العنوان علم الدعوة وقائد مسيرة الخير .. آخر قبلة على جبين رجل !!
الكاتب د. سامي محمد العدواني
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 28
السبت 09-سبتمبر-2006
تلك هي شفتي التي طبعت بها قبلة على جبين الجسد المسجى في غرفة محتشدة بالمحبين والمكلومين على فراق العم الغالي «العزيز عبد الله العلي المطوع» وبعد أن التصقت بالشيخ الكريم أحمد القطان، وسمعته يردد وهو يتأمل ملامحه ويقول: «طبت حيًا وميتًا». فما وسعني إلا أن أردد ما قاله الشيخ، وأطيل تقبيله. وأنا أستجمع مشاعري وألم عبراتي حتى لا تخنقني في هذه اللحظات التي لن تتكرر في الدنيا، وأسأل الله أن يجمعني به في الآخرة في ظل عرشه ومستقر رحمته.
وكم اختزلت في هذا التعبير، وأنا أمسح بأطراف أصابعي على وجهه الزكي الطاهر المبارك. اختزلت عرفنا لهذا المسجى تلك المسيرة العطرة الحافلة بالأحداث، والحاشدة بالمواقف، تقديرًا حملني على أن أودع هذا المشهد وأنا أزاحم أفواج الداخلين المودعين على فراشه في غرفة المستشفى الذي نقل منه لمثواه الأخير. وبقيت أبحث من بين الحاضرين عن خبر ومعلومة أو كلمات ختم بها لحظاته الأخيرة، فلعل فيها حكمة أو عبرة ومما أثلج صدري أني علمت أنه قد ودعنا وهو في أوج عطائه، وما لانه مرض وأرهقه تعب ولم تنخر فيه عزيمة، بقي هذه الثمانين من عمره جلدًا على متاعب الحياة وعصيًا على أمراضها يداوي ما ينتابه بصلاة الفجر والمشي بعد صلاة الشروق ومدارسة القرآن كل يوم.
ودعنا كما تودع الأشجار والنخيل الحياة، واقفة في أوج نضرتها وعطائها. مات واقفًا حين عاش الآخرون منبطحين حياتهم كلها. معتزًا بانتمائه وهويته حين تخاذل الكثيرون عن التعبير عن مبادئهم وثوابتهم. هكذا كانت حياته. رحمه الله. وهكذا تتلمذ على موائد جامعته «الإخوان» على مدى عشرات السنين.
كلما حانت لي في حياتي فرصة جمعتني به، ولو للحظات قليلة، سمعت منه كلمات دافئة وعبارات حانية تشجعني على الثبات على هذا الدرب وبذل الوسع في العمل لخدمة هذا الدين، وكثيرًا ما كان يكثر عليَّ ثناؤه وإطراؤه لا لتفوق يلمسه فيَّ بقدر ما يحرص على تحفيزي ودفعي للمزيد. كان قائدًا في إثارته لحماس الآخرين. يستلهم ذلك من وقود يدفعه لآخر لحظة في أنفاسه وحياته، وقود صاغه الإمام الشهيد حسن البنا بسمو خلقه ودماثة طبعه. وأورث هذا الالتزام لعقبه وأجيال دعوته الذين غدا يعزي بعضهم بعضًا. كان الرثاء في بيت كل أخ منهم واجتمعوا في يوم تشييعه مع أجناس الناس وألوان الأفكار ليفارقوا ذلك الشهم في عطائه والرجل في مواقفه، والأديب في قلمه، والإنسان في عطفه وتواضعه والقدوة في إيمانه وإخلاصه لفكرته.
ودعنا العم بو بدر والحركة الإسلامية في الكويت في قمة عطائها ونضج قرارها وفارقنا وهي تعج بالقيادات والرموز الحركية التي تمنح العمل رصيدًا وحراكًا. يتواصل لسنوات. بتوفيق الله. غادرنا بوبدر ومؤسسات الحركة الإسلامية غدت من أكثر الوجهات المجتمعية وجودًا وتأصيلًا وحيوية.
وكانت يده طولي في كل هذه المسارات حيث نقل الحركة الإسلامية من حالة النخبة إلى الحالة العامة، فنالت ببركة خيره وجهده كل بيت في الكويت، وعم نفعها المسلمين في أنحاء واسعة من الأرض. اللهم ارحم ميتنا واطو عنا ألم فراقه وعوضنا به خيرًا برحمتك يا أرحم الراحمين.