العنوان علاقة ليست على ما يرام
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 29
السبت 21-أبريل-2001
الإبقاء على بعض القوات السورية في المناطق اللبنانية المجاورة السورية لردع الخطر الصهيوني. بموافقة لبنانية حقيقية يمكن أن يمثل حلا موضوعيا يحقق مصالح البلدين
أقل ما توصف به العلاقات السورية - اللبنانية أنها ليست على ما يرام فلماذا وإلى متى يستمر ذلك؟
من المعلوم أن تاريخ سورية ولبنان منذ ظهور الإسلام وعهد الفتوحات بل وما قبل الإسلام إنما هو تاريخ واحد، وثقت عراه الصلة الجغرافية والبشرية من أرحام وانساب واللغة العربية والآلام والأمال المشتركة، وكانا ومازالا جزءًا من بلاد الشام، ذلك الإقليم العريق في تاريخ المنطقة وحضارتها وأدابها، وفي العصر الحديث تعرض كل منهما لتطبيق معاهدة سايكس بيكو التقسيمية ولدخول الانتداب الفرنسي وخروجه منها بأوقات متوازية أو متقاربة، لبنان البلد العربي الوحيد الذي لم يحتج حتى الآن لإقامة تمثيل دبلوماسي مع القطر السوري، بل الاكتفاء بالبطاقة الشخصية للتنقل والسفر بينهما.
بقلم: محمد الحسناوي
صحيح أن نسبة التوزيع الطائفي في لبنان تختلف عما هي عليه في سورية وغيرها، لكن لم يمنع ذلك لبنان وشعب لبنان من التفاعل مع محيطه العربي والإسلامي لاسيما قضيتي فلسطين والوحدة العربية، ومن المفيد أن نشير إلى دخول عدد من الأدباء والشعراء والمفكرين المسيحيين اللبنانيين في الدين الإسلامي إعجابًا بالإسلام وتجاوبًا مع قضايا المسلمين وردًا على بعض النعرات الطائفية، أمثال أحمد فارس الشدياق ومارون عبود أبو محمد) في الوطن وأبو الفضل الوليد في المهجر.
وفي عام ۱۸۸۰م حينما وقعت مذبحة طائفية ضخمة بين الدروز والمسيحيين في لبنان كان للقطر السوري والأمير عبد القادر الجزائري المقيم فيه دور بارز في إطفاء هذه الفتنة وحماية من احتاج للحماية حتى هدأت الخواطر وأطفئت الفتنة.
وفي بداية العهد العباسي حين نزل بنصارى لبنان حيف تدخل الإمام الأوزاعي لحمايتهم ورد الحيف عنهم.
لكن في أواخر العهد العثماني صارت الدول الكبرى بريطانيا وفرنسا وروسيا تستغل ضعف الخلافة للتدخل في شؤون الأقليات، حتى منحت متصرفية جبل لبنان شيئًا من الحكم الذاتي، ولما جاء الانتداب الفرنسي إلى لبنان زادت المؤثرات الأجنبية الخارجية على شعب لبنان بتصعيد إنشاء مدارس التنصير ومعاهد الاستشراق والاستخبارات الأجنبية، فما جاء عهد الاستقلال في الأربعينيات، إلا وكان للنفوذ الغربي الأجنبي ظل واضح على لغة بعض اللبنانيين ومشاعرهم وثقافتهم، وإذا أضفنا دخول المكر الصهيوني عاملًا جيدًا في المعادلة اللبنانية المفتوحة، وظهور الاستفراد الأمريكي الذي حل نفوذه منذ الحرب العالمية الثانية محل النفوذ البريطاني، نكون قد اقتربنا من فهم الصورة من وجهها الغربي (المريب).
أما وجه الصورة الشرقي - ولبنان جزء من المشرق العربي والإسلامي - فإن أحداث المنطقة العربية والسورية لابد أن تكون لها انعكاسات وآثار على الوضع اللبناني ولعل أهم هذه الأحداث نكبة فلسطين والوحدة بين مصر وسورية، ووصول جناح من حزب البعث السوري إلى الحكم.
كان من نتائج نكبة فلسطين أن المعادلة البشرية الديمجرافية السكانية للقطر اللبناني قد تأثرت بالكتلة البشرية المتزايدة من إخواننا اللاجئين الفلسطينيين، فقد كان يقال: إن النصارى هم الطائفة أو مجموع طوائفهم هم الأكبر ثم أهل السنة والجماعة ثم الشيعة ثم الدروز وبوجود اللاجئين صارت الغلبة لأهل السنة والجماعة بلا جدال، وهوى اللاجئين مع هوى العرب المسلمين في تحرير فلسطين والحلم بالوحدة العربية بدءًا من سوريا القطر الشقيق المجاور.
ولما قامت الوحدة بين سوريا ومصر تعلمل حكام لبنان، وخافوا من ضم لبنان إلى هذه الوحدة، وحصلت حساسيات واتهامات متبادلة بين دولة الوحدة وبين حكومة لبنان بين مخابرات دولة الوحدة ومخابرات الحكومة اللبنانية فحكومة الوحدة متهمة بالتأمر لضم لبنان، وحكومة لبنان متهمة بتشجيع الانعزاليين اللبنانيين والعناصر المتأمرة على وحدة سوريا ولبنان.
وأما وصول جناح من حزب البعث إلى حكم سورية فأبرز تأثيراته دخول قوات الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية في يونيو عام ١٩٧٦م ويقال: إن ذلك تم بناء على طلب الرئيس اللبناني سليمان فرنجية، بحجة حماية نصارى لبنان من اقتراب جبهة القوى الوطنية اللبنانية من استلام السلطة ومن تعديل الكفة لمصلحة المسلمين والفلسطينيين والدروز وكانت مناسبة لكسر شوكة الفلسطينيين في وسط لبنان وشماله وجنوبه عبر سلسلة مجازر تل الزعتر (١٩٧٦م) وشاتيلا (۱۹۸۲م) والبداوي والنهر البارد (۱۹۸۶) - ۱۹۸۷م) وبموازاة الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥م) وبعدها. ومع تطاول الزمن واستفحال الحرب الأهلية وتحميل الفلسطينيين وحدهم أكبر الأوزار في انهيار الوضع اللبناني الت الأوضاع في لبنان ويتدخل الجامعة العربية أو القوى العربية المؤثرة إلى خروج ياسر عرفات مع قسم غير قليل من قواته المسلحة (۱۹۸۲م) بعد إعطاء وجود الجيش السوري في لبنان صفة شرعية عربية، إذ أطلق عليها عام ١٩٨٦م اسم قوات الردع أي ردع المتخاصمين على الساحة اللبنانية، وعقد مؤتمر الطائف المجلس النيابي لوضع صيغة اتفاق لبناني لبناني برعاية عربية لاستعادة الاستقرار واستئناف مؤسساته الشرعية دورها من مجلس نيابي ورئاسة جمهورية ومجلس وزراء بالتعاون مع قوات الردع العربية (أي الجيش السوري).
في هذه الأثناء من انهيار الوضع اللبناني كان الكيان الصهيوني قد اقتطع جنوب لبنان، واصطنع جيش لبنان الجنوبي، وغزا لبنان أكثر من مرة واحتل عاصمته بيروت (۱۹۸۱م) ولم يكن للجيش السوري في مواجهة العدوان الصهيوني المتكرر دور يذكر، وفي إحدى المرات كان القوات الصهيونية تضرب مدينة طرابلس من جهة وقوات الجيش السوري تضربها من جهة أخرى لكسر شوكة الفلسطينيين وحزب التوحيد الذي كان صديقًا للنظام السوري، لكنه لا يقبل استئصال الفلسطينيين.
ومما زاد في تعقيد الوضع اللبناني أن النظام السوري انقلب على حلفائه الذين دخل لإنقاذهم على حد قوله، كما أن الثورة الإيرانية أفرزت انتعاش شيعة لبنان، واستفادتهم من تحالف «سوري إيراني» بتمرير الأسلحة والمقاتلين والأموال عبر الأجواء والأراضي السورية إلى لبنان وجنوب لبنان بالذات فأصبح للشيعة تنظيمان التنظيم الأول الأقدم يميل إلى النظام السوري (منظمة أمل)والتنظيم الثاني يميل إلى النظام الإيراني (حزب الله الذي كان له ولا يزال دور بارز في مقاومة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان حتى طرده.
كان لوجود القوات السورية في لبنان هدفان معلنان استعادة الاستقرار للوضع اللبناني، ودفع الخطر الصهيوني عنه، أما وقد خرجت أو أخرجت القوات الصهيونية من جنوب لبنان، وعاد الاستقرار والمؤسسات الشرعية اللبنانية، فإن القوى اللبنانية تتململ من استمرار وجود الجيش السوري - وبالتالي من تدخل النظام السوري بالأوضاع الداخلية.
لم يكن مستغربًا أن يصدر البطريرك اللبناني صغير ومؤتمر الكرادلة اللبناني العام الماضي بيانًا مطولًا يطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان وتعزيز ذلك بمظاهرات طلابية متكررة هتفت بشعارات معادية للنظام السوري، لكن المستجد في الأوضاع اللبنانية أن وليد جنبلاط انضم إلى صف المطالبين بخروج القوات السورية من لبنان أو إعادة انتشارها بشكل يمنع تدخلها في الشوؤن اللبنانية الداخلية، هذا المستجد يتوازي مع مستحقات الوضع في عهد الرئيس السوري الجديد، وبعد رحيل من كان ممسكًا بقبضته الحديدية على الأوضاع السورية واللبنانية في وقت واحد.
اتفاقية الطائفي لم تحدد زمنًا لخروج القوات السورية، لكنها اشترطت حصول الاستقرار، فهل ينتقض الوضع اللبناني إذا خرجت القوات السورية.
إن انتقال وليد جنبلاط إلى صف المطالبين بإعادة انتشار القوات السورية يبعد احتمال انفجار الأوضاع، وإن الإبقاء على بعض القوات السورية في المناطق اللبنانية المجاورة لسوريا لردع الخطر الصهيوني بموافقة لبنانية حقيقية يحقق الأهداف المعلنة لوجود القوات السورية، ذلك لأن استقرار لبنان هو المصلحة سورية ولبنان ودفع الخطر الصهيوني عن لبنان هو المصلحة سورية ولبنان... فهل ترضى الأطراف بحل موضوعي يحقق مصالح سورية ولبنان في أن واحد؟
للاسف إن الأطراف المتنفذة محليًا وعربيًا ودوليًا لا تتصرف من منطلق مصلحة الأطراف المتضررة وحدها أي مصلحة شعبي سورية ولبنان بل كل قوة تتصرف وفق مصالحها الخاصة وليكن من بعد ذلك الطوفان.
نحن السوريين واللبنانيين والعرب لا نملك إلزام الأعداء أو الأطراف غير العربية لاسيما الكيان الصهيوني الخروج من جلدهم أو النزول عند مصالحنا بسهولة، أليس الأجدر بنا أن نبدأ بأنفسنا وتصلح ذات بيننا؟
كان وجود الجيش السوري فرصة لتعميق العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقين، لكن الذي حصل وما يزال يحصل هو تأليب الأطراف اللبنانية بعضها على بعض، والتدخل في السياسات اللبنانية، واغتيال عدد من القيادات الرسمية والشعبية أو اختطافها، ونهب ما يمكن نهبه من المنقولات وتحشيد منظم وتوطين الشريحة سورية معينة في شمال لبنان، وفرض تمثيل هذه الشريحة في المجلس النيابي ومجلس الوزراء.
هل يتعمد السوريون استعداء أشقائهم اللبنانيين بالطبع الجواب (لا) لكن الأوضاع الشاذة لا تنتج غير أوضاع وعلاقات شاذة، وإلا ما معنى وجود أكثر من مليون ونصف مليون مواطن سوري، كلهم عمال يطلبون العيش في أرض لبنانية غير مريحة وغير غنية؟!