; علامات استفهام كبرى تحيط بنظام المقاطعة العربية لإسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان علامات استفهام كبرى تحيط بنظام المقاطعة العربية لإسرائيل

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

في عام 1983 أجرت مجلة «المجتمع» مقابلة مع السيد أحمد صالح السودان -رئيس مكتب الكويت الإقليمي لمقاطعة إسرائيل- حول مصير مكاتب مقاطعة إسرائيل وتوقعاته لمستقبل هذه المكاتب وإمكانية أن تقفل أبوابها؟ فأجاب: «نعم، سوف يأتي اليوم الذي تقفل فيه مكاتب مقاطعة إسرائيل أبوابها، وذلك حين تنتهي معركتنا مع العدو الصهيوني، وذلك حين تتم استعادة مقدساتنا، وتتم إعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، ويزول الكابوس الصهيوني الاستعماري الذي يجثم على هذه المنطقة، ونأمل ذلك بتكاتف جميع القوى العربية والإسلامية ضد هذا التيار الصهيوني».

وفي هذا العام، أي بعد عشر سنوات من هذا التصريح، بدأت -للأسف- الكثير من مكاتب المقاطعة الإقليمية تقفل أبوابها قبل أن ترجع المقدسات وتعود الحقوق إلى أصحابها؛ فقد ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» منذ أسبوعين بأن المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية سيبحث في اجتماعه القادم إمكان إلغاء المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل في إطار عملية السلام في المنطقة، ونقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية في القاهرة قولها إن: «احتمالات صدور قرار بإلغاء المقاطعة العربية ولو بصورة متدرجة أمر وارد»، مشيرة إلى احتمال أن يكون الإلغاء شاملًا في المفاوضات الثنائية العربية الإسرائيلية الحالية في واشنطن.

المقاطعة العربية بين الحقيقة والأرقام

في شهر مايو 1991 انعقد المؤتمر الدوري لمكتب مقاطعة إسرائيل التابع لجامعة الدول العربية في دمشق على إثر وجود عدة دلائل بتزايد تجارة إسرائيل مع العالم العربي، إضافة إلى بروز مؤشرات أكثر حداثة تنبع من تلكؤ أطراف عربية مهمة في تطبيق نظام المقاطعة في أعقاب حرب الخليج الأخيرة، إلا أن الاجتماع انفض بعد مرحلة الجعجعة دونما طحن كما يقولون.

لا شك أن الإجراءات التي كانت تتخذها مكاتب المقاطعة العربية كان لها كبير الأثر في تحجيم صادرات إسرائيل الخارجية، وتقليص حجم الاستثمار الخارجي فيها؛ فبناء على المعلومات التي أوردها التقرير الصادر عن المنظمة اليهودية (ADL) حول المقاطعة العربية، فإن الخسائر الناجمة عن منع الصادرات الإسرائيلية بسبب قوانين المقاطعة بلغت خلال (43) سنة حوالي (20) مليارًا، كما أن إحجام الشركات الأجنبية عن الاستثمار في إسرائيل قد كلفها خسائر بلغت (16) مليار دولار؛ أي إن حجم الخسائر الكلية -منذ إقرار الجامعة العربية في عام 1951 لنظام المقاطعة العربية لإسرائيل والشركات التي تتعامل معها- بلغت (36) مليار دولار.

وإذا نظرنا إلى حجم الشركات التي تمت مقاطعتها وهي (6300) شركة موزعة على (96) دولة حسب تقارير مكتب المقاطعة العربية في عام 1976، يتبين لنا ضخامة الجهد الذي تبذله إسرائيل لكسر قوانين المقاطعة والتحايل على أنظمتها.

إن الشركات الأمريكية تشكل أكثرية واضحة بين باقي الشركات التي تمت مقاطعتها، وقد أشار التقرير الصادر عن مكتب الإحصاء بوزارة التجارة الأمريكية أن حوالي (12000) شركة وشخص يتلقون سنويًا رسائل من شركات عربية للتقيد بقوانين المقاطعة العربية، وقد كان حوالي (92%) من هذه الشركات تتقيد بقوانين المقاطعة قبل صدور بعض القوانين التي تحظر التعامل بأنظمة المقاطعة العربية، أما الشركات الأوروبية فقد كانت أكثر التزامًا وحفاظًا على تجارتها الواسعة مع الدول العربية، وخاصة خلال سنوات السبعينات وأوائل الثمانينات.

وفي عام 1976 ونظرًا للضغوط التي بذلها اللوبي الصهيوني، فقد تم تشريع العديد من القوانين التي تحظر على الشركات الأمريكية التقيد بقوانين المقاطعة العربية، بل تفرض غرامات مالية ضخمة على من لا يلتزم بذلك.

وفي شهر مارس 1991 طالب جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية السابق، الدول العربية بإنهاء مقاطعتها الاقتصادية لإسرائيل كبادرة عن حسن نيتها تجاه إسرائيل، ولفتح الطريق كحل سلمي بالمنطقة.

إن الغاية التي من أجلها تم إنشاء نظام المقاطعة العربية لإسرائيل هي لإضعاف قدراتها الاقتصادية، ودفع الشركات الأجنبية لنبذ التعامل معها، لاسيما أن العالم العربي يتمتع بأسواق واسعة، ويوفر مغريات تجارية حقيقية للشركات المتعاونة مع المقاطعة. ويبدو أن الواقع القائم يؤشر نحو فشل هذه المقاطعة من الناحية الحقيقية؛ إذ بات مؤكدًا أنها لم تؤثر على إسرائيل بالقدر الكافي لوجود تجاوزات واحتيال، ولم تعد لها المكانة الفاعلة التي حددت لها في البداية.

لقد كان السبب وراء ذلك هو أساليب الالتفاف التي استخدمتها الجهات الإسرائيلية والغربية، وعدم التزام الحكومات العربية جراء الضغوط الأمريكية بقوانين المقاطعة على نحو شامل؛ فحسب معلومات المصادر الغربية فإن التجارة السرية بين إسرائيل والعالم العربي تضاعفت خلال النصف الثاني من عقد الثمانينات الماضي، وأضافت هذه المصادر بأن نحو (10%) من صادرات إسرائيل صارت تذهب إلى الأسواق العربية عن طريق وسائل عدة؛ فالقيمة السنوية للصادرات الإسرائيلية تبلغ الآن نحو (10) مليارات دولار سنويًا، وهذا التقدير يضع ما تبيعه إسرائيل للدول العربية بحوالي مليار دولار سنويًا.

اللوبي الصهيوني: واجهة الضغط والتأثير

ظلت إسرائيل وحتى ما قبل حرب الخليج الثانية تعاني من عدم قدرتها على الاختراق للسوق العربي بالشكل الذي يسمح لها بالهيمنة والتوسع، وبقيت طاقتها الإنتاجية محلية ومحدودة الانتشار، إلا أن إسرائيل التي لم تدخر وسعًا لمكافحة المقاطعة العربية، ورصدت ما قيمته (30) مليون دولار سنويًا؛ لذلك عولت بعد تفرد الولايات المتحدة بالقيادة العالمية على مجهود اللوبي الصهيوني لكسر جدار المقاطعة العربية وفتح خروقات فيه، ليس فقط من خلال الضغط على الكونجرس لتشريع القوانين التي تحظر الالتزام بالمقاطعة العربية، ولكن أيضًا بالتأثير على البيت الأبيض للتحرك والمبادرة، فيدفع الدول العربية بإلغاء قوانين المقاطعة.

وقد أشارت -أخيرًا- بعض التقارير الصحفية بأن بعض الدول الخليجية هي بصدد اتخاذ قرارات تلغي تقيدها بقوانين المقاطعة العربية الخاصة بالشركات التي تتعامل مع إسرائيل.

ويبقى السؤال حول إمكانية «فاعلية» المقاطعة الاقتصادية الهشة في الوقت الذي توشك فيه العديد من الدول العربية إعلان اعترافها بإسرائيل في حديقة البيت الأبيض عشية توقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي بالتسليم والابتسام لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز؟

لقد استطاع اللوبي الصهيوني توظيف لحظات الضعف والهزيمة العربية لصالح تسجيل انتصارات لإسرائيل، لقد بدأت الشروخ في جدار المقاطعة عندما أخذت خريطة التحالف الغربي إبان حرب الخليج الأخيرة بالاهتراء والتمزق، ثم تصدعت تماسكات هذا الجدار بفضل المجهودات المبكرة للوبي الصهيوني الذي يتمتع ليس بالقوة والمال والسيطرة داخل مباني الكونجرس فحسب، ولكن أيضًا بالحظوة والنفوذ لدى البيت الأبيض، والرئيس بيل كلينتون ونائبه شخصيًا؛ لقد استطاع هذا اللوبي أن يجعل من إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل ورقة مهمة في أجندة الرئاسة الأمريكية.

المقاطعة وحدود الضغط الصهيوني

إن قوة اللوبي الصهيوني ليست هي العامل الحاسم في انحياز أمريكا لإسرائيل؛ فالقرار الأمريكي المعقد والمركب من عناصر إمبريالية وسياسية وثقافية واجتماعية يشتغل موضوعيًا لصالح سياسة أمريكية تقترب من إسرائيل إلى هذا الحد أو ذاك. ويعلق البروفيسور الأمريكي «م. أورفكي» على ذلك في خلاصة مناقشته موضوع الصهيونية في الولايات المتحدة بالقول: «إنه بصرف النظر عن العلاقات التاريخية والمميزة بين أمريكا وإسرائيل، فإن القادة الأمريكيين مستعدون دونما تردد لتجاوز إسرائيل من أجل بلوغ أهداف سياستهم الخارجية، إن قوة اللوبي الصهيوني ستبقى مؤثرة وفعالة في توجيه السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل ولقضايا الصراع العربي الإسرائيلي ما دام العرب متخلفين، وإن جعل أمريكا تنتهج سياسة أقل انحيازًا لإسرائيل وأكثر توازنًا وعدلًا وانفتاحًا على الحقوق العربية يكون إذا ما شعرت أو لمست الولايات المتحدة أن ميزان القوى الإقليمي بدأ يرجح إلى جانب العرب، وإن مصالحها يتهددها الخطر والتدمير فوق الأرض العربية».

إن نجاح اللوبي الصهيوني داخل أروقة الكونجرس الأمريكي وعمله على تقييد أنظمة المقاطعة العربية لإسرائيل بسلسلة من القوانين والتشريعات المضادة والمناهضة، قد مهد الطريق لإسرائيل لأن تبدأ عصر الاختراق للاقتصاديات العربية، وأن تشرع في التوسع والمنافسة لنهب الثروات العربية، وهذه كلها إرهاصات على قدوم الزمن الإسرائيلي في العلو والإفساد، وحتى يتسنى لهذه الأمة العربية الإسلامية أن تجد لها أبعادًا عقائدية حضارية تعزز من مقاطعتها لإسرائيل، تبقى فرصة العربدة والتمكين الإسرائيلي قائمة في العرب والمسلمين.

الرابط المختصر :