; من الحياة.. على درب الصابرين(2) - أيوب عليه السلام والمحن الأربع | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. على درب الصابرين(2) - أيوب عليه السلام والمحن الأربع

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009

مشاهدات 61

نشر في العدد 1856

نشر في الصفحة 54

السبت 13-يونيو-2009

قصة ابتلاء أيوب وصبره مشهورة معروفة، وقد بلغت من شهرتها أن يضرب بها المثل في الابتلاء والصبر الجميل، وتفضل الرحمن على عباده – بعد الابتلاء – بالإنعام والإفضال والإكرام.

وتذكر كتب التفسير أن الله تبارك وتعالى قد ابتلى أيوب عليه السلام بأربع محن، في صحته، وفي ولده، وماله، وزوجه.

أولًا: ابتلاء أيوب عليه السلام

ابتلي أيوب في صحته، حيث أصابته الأمراض والأسقام، فلم يعد قادرا على السير ولم يستطع أيوب عليه السلام كسب الرزق اللازم لتدبير أموره الحياتية ومن يعول وقد ابتلي في ماله فذهب كله، فأصبح فقيرا يحتاج إلى مساعدة الناس بعد أن كان غنيا يساعدهم، وابتلي أيوب –عليه السلام– في أولاده، فماتوا جميعا في حياته، في لحظات كان في أشد الحاجة إليهم، فالأب المريض يحتاج إلى سند ، وأقرب سند إليه – بعد الله سبحانه وتعالى – هم أولاده، كما أن الأولاد هم فلذات الأكباد وحبهم في قلوب الآباء راسخ، فهم امتداد لحياة آبائهم، وبأولادنا نحقق وجودنا.

كما ابتلي أيوب عليه السلام في زوجته والمخلصين له الأوفياء، حيث يذكر المفسرين أن الشيطان وسوس لزوجته والأوفياء له بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه، وكانوا يحدثونه بهذا، فيؤذيه ذلك في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء، فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عددا محدودا من الضربات وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومن مداخله إلى نفوس الأوفياء له، ومنهم زوجته.

وقد سجل القرآن الكريم محن أيوب عليه السلام، وانفراج هذه المحن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)﴾ (ص:41- 44)

لقد شكا أيوب إلى ربه ما وقع به من إيذاء الشيطان، قائلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، فلما لجأ إلى ربه بصدق بعد صبره الجميل أدركه سبحانه وتعالى برحمته الواسعة، ورفع عنه البلاء على النحو التالي: 1 – لرفع بلاء المرض والجسد أمر الله أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض بقدمه فتفجرت عين ماء باردة، فأمره الله تعالى أن يغتسل منها ويشرب كدواء وعلاج فيشفى ويبرأ، وفعل أيوب عليه السلام، فشفاه الله من أمراضه بإذنه ورحمته، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾

٢ – أما عن رفع الابتلاء بموت الأولاد فقد رزق الله عز وجل أيوب عليه السلام بغيرهم رحمة من الله عز وجل وإنعاما نتيجة صبره على الابتلاء، ورضائه بقدر الله تعالى، وفي ذلك عبرة لذوي العقول، كي يعتبروا من قصة أيوب، ويتأسوا به في صبره ومرضاته، وفي ذلك يقول رب العزة سبحانه: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

٣-ورفع الله تعالى بلاء أيوب في ماله حيث شفاه الله تعالى، وألبسه ثوب الصحة والعافية، فاستطاع أن يعمل، وأن يكسب رزقه ومن ثم عاد المال يجري في يد أيوب عليه السلام، فينفق منه على نفسه وفي أوجه الخير كما كان قبل الابتلاء.

٤ – أما زوجته التي آذته نتيجة وسوسة الشيطان، وأقسم ليضربنها، فقد أصلحها له ربه سبحانه برحمته، وهذا من قبيل الإنعام والغفران، رحمة من الله بها لصبرها على بلائه وبلائها به وقيامها على خدمته في مرضه، وكذلك رحمة بأيوب عليه السلام. أما قسم أيوب ليضربنها عددًا محددًا تأديبًا لها وتقويمًا، فمن باب تيسير الله عليها، ومن باب بر القسم – أيضا – فقد أمر الله تعالى أيوب عليه السلام – كما يقول المفسرون – أن يأخذ مجموعة من العيدان بالعدد الذي حدده، فيضربها به ضربة واحدة، لتجزئ عن يمينه وتبر بقسمه، حتى لا يحنث في اليمين وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾

لقد كان هذا التيسير والإنعام جزاء من الرحمن، على ما علمه من عبده ونبيه أيوب عليه السلام من الصبر على البلاء، وحسن الطاعة والالتجاء، والرضا بالقضاء، وإحسان الدعاء.

هكذا أثبت القرآن الكريم: ﴿وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

إن قصة ابتلاء أيوب عليه السلام لهي من أروع قصص الصبر على الابتلاء، وقد ذكرها القرآن الكريم إجمالًا دون تفصيل، من ذلك ما أوردته سلفًا من آيات سورة «ص»، كما ذكرت قصة ابتلاء أيوب عليه السلام وصبره ورفع الضر عنه إجمالًا وإيجازًا في سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:٨٣،٨٤).

لقد أثمرت محن أيوب عليه السلام ثمارًا عظيمة، عادت عليه بالخير وعلى أهله، كما أن في قصته وصبره وكشف ضره عظات وعبرا تجب الإشارة إليها.

ثانيًا : ثمرات محن أيوب عليه السلام

1 – معافاة أيوب عليه السلام وشفاء الله له، إذ أمره أن يركض برجله المريضة الضعيفة التي لا تكاد تتحرك، فحركها بقدرة الله تعالى ورعايته، وضرب بها الأرض ضربة خفيفة مطيعا أمر ربه، فإذا بهذه الضربة الضعيفة الخفيفة تفجر الماء بإذن الله، فأمره ربه عز وجل أن يشرب من هذا الماء ويغتسل، ليكون له شرابا وغذاء ودواء، فكان الشفاء بإذن رب العالمين وصدق رب العزة سبحانه : ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾(الشعراء:8٠)، فليت الناس جميعا – وخاصة من ابتلي بالمرض –يصبرون ويتأسون بأيوب في صبره ورضاه ودعائه وحسن توكله على ربه.

٢ – عوض الله تعالى أيوب عليه السلام عن فقدان أولاده، حيث ألبسه ثوب الصحة والعافية، وأعطاه القوة والقدرة على الإنجاب ومن ثم رزقه الولد بعد هذا المرض الذي أقعده طويلًا، الله ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾

٣-أعاد الله عز وجل المال إلى أيوب عليه السلام.

٤-أصلح الله تبارك و تعالى لأيوب عليه السلام زوجه، فعاشت معه حياة اليسر بعد العسر، وحياة الفرج بعد الشدة.

٥ – أثاب الله عز وجل أيوب على رضاه وصبره، فبالإضافة إلى أنه أعاد إليه ما فقده. فقد كتب له الأجر العظيم، كما خلد ذكره في القرآن الكريم.

٦ – كان صبر أيوب عليه السلام ورضاؤه وثمرات صبره نورًا يضيء للمبتلين طريقهم ويدعوهم إلى السير على جادة الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله تعالى، والتعبد بالدعاء – وهو مخ العبادة – حتى يفرج الله الكرب، ويزيل الهم والغم.

ثالثًا: العظات والعبر

في قصص الأنبياء عبرة ودروس ينبغي لكل عاقل أن يعقلها، ويتعلمها، ويستوعبها ويعمل بها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).

ومن أهم العظات والعبر والدروس المستفادة من صبر أيوب ما يلي:

١ – إن الله إذا أحب عبده ابتلاه، فقد جاء في الحديث: إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط  «رواه الترمذي وقال: حديث حسن».

٣–للدعاء آداب، وقد تجلت هذه الآداب لدى أيوب في دعائه ربه، يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله أني مسني الضر. ووصف ربه بصفته وأنت أرحم الراحمين ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبرًا على بلائه ولا يقترح شيئًا على ربه، تأدبًا معه وتوقيرًا فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار.

بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله لله، اطمئنانا إلى علمه بالحال، وغناه عن السؤال، وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة، وبذلك الأدب، كانت الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية الابتلاء: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾

٤ – كل نعمة هي رحمة من عند الله ومنة وكذلك كل محنة، لأن المحنة تذكر الإنسان بآلاء ربه عليه، فمن أصيب في جسده أدرك نعمة الصحة، ومن أصيب في ماله أدرك فضل الله عليه في المال... وهكذا، أما إذا ظل الإنسان يتمرغ في نعم الله فقد ينسى نعم الله عليه، لأنه ألفها، فصار لا يدرك قيمتها، وفي ذلك عبرة وذكرى للعابدين والعاقلين.

٥– الرضاء بقضاء الله تعالى وقدره هو حصن الأمان، والطريق إلى سكينة النفس والصحة النفسية لأن الرضا يملأ قلب المؤمن أمنًا وأمانًا ويجعله يحسن الثقة بريه، فيعيش سعيدًا، ويفارق الحياة وهو يحسن الظن بربه، أما من يسخط من قدر الله – فإنه يعيش حياة البؤس والشقاء، وينتظر الموت مثل وقوعه ويغادر الحياة مضطربًا يملأ قلبه اليأس والفزع والقنوط.

 يقول الشيخ محمد الغزالي  –رحمه الله– في كتاب «خلق المسلم» عن الصبر: «والصبر من معالم العظمة وشارات الكمال، ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها، ولذلك كان الصبور من أسماء الله الحسنى، فهو يتمهل ولا يتعجل، ويبطئ بالعقاب إن أسرع الناس بالجريمة، ويرسل أقداره لتعمل عملها على اتساع القرون، لا على ضيق الأعمار، وفي نطاق الزمن الرحب لا في حدود الرغبات الفاترة، والمشاعر الثائرة والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة القارعة، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله لم يستأجر أطفالًا أو مرضى أو خوارين، إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة والمناكب الشداد كذلك الحياة – الحياة.. لا ينهض برسالتها الكبرى إلا رجال عمالقة صابرون».

 إن عظمة الصبر والاعتداد هي التي أوحت لقائد أمريكي كبير أن يقول: «لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأل الله أن يقوي ظهرك»!!

فأعلم – أيها القارئ الكريم – أن الصبر على الشدائد يثمر الفوائد، وفي ذلك يقول الشاعر:

 تصبر أيها العبد اللبيب                  لعلك بعد صبرك ما تخيب

 وكل الحادثات إذا تناهت                يكون وراءها فرج قريب

------------------------------------

المراجع

1 – سيد قطب في ظلال القرآن، (ج ٤، ٥).

 ٢– محمد الغزالي خلق المسلم الإسكندرية دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م.

٣–محمد عبد القادر أبو فارس الابتلاء والمحن وأثره في الدعوات القاهرة دار التوزيع والنشر الإسلامية، دون تاريخ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

127

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 31

121

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (31)

نشر في العدد 367

118

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الأسرة (367)