العنوان علم الدعوة. وقائد مسيرة الخير. هكذا يعيش الكبار فلنتعلم منهم الحياة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 54
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 20
السبت 09-سبتمبر-2006
أعظم الله أجر الأمة بفقيدها الكريم عبد الله العلي المطوع العم بو بدر
قصيرة تلك الحياة على طولها، وما أقصر أعمارنا فيها إذا عدت بالأيام والساعات. وما أطولها إذا عدت هذه الأعمار بما فيها من أعمال.
تلقيت نبأ وفاة العم بو بدر ببالغ الحزن والأسى غير أنه قضاء الله وقدره الذي لا راد لفضله ولا معقب لقضائه ولأمره وكان لزامًا عليّ أن أكتب هذه الكلمات. أسأل الله تعالى بحلمه وكرمه وجميل عطائه ومنه أن تكون شهادة تنفع فقيدنا كما في الحديث ، أنتم شهداء الله على الناس.
عرفته كبيرًا، وعرفته كريمًا كبيرًا يحمل هم الأمة، وهكذا الكبار دائمًا يعيشون كبارًا بل يموتون بأجسادهم وتبقى أعمالهم شاهدة على جهادهم وصبرهم، يموتون وتظل صحائف أعمالهم مفتوحة لما يسطر فيها من أعمال حسنة ففي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وهكذا نحسبه. فلم يترك بابًا لنصرة دين الله إلا وكان سباقًا إليه، ولقد كان غدوه ورواحه في طاعة الله عز وجل. كما قالﷺ: كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، كان كبيرًا في عبادته، يبدأ يومه من قبل صلاة الفجر في تهجد لله رب العالمين، ويظل هكذا في طاعة إلى ما بعد صلاة الفجر. حيث حلقة القرآن التي ما غاب عنها، والتي ستفقده قارئًا مرتلًا ومنصتًا وكأنه كان يشعر بحف الملائكة وبنزول السكينة وبالرحمة التي تغشى المجلس فحافظ عليها صغيرًا وكبيرًا.
عرفته كبيرًا من حمله لهموم الأمة ومع ذلك فلم تفارقه الابتسامة، ولم يتنح عن طريقه التفاؤل ولا البشر، وكأن تفاؤله كان يصارع همومه ومشاكله فيحلها بفضل الله. بحكمة وأناة.
تفاؤل رغم الهموم
كان يزرع الأمل في قلوب محبيه، ويدفع عنهم الهم إن رآه في أعينهم، يكون أحدنا متعبًا من هزات الباطل. فإذا ما التقى به ورأى البشر في محياه زال عنه النصب وعاد إليه الأمل، وجدد حياته ليبدأ من جديد بحيوية ونشاط. هكذا هم الكبار. تفتقدهم الأرض، وترحب بهم السماء، والله جل وعلا لا ينزع الخير انتزاعًا، ولكن يقبضه بقبض أهل الخير الكرماء، فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
أذكر له-رحمه الله-مقولات حق أن تسطر بماء الذهب، فقد كانت دروسًا ومنهاجًا للدعاة إلى الله عز وجل، كان يقول دائمًا عندما ألتقي به: «اعلم أنه من ملك زمام التغافر. فقد ملك زمام الأمور».
كان-رحمه الله-يجسد هذه المقولة في حياته كلها، بل كان يخص بجميل العفو من يتعرض له بالإيذاء ممتثلًا لقول النبي ﷺ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، فعاش هذا المعنى سلوكًا وواقعًا في حياته كلها التي عرفناه فيها وقل من يقوم بهذا الأمر
وهكذا كان. فلم يترك -رحمه الله- بابًا للخير إلا وكان سباقًا ومؤسسًا، فكان من جميل أعماله التي نسأل الله أن تكون في صحيفة حسناته الهيئة التأسيسية لرابطة العالم الإسلامي، وكانت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وكانت جمعية الإرشاد الإسلامية، ومن بعدها كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي، وهكذا كان عالميًا بكل ما تحمل الكلمة من معان. كان قائدًا في كل ميدان.
ففي ميدان الاقتصاد كان يعتبر الرجل الأول، بل المؤسس للعمل التجاري البعيد عن الأعمال الربوية، منذ الخمسينيات عندما كان الحديث عن الربا شيئًا غريبًا في المجتمع، فكان علمًا في الاقتصاد.
وكان علمًا سياسيًا، فما من واقعة سياسية تهم الأمة إلا وجدناه سباقًا ومقدامًا على مستوى العالم الإسلامي والعربي والإقليمي، شعاره: «كن حلًا ولا تكن كلًا»
«انخراطي في العمل الخيري ليس منة مني أو فضلًا. وإنما هو واجب شرعي. فالعمل الخيري جزء من تكوين المسلم وثقافته الإسلامية. بل هو عبادة من أعظم العبادات»
لا يخشى في الله لومة لائم فعندما كان الناس كلهم يهتفون بحياة عبد الناصر والنهج القومي أعلنها جلية «إسلامية». ويتحدث الجميع أنه لما حلت المحنة في «حماة» عرض نفسه وماله للخطر من أجل الدفاع عن المسلمين وإظهار الحق لهم، وهم يومئذ تستباح دماؤهم وحرماتهم، فكان رمزًا سياسيًا عربيًا وإقليميًا.
وهكذا كان. فما من مأساة في العالم الإسلامي إلا وجدناه مؤثرًا فيها. جادًا مجتهدًا، واضعًا حلولًا واقعية متميزة، وهكذا كان رمزًا سياسيًا على المستوى المحلي، فما من مشكلة سياسية تلم بالكويت إلا ويسأل الناس: ماذا يقول العم بو بدر؟ وعندما نزل بالكويت ما نزل رأيناه محورًا مهمًا في تحريرها بتوصياته لإخوانه في الداخل، وبتحركاته بين قادة العالم الإسلامي في الخارج، أو بدوره المشرف في مؤتمر «جدة»، الذي جمع أهل الكويت على الشريعة.
رمزًا إعلاميًا وثقافيًا
وهكذا كان رمزًا إعلاميًا، فلما لم تكن هناك وسيلة إسلامية صحفية كانت مجلة المجتمع التي كان عنوانها «مجلة كل مسلم»، فكانت تتلقاها مجاميع الناس في العالم. فأحدثت دويًا على المستوى العالمي عرفناه من خلالها. راعيًا وكاتبًا لافتتاحيتها، التي كانت تعد منهجًا تربويًا نافعًا.
نعم سيفتقده الإعلام كعلم بارع قلما قرأ الناس لمثله، وحينما كانت تجد مشكلة اجتماعية أو سياسية على مستوى العالم الإسلامي كان صحفيونا ينتظرون بتلهف: ماذا سيقول العم بو بدر.
وهكذا كان علمًا اجتماعيًا بكل المعاني، ويكفي الدور الإصلاحي الاجتماعي الذي كانت تقوم به جمعية الإرشاد الإسلامية، وكذلك الذي تقوم به الآن جمعية الإصلاح الاجتماعي، ونراه وعى -منذ الخمسينيات- أهمية العمل المؤسسي، والابتعاد عن الارتجالية في الأداء، وهكذا كان في حياته كلها. مدركًا لأهمية العمل المؤسسي الذي يجمع فيه عناصر الخير لصناعة الخير.
وهكذا كان رمزًا ثقافيًا، بمقولاته الفكرية والحركية التي كان يتلقاها الشباب ليجعلوا منها دروسًا ومناهج يتدارسونها، كان رمزًا ثقافيًا حينما تبنى المطبوعات الإسلامية الفكرية التي كان يحتاجها العالم الإسلامي.
وهكذا كان بدرًا يضيء حياتنا. تشعر معه ببهجة الحياة وجديتها، فمن سيسألني ويوصي بأهلي خيرًا؟ إنه العم أبو بدر، خال زوجتي التي كان يداعبها حينما يتصل بها قائلًا: أرجو ألا يكون الشيخ قد أذاك بكثرة انشغاله.
وهكذا كان. حينما أراه أتذكر أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- الذي كان يجمع وجوه الخير ففي الحديث أن النبي ﷺ جلس مع أصحابه يومًا فقال: «من أصبح اليوم منكم صائمًا؟» فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من تصدق اليوم على مسكين؟»، فقال أبو بكر: أنا، قال: «من تبع اليوم منكم جنازة؟»، فقال أبو بكر: أنا، قال: «من عاد اليوم منكم مريضًا؟» فقال أبو بكر: أنا، فقال : «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».
وهكذا كان رمزًا في عائلته الكريمة «القناعات»، كان مرجعًا في كل اجتماع يجتمعون فيه من أجل صلة الرحم، أو دعوة خير. وقد سبقه رجال كبار صنعوا الخير في بلدهم الكويت.
ومن البشريات أنه قد رآهم قبل وفاته -يرحمه الله- في منامه في رؤيا عجيبة. حيث رأى الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، والشيخ عبد العزيز العلي المطوع مؤسس جمعية الإرشاد والاقتصادي الكبير يرحمه الله. رآهم على ساحل نهر أبيض، وفي طرفه قصر مشيد. فقال السابقون من أرحامه تقدم يا عبد الله، فهذا قصرك ينتظرك، وكان هذا قبل أيام من وفاته وكانت بشرى خير.
وهكذا كان لا يرد دعوة داع للخير صغيرًا أو كبيرًا أو شابًا، كان سباقًا لكل أمر يتشرف الجميع عند حضوره، بل ويزدادون همة عند رؤيته سنه فوق السبعين وعطاؤه في الثلاثين ما سألته يومًا إلا قال: بخير والحمد لله، «أشعر بأني شاب أعطي أكثر من أي شاب». «أنا بخير والحمد لله» كلمة يرددها في اليوم عشرات المرات.
تطبيق شرع الله
وهكذا كان حلمه أن يرى الكويت ترفل بحكم الشريعة والعفة والطهارة. عمل طيلة حياته على أن يبرمج هذا العلم بعمل دؤوب في كل الميادين على كتاب الله وسنة حبيبه ومصطفاه، فكان حلمه حلم الكبار، وعمله عمل العماليق الذين لا يعرفون تعبًا ولا جهدًا.
فمن للأيتام الكبار من أبناء الصحوة؟ فنحن منذ الستينات قد تلقينا أصول الدعوة ومعالمها في عامي ٦٦/١٩٦٧م. وتكونت طلائع الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وكان العم بو بدر بالنسبة لنا القائد في التوجيه والشيخ في التربية الروحية، والعالم في التربية الفكرية والثقافية، والمربي في التكوين السلوكي. فكان كل شيء بالنسبة لنا. كنا صغارًا في بداية البلوغ أو قبل البلوغ وكنا أيتامًا في دائرة الدعوة، فكان هو الحاني علينا وقد فقدناه فنحن الأيتام الكبار نحتاج لمن يمسح رؤوسنا.
وسلوانا إنه ذهب إلى ربه وهو يردد: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه:84) فارض اللهم عنه، وعن المحبين له فيك يارب العالمين.
ونسأل الله العظيم بحلمه وكرمه أن يتغمده برحمته، وأن يشمله بجميل عفوه وأن يغمره بواسع فضله ومغفرته.
وأخيرًا. إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا عماه لمحزونون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل