العنوان علاجات اجتهادية للعوائق الداخلية في الحركة الإسلامية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1986
مشاهدات 64
نشر في العدد 772
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 24-يونيو-1986
- الهزات التي تنتاب الفرد في أثناء مسيرته إنما مرجعها إلى الاختلال الذي يحصل للنفس البشرية المتعلقة ببحثها عن ذاتها
- الثقة التي يعطي فيها الفرد حق التنظير للجماعة لا تمنعه من أن يقوم بالنقد البناء من خلال الطرق الصحيحة.
إن عملية تشخيص الداء وبيانه يتبعها بالضرورة ذكر وصفات العلاج التي تعتبر سببًا قد يترتب عليها الشفاء- بعد توفيق الله تعالى- وهذه العلاجات في حقيقتها تمثل جهدًا بشريًا خاضعًا للخطأ والصواب، وفي هذه الورقات سنذكر بعضا منها: -
- العلاج الأول: البناء العقدي النظري الواضح:
إن من أهم الأمور التي يجب أن يتنبه إليها أصحاب الحركة الإسلامية في بنائهم وتكوينهم لقواعدهم أن تكون الأسس واضحة لقواعدهم جلية مستقاة من كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- مهتدية بهدي سلفنا- رضوان الله عليهم- فيكون العمل قائمًا على قواعد وتأصيلات مستقرة لا تتزحزح ولا تضطرب ولا تتغير، فمثلًا يكون الأساس النظري الذي يتعلق بالخوارج مثلًا واضحًا لا لبس فيه بإنهم «فئة منحرفة ذات زيغ وضلال».
وكذلك الرافضة في «طعنهم ورفضهم الصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وانتقاصهم لمكانتهم التي جعلها الله لهم»، حيث إنهم بذلك «أي بسبهم لصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكونون قد عبروا عن أنفسهم بالضلال والسقوط»، وهكذا بقية الفرق التي ليست على الكتاب والسنة، يكون الأساس النظري في البناء العقدي لأفراد الحركة الإسلامية واضحًا لا يختل اتجاههم، سواء كانت هذه الفرق في حال قوتها أو في حال ضعفها، وسواء كانت الحركة الإسلامية في قوتها أو ضعفها، فهذا الأساس النظري لا يتغير ولا يتحول تباعًا للظرف والواقع، وبذلك تضمن الحركة نقاءً في أفرادها، وصفاءً في عقائدها، ورسوخًا في تكوينها.
ثم- بعد هذا التأصيل- إذا ما اضطرت الحركة الإسلامية- من خلال تعاملها اليومي في الواقع المعاش- أن تنفذ سياسات مصلحية، قد تكون في ظاهرها خطأ في التصور، أو عدم وضوح في المسير، ولكن في حقيقة الأمر لا شيء من هذه الأشياء، وإنما هي سياسات الهدنة والصلح وغيرها من سياسات الحرب؛ فالنبي- صلى الله عليه وسلم- هادن اليهود كسياسة مصلحية مرحلية، وفي نفس الوقت كان يربي الجيل القرآني في عهده على وضوح حقيقة اليهود كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:30)، وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة:۸۲).
فالاعتقاد النظري عند صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واضح في شأن اليهود، لم يتغير في حال مسالمتهم للنبي- صلى الله عليه وسلم- قبل غزوة الخندق، ومعاداتهم للنبي- صلى الله عليه وسلم- عند قدوم الأحزاب، هم هم اليهود لم يتغيروا.
فبهذه المنهجية تأمن الجماعة الانحراف الذي قد تسقط فيه الحركة الإسلامية في حال ضعفها وتعلقها بأي شيء، فالتأصيل في البناء والتربية والتكوين لا يختلف من ظرف إلى ظرف، ومن موقف إلى آخر، فأي قاعدة تربوية تم الإيمان بها على أنها على الطريق المستقيم وفق كتاب الله وسنة نبيه يجب أن تبقى في حالة الشدة والرخاء، في حالة الحزن أو الفرح، سواء كتبت والجماعة الإسلامية تعيش في القصور، أو كتبت والجماعة الإسلامية تمتحن في السجون، فعلى سبيل المثال كتاب «معالم في الطريق» في تأصيله التربوي التكويني كتبه السيد- رحمه الله- وهو في السجون، ولو قدر الله أن يكتبه وهو على كرسي الحكم لم يتغير؛ لأن تكوين القاعدة الصلبة واستمرار عملية البناء قضية مستمرة مع الحركة من بداية تكوينها إلى وصولها واستلامها، واستمرار ذلك إلى أن تلاقى ربها.
- العلاج الثاني: الثقة وأثرها في الاطمئنان:
إن الهزات التي تنتاب الفرد في أثناء مسيرته، وتكاد تسقط به من قافلة المسير، إنما مرجعها إلى الاختلال الذي يحصل للنفس البشرية المتعلقة ببحثها عن ذاتها، ففي غيبة الثقة الرابطة والماسكة لبناء الحركة، ترى الفرد المضطرب بعد أن ينظر إلى نفسه وما يحوزه من ملكات فطرية أو صناعات تكوينية من قوة في العبارة، وسلاسة في الأسلوب، وفصاحة باللسان، ورصانة في القلم، فيعتلي المنبر خطيبًا يهز الجماهير، ويركب الصحيفة كاتبًا يشد انتباه المشاهير، ثم يعاود النظر إلى نفسه وذاته ومكوناته، ثم يلتفت في الجهة الأخرى إلى ما أعطي من كرسي في العمل الإسلامي؛ فيرى الفارق الكبير بين ذاته في المجتمع الكبير المعاش، وبين ذاته في إطار خير الحركة الإسلامية؛ فيرى الفارق بين المكانين، فيقع بين نظرتين: نظرة بعيدة عن ميزان الثقة، تجعل من النفس أوتارًا حادة متحركة صارخة في نفسه: «قد وقع عليك الظلم في حركة تحارب الظلم»، ويبدأ الصراع، ويتحرك شياطين الإنس والجن بإشعال نار الفتنة التي وجدت في النفس المضطربة أرضًا وبيئة مهيأة بأسمدة الضعف البشري، والركام الجاهلي، والخور الإيماني، فتنبت شجرة التفريق كأنها رؤوس الأباليس.
أما النظرة الثانية فهي نظرة قد ملئت ثقة بقيادتها وموجهيها، شعارها تربية إيمانية، أساس البناء فيها يذكره وقت الخطوة الأولى عند الانخراط في العمل الإسلامي، حيث كان همه ومراده أن يكون أوثق سهم في كنانة قائده، سواء كان مطرزًا بالذهب والفضة، أو كان مجردًا لا يزينه شيء، فهو في هذه الدعوة عرف من أول الطريق أن قائده لا يختار في حقه إلا ما هو أصلح بالنسبة للجماعة أولًا، ثم إلى ذات الفرد ثانيًا، ثم إن أصالته التربوية تذكره أنه لم يدخل في يوم من الأيام الحركة الإسلامية- ليشار إليه بالبنان، وإنما دخل عنوانه قول الصحابي: «والله ما على هذا بايعتك يا رسول الله، ولكن إن أضرب هاهنا- وأشار الى عنقه- بسهم يخرج من هاهنا فأدخل الجنة».
فهذه الالتفاتة لقواعد الثقة الأولى تثبت أوتار القلب، فيصدح بأنغام الثبات الكفوف بالكفوف، وحدوا صفوفنا فهي إذًا الثقة التي يعطي فيها الفرد حق التنظير للجماعة وهو مطمئن إلى عدلها وحسن تصرفها، علمًا أن هذه الثقة لا تمنعه في أية حال من أن يقوم بالنقد البناء من خلال الطرق الصحيحة، والقنوات المستقيمة التي توصل الماء الزلال من غير تعكير ولا تشويش.
- العلاج الثالث: الاهتمام بالفرد قبل مؤسسة العمل:
إن الأساس في العمل الإسلامي هو تحسس نهج النبي- صلى الله عليه وسلم- في واقعه العملي في المرحلة المكية، والحياة المدنية في مراحلها التي دارت بين التأسيس والتكوين إلى مرحلة الخروج والجهاد لمقارعة الباطل في دولته ومن خلف حصونه، فنرى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يهتم فقط بالعلاقات الحسية بين الأفراد وبين قيادتهم، بل حتى بالعواطف النفسية.. فهذا حاطب بن أبي بلتعة يهدم جانبًا من أهم الجوانب في التكوين التنظيمي، ومع ذلك يخفف عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- روعه، ويهدئ من انتصار المجموعة القيادية للحق، وذلك بعد أن علم صدق المخالف، وأنه لم يعمد إلى هذا الفعل يبتغي الهدم والانتصار للنفس على حساب جماعة المسلمين، بل لشبهة عرضت له.. لذلك عندما قال الغاضب للحق- عمر بن الخطاب رضي الله عنه- دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.. فقال له القائد العام- صلى الله عليه وسلم- «ما يدريك يا عمر أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم»([1])، وكان هذا البيان الرحيم الذي لمس أهداب النفس الحساسة، قد أطفأ الفتنة، وطمأن القاعدة بأن الفرد هو الأصل، ولن يسحق ويهدد من أجل البناء التنظيمي للدولة، وكان ذلك بعد اعتراف الجندي وتوبته واستغفاره وإقراره بقوله: «والله ما نافقت یا رسول الله»، ثم بين الشبهة التي عرضت له.
وما أحوجنا اليوم إلى قيادة إيمانية تتحسس الرضى والغضب، والفرح والسرور- من نظرات أفرادها وزفرات تنفساتهم، وانفراج أساريرهم، وتجعدات جباههم قبل نطق ألسنتهم، وانقباض قلوبهم وتحرك جوارحهم- وهذه القيادة لا توجد ولا تتكون بغياب القاعدة التي ترجع إلى الحق عند تذكيرهم، وتسكب دموع الحسرة والندم على عتبة البناء الجماعي.. فإلى مزيد من تعاون القاعدة مع القيادة في إيجاد الحق والسير به..
وصورة ثانية تبين حرص القائد النبي- صلى الله عليه وسلم- على مراعاة نفسية الأفراد، وأنه لا يتعامل مع جلمود صلب، بل مع حس مرهف يميل مع نسمات المديح إلى الخير، وينكمش ويتقوقع مع تقرير التأنيب، فهذا عباد بن بشر، وأسيد بن حضير يشعر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه أغضبهما، وهما كذلك أحسا بعدم الرضى من قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- ليقطع دابر الوسواس الشيطاني، وذلك بعد أن علم أنهما ما قالا- من مقالة- إلا باجتهاد منهما، أن ما طرحاه من رأي إنما يحبه النبي- صلى الله عليه وسلم- ففي حديث مسلم أن اليهود كانوا- إذا حاضت المرأة فيهم- لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت([2])، فسأل أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ۲۲۲)، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا تجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى ظننا أن قد وجد عليهما([3])، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما([4]).
هوامش
([1]) البخاري (فتح 9/62).
([2]) أي لم يساكنونهن في بيت واحد.
([3]) غضب عليهما.
([4]) مسلم بشرح النووي ص 246 رقم 302.