريم، أو السنة المطهرة، من صفات الله جل وعلا من «السمع، والبصر، والكلام، والمحبة، والرضى، والاستواء والنزول، والإتيان والمجيء» وغيرها من الصفات.. والإيمان بها على مراد الله -عز وجل- بطريق «التسليم والتفويض» دون تشبيه، أو تعطيل، أو تجسيم، أو تمثيل، فيؤمنون باستوائه تعالى على عرشه، وبنزوله إلى السماء الدنيا، وبمجيئه للفصل بين الخلائق يوم القيامة، ويصدقون بأن له سبحانه يدًا، ووجهًا، وعينًا..  وإنه يفرح بتوبة عبده المؤمن..  ويضحك من مجادلة العبد ربه..  ويرضى ويسخط..  إلى آخر ما وردت به النصوص الشريفة، ولكن دون مشابهة ولا مماثلة، ودون تصوير ولا تجسيم

فلا يؤولون «الاستواء» بمعنى الاستيلاء، ولا «النزول» بمعنى نزول الرحمة، ولا «الإتيان والمجيء» بمعنى مجيء أمره، أو إتيان أمره..  بل يؤمنون بكل ذلك على مراد الله تعالى، كما نطق وكما أخبر، فيحملونها على ظاهرها دون تأويل أو تعطيل، مع نفي «المشابهة» و «المماثلة» تمسكا بقوله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى: 11)

وقوله ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص: 4) أي ليس له مثيل ولا شبيه أحد من خلقه على ضوء هذا يؤمن السلف الصالح في «نفي المثلية» و«نفي التجسيم» مع الاعتقاد بكل ما ورد في القرآن والسنة. من صفاته العلية جل وعلا..  وقد أسلفنا في مقالاتنا السابقة قول إمام أهل السنة والجماعة، الإمام «أحمد بن حنبل» رحمه الله: «أخبار الصفات تمر كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف؟ ولم؟ نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد..  نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، وندع الكيفية في الصفات إلى علم

الله تعالى».

«تأويل ما لا بد من تأويله» 

ولنضرب بعض الأمثلة، على ضرورة مالا يصح فهمه على ظاهره، من النصوص التي وردت في الكتاب والسنة، بل لا بد من فهمه «الفهم السليم» ليتضح لنا بجلاء مذهب السلف الصالح، في فهم النصوص الكريمة، إذ يظن البعض ممن ليس له قدم راسخ في العلم، أن التأويل كيفما كان ضلالة، حيث جانب مذهب السلف الصالح، وهذا فهم خاطئ لطريقة السلف، ومذهب السلف، فإن من تعمق في مذهب السلف، عرف أنهم كانوا على بصيرة من أمر الدين، وشريعة الله -عز وجل-، ولم يكن فهمهم كليلا، ولا رأيهم عليلا كحال الناس اليوم، وتحضرني هنا قصة جرت لي مع بعض «الدكاترة» المعجبين بفهمهم الثاقب، حيث أسند إلى بعضهم النظر في كتابي «صفوة التفاسير» لإبداء رأيه فيه: هل هو موافق لمذهب السلف أو مخالف له؟ وكان ذلك من أجل كتابة تقريظ للكتاب قبل طباعته..  فكان من بعض ملاحظاته، أنني فسرت الاستواء في سورة البقرة ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (البقرة: 29) بما يخالف مذهب السلف، حيث قلت: ثم توجهت إرادته إلى خلق السماء، وقصد خلق السموات فخلقهن سبع سموات..  إلخ، فظن صاحبنا بمجرد سماعه للفظ «استوى» أن التفسير مخالف لمذهب السلف، وقد غفل عن الفرق الواضح بين «استوى إلى السماء» و«استوى على العرش» مع أن طالب العلم العادي، يفرق بينهما بسهولة ويسر، فإن التعدية بـ «إلى» و «على» تجعل المعنى مختلفا تماما، فقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ (البقرة: 29) معناه قصد إليها وتوجهت إرادته لخلقها، و«استوى على العرش» معناه علا فوق العرش علوا يليق بجلاله، فأين هذا من ذاك؟ وها أنا أنقل لك- أيها القارئ الكريم- عن شيخ جليل من كبار شيوخ السلف الصالح، ذلكم هو «الحافظ بن كثير» -رحمه الله- حيث يقول في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: 29) لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم، وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ أي قصد إلى السماء والاستواء هنا متضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدي بـ «إلى»، وقوله «﴿فسَوَّاهُنَّ أي فخلق السماء سبعًا، والسماء هنا اسم جنس ولهذا قال:﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وفي الآية دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا، ثم خلق السموات سبعا، وهذا شأن البناء، أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه مختصر ابن كثير 1/48 هذا ما قاله العلامة ابن كثير حول تفسير هذه الآية الكريمة، فأين هو الفهم السليم لمذهب السلف الصالح، فيما اعترض به الدكتور، أم فيما قاله ابن كثير؟ كما اعترض الدكتور أيضا على تفسيري في أول سورة الملك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (الملك: 1) حيث قلت: تمجد وتعالى الله العلي الكبير، الذي بقبضة قدرته ملك السموات والأرض، يتصرف فيهما كيف يشاء..  إلخ. فقد زعم أن هذا التفسير مخالف لمذهب السلف، لأن فيه إنكارًا لبعض الصفات..  ولست أدري كيف يفهم النص الكريم: هل الله -عز وجل- يقبض على السموات بما فيها من شموس ونجوم وأقمار، وعلى الأرض بما فيها من محيطات ومخلوقات وبحار، هل يقبض عليها بيده، أم يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه؟ وحين نقول: الجامعة بيد مدير الجامعة، هل نفهم أن مدير الجامعة، يمسك الكليات والمعاهد والإدارات المالية بيده، أم أنه يتصرف في إدارة شئون الجامعة؟ وحين نقول: الدولة بيد السلطان هل نفهم أن السلطان يمسك البلاد ويقبض عليها بيده، أم أنه يتصرف في تدبير شئون الدولة، بإدارة مرافقها، وتسيير أمورها؟!

هذا المفهوم السليم لمنطوق الجملة، وهذا ما فهمه أكابر العلماء من المفسرين، فهذا هو أحد الأعلام من أئمة علماء التفسير، وهو «عبد الله بن عباس» حبر الأمة يقول في تفسير قوله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الملك: 1). بيده الملك يعز من يشاء، ويذل من يشاء. ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع [1] ويقول الحافظ بن كثير في تفسير الآية:﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ. أي هو المتصرف في جميع المخلوقات، بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لقهره وحكمته وعدله.[2]

فهل نقول: إن ابن كثير خالف مذهب السلف، وأنكر اليد حين فسر الآية بهذا التفسير؟ هذا حالنا اليوم مع بعض شيوخ هذا العصر، «ودكاترة» هذا الزمان، لا يفقهون مذهب السلف، ويقذفون بالغيب من مكان بعيد.

«تأويل آية في سورة المجادلة»

والسلف الصالح أولوا الآية الكريمة في سورة المجادلة وهي قوله تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا (المجادلة: 7) فلم يقولوا إنها «معية الذات» وإنما قالوا عنها إنها «معية العلم» وذلك لئلا تتعدد الذات الإلهية..  فلو حملنا الآية على ظاهرها، لكان الله بذاته العلية مع هذه الفئة هنا، مع الجماعة الأخرى هناك، ومع الطائفة الثالثة في البلد الآخر، وهذا باطل بالنقل والعقل، ولهذا قال الحافظ بن كثير رحمه الله: وقد حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بالمعية في هذه الآية إلا هو معهم معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك. ولكن سمعه أيضا مع علمه محیط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو -سبحانه وتعالى- مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ومعنى الآية أنه تعالى مطلع عليهم. يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ورسله أيضا تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه له[3]

ومن قبله قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية: «ما يكون من نجوى بين ثلاثة من خلقه إلا هو مشاهدهم، يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، ولا يكون من حديث بين خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من 

ثلاثة، ولا أكثر من خمسة، إلا هو معهم إذا تناجوا، يسمع سرهم ونجواهم، في أي موضع ومكان كانوا، فإن الله عليم بنجواهم، وسرائر أعمالهم، وسائر أمور عباده[4].

«تأويل آية في سورة الحديد» 

كما تأول السلف الصالح قوله تعالى في سورة الحديد ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ (الحديد: 4) فقالوا إنها «معية علم» إذ كيف يكون الله على عرشه، وهو مع كل إنسان في كل مكان؟ فأولوا الآية بأنه مع عباده بعلمه، أينما كانوا وحيثما حلوا..  قال أبو حيان في تفسيره «البحر المحيط»: أجمعت الأمة على تأويل هذه الآية، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات..  ثم قال ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ بالعلم والقدرة، وقال الإمام القرطبي في تفسيره ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أي بقدرته وسلطانه وعلمه. وقال البيضاوي في تفسيره ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ: أي لا ينفك علمه وقدرته عنكم أينما كنتم وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني: والآية تمثيل لإحاطة علم الله بهم، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا.

وقال الإمام الطبري في تفسيره ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ أي هو شاهد عليكم أينما كنتم، يعلمكم ويعلم أعمالكم، ويعلم من منقلبكم ومثواكم، قال ابن عباس: هو عالم بكم أينما كنتم. وقال الحافظ بن كثير ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ أي هو رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، حيث كنتم، وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء..  يسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم. 

أفرأيتم كيف أجمع السلف والخلف، على تأويل هذه الآية الكريمة، وأن المراد بها «العلم» والرقابة والاطلاع على أعمال العباد، لا أنه تعالى مع العباد بذاته في أي مكان كانوا، وأينما نزلوا أو حلوا؟ وهذا يدل دلالة صريحة على أن مذهب السلف الصالح تأويل ما لا بد من تأويله، مما يوهم تعدد الذات الإلهية، أو أنه تعالى مع عباده بذاته، حتى في الأماكن غير الطاهرة، كالحمامات والكنف. مما يتنزه عنه الباري جل وعلا.

«تأويل آية في سورة ق»

وهناك آية في سورة «ق» أولها السلف الصالح، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16). وحبل الوريد: هو عرق كبير يجري فيه الدم. متصل بالقلب إذا قطع مات الإنسان، وهو المسمى «الوريد الأبهر» فكيف يمكن فهم النص الكريم بدون تأويل ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هل الله سبحانه ملتصق بالإنسان التصاق عرق الوريد؟ أليس في هذا الفهم الخاطئ، ما يؤيد دعاوي بعض أهل الضلال من جهلة المتصوفة أو الزنادقة والملاحدة، الذين يقولون بالاتحاد والحلول؟ كما قال بعضهم: أنا الله والله أنا أو قول الآخر: ما في الجبة إلا الله؟

ولنرجع الآن إلى أقوال أئمة علماء السلف. في تفسير هذه الآية الكريمة، لنرى تأويلهم لها على الوجه الشرعي الذي يتفق مع العقيدة ومع الدين، يقول أبو حيان في البحر المحيط: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ونحن أقرب إليه قرب علم نعلم به وبأحواله، لا يخفى علينا شيء من خفياته، فكان ذاته تعالى قريبة منه، وهو «تمثيل» لفرط القرب، كقول العرب: هو مني معقد الإزار[5]

وقال ابن كثير: المراد بقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه..  ثم قال: ومن تأوله على العلم، فإنما فر لئلا يلزم حول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، وهذا كما قال في المختصر ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (الواقعة: 85) يريد به الملائكة[6].

وقال الألوسي: «المراد أن الله تعالى أعلم بحال الإنسان من نفسه، ومن كل رقيب عليه، حتى من الملكين الموكلين به، فإنه تعالى أعلم منهما، ومطلع على ما يخفى عليهما، لكن الحكمة اقتضت كتابة الملكين لعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد» [7]

«تأويل آية في سورة الواقعة» 

ومثل هذه الآية التي أولها علماء السلف، الآية التي في سورة الواقعة وهي قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (الواقعة: 83-85) فقد قال علماء السلف في تأويلها: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم أي فهلا إذا بلغت الروح الحلق، وذلك حين الاحتضار ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ أي وأنتم في ذلك الحين، تنظرون إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ أي ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميت منكم، ولكن لا تعلمون ذلك. ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقبض روحه. 

قال ابن كثير: ومعنى الآية ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ أي ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (الأنعام: 61)[8].

وقال ابن جرير الطبري: «أي ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، ولكنكم لا تبصرونهم» [9]

هذه أقوال أئمة علماء السلف في تفسير الآية الكريمة، وهي تأويلات واضحة ساطعة، تدل على فهم ثاقب للنصوص القرآنية الكريمة، فلم يحملوا الآيات الكريمة على ظاهرها، بل أولوها تأويلا يتفق مع العقل والشرع، فهل نرميهم أيضا بالضلالة، لأنهم لم يحملوا الألفاظ على ظواهرها؟ أم نقول: إن هذا هو الصواب الذي ذكره لنا العلماء، جزاهم الله خير الجزاء!! وكيف نصنع ببعض النصوص القرآنية، أو الأحاديث النبوية. إذا جمدنا على الظاهر، ولم نؤولها تأويلا صحيحًا. منسجما مع فهم نصوص اللغة العربية. 

ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة، من الكتاب والسنة، في ضرورة التأويل في بعض النصوص، التي لو حملت على ظاهرها لفسد المعنى فسادًا ظاهرًا جليًا..  مثل قوله تعالى عن سفينة نوح ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (القمر: 13-14) فقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا هل يصح أن نفسرها على ظاهرها، أن السفينة تسير وتجري في عين الله؟ نحن نعلم أن السفينة تسير في الماء، وتجري في النهر والبحر بقدرة الله فقوله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا لا يراد به المعنى الظاهر، بل لا بد من تأويلها كما قال ابن كثير: المعنى تجري بأمرنا، بمرأى منا، وتحت حفظنا وكلاءتنا، وقال الطبري: المعنى تجري هذه السفينة بمرأى منا ومنظر، وكذلك قوله تعالى عن موسى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (طه: 39) هل يفهم عاقل أن موسى ربي في عين الله؟ أم يفهم الفهم الصحيح الذي قاله الطبري وغيره: ولتربي على مرأى مني ومحبة؟! 

وفي مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- «الحجر الأسود يمين الله في أرضه» وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي «ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» وقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضا «ولئن أتاني يمشي أتيته هرولة» وقوله تعالى في الحديث القدسي «ابن آدم مرضت فلم تعدني..  استطعمتك فلم تطعمني..  استسقيتك فلم تسقني» إذا لم نؤول هذه الألفاظ كيف يصح المعنى؟ كيف يجوز أن نقول: إن العبد إذا اتقى ربه حق التقوى، وعبده حق العبادة، صار الباري جل وعلا، بصره وسمعه، ويده، ورجله؟ أليست هذه هي دعاوى الملاحدة أهل الاتحاد والحلول!! وكيف يمرض الله عز وجل؟! وكيف يجوع ويعطش؟! وكيف يسعى ويهرول؟ إذا لا بد من الفهم السليم، والتأويل الصحيح لهذه النصوص من الكتاب والسنة، وهذا ما فسره ووضحه السلف الصالح.

نحن نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة من صفات الباري جل وعلا من الوجه واليد، والعين..  إلخ. ولكن نأبى أن يفهم الإنسان الفهم الخاطئ، فيقول مثلا عن قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا (يس: 71) إن الإبل والبقر والغنم خلقها الله بيده حقيقة، فمثل هذا الفهم لم يفهم السلف الصالح. فهذا هو شيخ المفسرين الطبري يقول في تفسير الآية: أولم ير المشركون أنا خلقنا لهم الأنعام من الإبل والبقر والغنم فسخرناها لهم ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (يس: 71) فهم لها مصرفون كيف شاءوا بالقهر والضبط ويقول عند قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (الفتح: 10)..  في قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه -صلى الله عليه وسلم- والآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأنهم بايعوا: رسول الله على نصرته، ويقول ابن كثير معنى الآية ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أنه تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله أ.هـ وكلا القولين ظاهر في التأويل.

وبعد:

فقد بينا في هذه المقالات بما لا يحتمل الشك والجدل، أن «الأشاعرة» هم من فرق أهل السنة والجماعة..  وذلك بالنقول المستفيضة عن أساطين أهل العلم..  ولا سيما كلام شيخ الإسلام «ابن تيمية» -رحمه الله- فيكفي ما قاله في كتابه مفصل الاعتقاد «العلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين» وقوله أيضا «ولهذا لما كان» «أبو الحسن الأشعري» وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة، كان منتحلا للإمام أحمد، ذاكرا أنه مقتدي به متبع سبيله، وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة، لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف» ثم قوله كذلك: «وأما لعن أئمة الأشعرية، فمن لعنهم عزر وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه، والمسلم لا يكون لعانًا» أنظر مفصل الاعتقاد «4/167». 

وعلينا أن نسعى لجمع الشمل، ووحدة الصف بين المسلمين، لا سيما في هذا العصر، الذي تكالبت علينا فيه قوى الشر، من «شيوعية، واشتراكية وصهيونية، وقومية ملحدة» كلها تريد محونا من الوجود.

وإني والحمد لله سلفي المذهب..  لا أقول ذلك نفاقًا ولا تزلفًا، بل اعتقادًا بأن مذهب السلف هو الأصح والأسلم والأرجح..  وأنا أدعو المسلمين عامة إلى أن يلتقوا على مذهب السلف الصالح..  ولكنني أربا بإخواني السلفيين، أن يتحملوا في أعناقهم وزر تضليل الأمة، وتكفير أئمة علماء المسلمين من أهل الفقه والحديث، والتفسير، الذين هم على مذهب «الأشاعرة»..  فماذا سنجني إن فرقنا صف المسلمين، ونسبنا إلى الضلال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري، والإمام النووي، والبدر العيني، والإمام الباقلاني، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهم من أئمة الحديث.. ونسبنا جمهور المفسرين كالإمام القرطبي، والفخر الرازي، وأبي حيان التوحيدي، جلال الدين السيوطي، والألوسي، الخطيب الشربيني، والنسفي..  وكل هؤلاء الأئمة الأجلاء وغيرهم على مذهب الإمام الأشعري..  ماذا سنجني من وراء هذا التجني، إلا تمزيق شمل الأمة الإسلامية، وتفريق صفهم، وتأليب الأعداء عليهم!! في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف. 

كما أنني أدعو إخوتنا السلفيين بوجه خاص، إلى أن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يتعاونوا مع جميع العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، فيضعوا أيديهم في أيدي دعاة الإسلام، سواء كانوا من أتباع المذاهب الأربعة أو من أنصار السنة، أو الإخوان المسلمين، أو المجاهدين في سبيل عزة الإسلام..  فالكل هدفه خدمة الإسلام، والواجب على الجميع، أن يتحدوا لدرء الأخطار، التي تهدد كيان الأمة الإسلامية، امتثالا لقوله تعالى ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (آل عمران: 103) وعليهم أن يشعروا بعظم المسئولية عند الله عز وجل، فهذا الدين أمانة في أعناقنا جميعا..  ولا ينبغي لنا أن نسمع لتلك النزعة الشيطانية التي يدبرها الأعداء لنا لتمزيق الشمل، وتفريق الصف ويروجها بعض الإخوة عن سذاجة وبساطة حين يقولون: إن كفاح المجاهدين في «أفغانستان» وغيرها من البلدان، ليس بجهاد شرعي، ولا يجوز لنا أن ندفع لهم معونة من أموال الزكاة، لأنهم على غير المذهب السلفي، بل هم يعتنقون مذهب الأشاعرة.. إلى آخر ذلك الكلام الذي يبثه في صفوفنا الأعداء، وينفثون به في صدورنا، فتلك لعمر الحق قاصمة الظهر، ولا تخدم هذه الأفكار الغريبة الدخيلة، إلا الشيوعيين وأعداء الإسلام. 

نسأله تعالى أن يبصرنا بأمر ديننا، ويلهمنا رشدنا، ويوحد شملنا تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ويجعلنا من أنصار دينه وصدق الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

***
[1]   الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 210  

[2] مختصر تفسير ابن كثير ج 3 ص 527  

[3] مختصر تفسير ابن كثير ٣/٤٦١     

[4] مختصر تفسير الطبري ٢/٤٣٣    

[5] تفسير البحر المحيط 8/123    

[6] تفسير مختصر ابن كثير 3/373

[7] تفسير روح المعاني 26/179   

[8] تفسير ابن كثير 3/440  

[9] تفسير مختصر الطبري 2/422   

الرابط المختصر :