; علماء.. حصون شريعة وأعلام هداية | مجلة المجتمع

العنوان علماء.. حصون شريعة وأعلام هداية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001

مشاهدات 61

نشر في العدد 1467

نشر في الصفحة 45

السبت 08-سبتمبر-2001

كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عند اختياره لولاته يردد عبارته المأثورة: «أريد رجلًا إذا كان في القوم وليس أميرًا عليهم بدا وكأنه أمير، وإذا كان فيهم وهو عليهم أمير بدا وكأنه واحد منهم لا يميز نفسه على الناس في ملبسه ولا في مطعمه، ولا في مسكنه يقيم فيهم الصلاة، ويقسم بينهم بالحق، ويحكم فيهم بالعدل، ولا يغلق بابه دون حوائجهم».

 وبهذه المقاييس الدقيقة الصارمة اختار «عمير بن سعد» ليكون واليًا على حمص، وحاول عمير الاعتذار ولكن الخليفة رد له كل اعتذار فخضع عمير للأمر، وتوكل على الله وتوجه إلى حمص. ومضى عام كامل لم يصل منه إلى المدينة خراج، فقال أمير المؤمنين لكاتبه: «اكتب إلى عمير ليأتي إلينا».

وذات يوم قدم إلى المدينة، رجل أشعث أغبر على كتفه اليمنى جراب وقصعة، وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء، وبيده عصا يتوكأ عليها. هذا هو عمير بن سعد والي حمص، ودخل على عمر في خطى وئيدة، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فرد عمر عليه السلام وقد آلمه ما رأى من حالته تلك، وما هو فيه من جهد وإعياء

ثم جرى بينهما الحوار، فقال عمر ما شأنك يا عمير؟ قال عمير شأني ما ترى ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم معي الدنيا أجرها بقرنيها؟

 قال عمر وما معك؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها. وأجاهد بها عدوًّا إن عرض لي.

 فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي.

فقال له عمر أجئت ماشيًا؟ قال: نعم، قال عمر أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟ قال: إنهم لم يفعلوا، وإني لم أسألهم. 

فقال عمر: فماذا عملت فيما عهدنا إليك به؟

قال: أتيت البلد الذي بعثتني إليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم، حتى إذا جمعوها وضعوها في مواضعها، ولو بقي شيء منها لأتيتك به.

فقال عمر: ما جئتنا بشيء؟ قال: لا، فصاح عمر جددوا لعمير ولايته فأجاب عمير تلك أيام قد خلت، لا عملت لك ولا لأحد بعدك.

وكان عمر بن الخطاب يقول وددت لو أن لي رجالًا مثل عمير أستعين بهم على أعمال المسلمين.

 رجال تحسبهم أساطير، ولكنهم حقائق تذهلك وتذهب بلبك، وتدلل على أن صرح الإسلام بني أعلامًا ورجالًا جسدوا تعاليمه لتدب فيها الحياة وتقود الدنيا وتفتح القلوب والمدائن، ولهذا كان فتح الإسلام فتح مثل ورحمة وعدالة لا فتح سيف وقهر وجباية. 

ثم قضيت فترة ذهب فيها عمر، وولى عهد الخلافة الراشدة، ووسد الأمر إلى ولاة تجاوزوا الحدود وداخلتهم الشهوات واقترفوا المظالم، فبرز علماء الشريعة ليقولوا الحق ويدافعوا عنه لا يخافون في الله لومة لائم، فقد دانت الدنيا للخليفة أبي جعفر المنصور، ولكنه- وفي سبيل تثبيت الخلافة العباسية- كانت له تجاوزات كثيرة، وفي هذه السطوة ووسط هذا المجد الدنيوي تذكر صديقه القديم قبل الخلافة «عمرو بن عبيد» عالم البصرة، ورأس متكلميها، فحن إلى مجلسه وصراحته ورجولته وكان عمرو بن له هيبة كبيرة بين الناس، حتى قال عنه الحسن البصري «عمرو ما عمرو؟ رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته. إن أمر بشيء كان ألزم الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهرًا أشبه بباطن ولا باطنًا أشبه بظاهر منه»...

 أرسل إليه أبو جعفر المنصور يرجوه الحضور، وتردد عمرو في تلبية دعوة المنصور ولكنه رأى أن الواجب يقضي عليه أن يسمع الخليفة ما يحب أن يسمعه إياه، وعلم الخليفة بقدوم عمرو، فانتقل من قصره إلى حجرة متواضعة وجلس على حصير وعانقه وقبله ثم رفع عينيه في انكسار وقال: عظني يا أباعثمان، فنظر إليه عمرو نظرة تدل على عدم الرضا، وقال ﴿ أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ  ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَاد﴾ِ (الفجر: 6-14). وكرر الآية الأخيرة، ففهم الخليفة ما يعني وملكته رعشة، وتساقطت من عينيه الدموع، ثم قال عمرو: « إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذرك ليلة تتمخض صبيحاتها عن يوم القيامة يا أمير المؤمنين». 

فقال له أحد الحاشية- سليمان بن مجاهد رفقًا بأمير المؤمنين، فقد أتعبته، فضحك عمرو بن عبيد وقال ويلك يا بن مجاهد، خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصحه يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلمًا لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله فأنت ميت وحدك، ومحاسب وحدك ومبعوث وحدك، ولن يغني عنك هؤلاء من ربك شيئًا. وختم المنصور مجلسه بأن سأله هل له من حاجة؟ قال: نعم، هي ألا تبعث إلي حتى أتيك، فقال المنصور: إذن لا نلتقي قال هذا طلبي ونهض قائمًا فودعه الخليفة والتفت إلى من حوله يخاطب المنتفعين من الحاشية قائلًا: كلكم يمشي رويد، كلكم يطلب صيد- غير عمرو بن عبيد.

فيا ترى هل يسمع العلماء ذلك ويتقون الله ويقولون الحق ويكونون حصونًا للشريعة أم ينزلون إلى الماء العكر يطلبون الصيد النتن والسحت العفن، ويتمرغون لأجله في الأوحال؟ ولو عظموا علمهم في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه في الأوحال حتى تجهما، نسأل الله السلامة ... آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

563

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

466

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28