العنوان على ضوء إعلان استقلال لتوانيا: وجهان للبيروسترويكا
الكاتب محمد إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1990
مشاهدات 83
نشر في العدد 961
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 03-أبريل-1990
- دعمت أمريكا اقتحام الجيش السوفياتي لباكو، ولكنها طالبت باحترام
القرار الليتواني بالانفصال.
- تجاهل زعيم الحركة القومية الليتوانية إنذار غورباتشوف، ففتح باب
الانفصال أمام جمهوريات سوفياتية أخرى.
- غورباتشوف في معركة التحدي مع لتوانيا.
- اللتوانيون متحمسون للاستقلال عن موسكو.
- رئيس الحركة القومية الليتوانية فينوتاس لندسبرجيس وتجاهل تحذيرات
موسكو.
إعلان ليتوانيا إحدى جمهوريات
البلطيق عن استقلالها الذي صادف انعقاد البرلمان السوفياتي في موسكو اصبح مشكلة
الاتحاد السوفياتي الأولى، والشغل الشاغل له في الأيام الماضية، وبات الجميع
يتطلعون إلى هذه الجمهورية، وما يمكن أن يحدث فيها بعد ذلك الإعلان التاريخي الخطير
كرد فعل من القيادة السوفياتية ومن رئيس الدولة غورباتشوف بالذات، ولكن اللافت
للانتباه أن الرئيس السوفياتي تعامل حتى الآن بهدوء ودبلوماسية مع القرار
الليتواني، وهو الذي سير الجيش السوفياتي ودباباته إلى أذربيجان منذ أقل من شهرين،
فهل يعني ذلك أن البيرويسترويكا تتعامل بوجه مع المسلمين السوفيات، وبوجه آخر مختلف
مع غيرهم من الشعوب المكونة للاتحاد السوفياتي؟
انفصال وحوار
إعلان ليتوانيا انفصالها عن الاتحاد
السوفياتي هو الكارثة بعينها بالنسبة لغورباتشوف إذا لم يقع التراجع عنه، ولكن
الليتوانيين ماضون قدمًا في تنفيذه، وقد شرعوا في اتخاذ العديد من الإجراءات
الاستقلالية كتغيير كافة الوثائق الرسمية لتحمل اسم «جمهورية ليتوانيا» بدل
«جمهورية ليتوانيا السوفياتية»، وقد انتزعوا المنجل والمطرقة اللذين تعلوهما
النجمة الحمراء من فوق البنايات الرسمية، ووضعوا العلم الليتواني بدلهما، وهو
العلم القديم الذي يذكر باستقلال ليتوانيا ما بين عام 1918 و1940 قبل أن تضم إلى
الاتحاد السوفياتي، كذلك هنالك إجراءات حثيثة استعداد لسك عملة محلية خاصة بدل
الروبل.
وبعد مضي أكثر من عشرة أيام عن ذلك
الإعلان التاريخي باستقلال ليتوانيا لم تفعل القيادة السوفياتية بزعامة غورباتشوف
سوى الإعراب عن الانزعاج والقلق ودعوة الليتوانيين إلى مراجعة قرارهم، وتحذير
استونيا ولاتفيا من اقتفاء أثر ليتوانيا على الطريق الذي يصفونه بأنه مسدود.
لقد كرر المسؤولون السوفيات وفي
مقدمتهم الرئيس غورباتشوف الاتحاد السوفياتي لن يلجأ إلى القوة لحل هذه المشكلة
على خطورتها، ورغم أنها تهدد كيانه الفسيفسائي، وكأن غورباتشوف يعول في ذلك على
إدراك الليتوانيين لمخاطر خطوتهم الانفصالية من ناحية، وعلى تلويحه بالعقوبات
الاقتصادية التي يمكن أن يسلطها على ليتوانيا ليجعلها تتراجع عما أقدمت عليه.
لقد أبلغ يوغور ليغاتشيف عضو المكتب
السياسي للحزب الشيوعي الصحفيين أن الكرملين سيتعامل المشكلة بطريقة سلمية وقال:
«لن نستخدم القوة» أما التلويح بالعقوبات فقد جاء على لسان جورجي شاخانزروف، وهو
من مساعدي غور باتشوف المقربين إذ قال: «إذا كان لإحدى الجمهوريات أن تترك الاتحاد
فلا بد أن يتم ذلك على أساس القانون والاتفاقيات والوسائل السياسية، وليس على أساس
العاطفة والاندفاع غير المحسوب» أما يوري ماسيلوكوف عضو المكتب السياسي للحزب
الشيوعي السوفياتي فكان أكثر وضوحًا في تحذيره إذ قال: «إنه يتعين على ليتوانيا أن
تدفع في حال انشقاقها عن الاتحاد السوفياتي (8,8) مليار دولار كتعويضات عن المرافق
الأساسية المملوكة لاتحاد الجمهوريات السوفياتية في جمهورية ليتوانيا»، كما أضاف
أنه في هذه الحالة سيتم التبادل التجاري بين ليتوانيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي
على أساس الأسعار العالمية، مما يعني أن على ليتوانيا أن تدفع ثلاثة أضعاف الأسعار
الحالية لوارداتها من الاتحاد السوفياتي إذا ما أصرت على الانفصال.
لكن عدوى الانفصال كانت أقوى من
تحذيرات غورباتشوف وحتى تهديداته ففي 16/3/90 طالبت جورجيا ببدء مفاوضات مع
الحكومة السوفياتية من أجل الاستقلال وتشكيل حكومة مستقلة، وأعلنت أن اتحاد
الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية مع جورجيا في عام 1922 باطل، ومنذ أيام قليلة
وبعد مضي حوالي أسبوعين فقط على إعلان ليتوانيا عن انفصالها جاء دور استونيا لتكون
الجمهورية السوفياتية الثانية التي تعلن استقلالها.
فشل غورباتشوف ولكن!
لقد تحدى رئيس الحركة القومية
الليتوانية فينوتاس لندسبرجيس تحذيرات غورباتشوف ورد على برقيته التي رأى فيها بعض
الملاحظين إنذارًا وتهديدًا، تلك البرقية التي أمهل فيها غورباتشوف البرلمان
الليتواني (3) أيام للتراجع عن قرار الانفصال، ورد لندسبرجيس برفض العدول عن ذلك
القرار متجاهلًا تلك التحذيرات، وكأنه مطمئن إلى أن غورباتشوف لن يسلك سبيل القوة
التي لا تنسجم مع سياسة البيرو يسترويكا التي يتبعها، لقد كان موقف غورباتشوف من
دعوات الانفصال الليتوانية منذ بروزها موقف السياسي المحاور الذي يريد حل المشكلة
بالإقناع وعن طريق الحوار، لا عن طريق الدبابات، وقد دلل على ذلك بذهابه شخصيًا
إلى مقر البرلمان الليتواني في 20/1/1990 ليبين وجهة نظره للحركة القومية
الليتوانية، والتي تتلخص في قوله: إن طريق الانفصال طريق مسدودة، وإنها تضر
بالليتوانيين، وتنذر بتفكك الاتحاد السوفياتي الذي لن يقبل بذلك، على أي حال من
الأحوال ورغم أن هذه السياسة لم تفلح، وتم إعلان الانفصال الذي كان يخشاه
غورباتشوف إلا أنه لم يلجأ حتى الآن للقوة مثلما فعل في أذربيجان قبل أسابيع
قليلة، ويؤكد وزير خارجية الاتحاد السوفياتي إدوارد شيفردنادزة بتاريخ 20/3/1990
أن موسكو لن تستخدم القوة لسحق حركات استقلال في جمهوريات البلطيق، وينفي في نفس
الوقت ما أشيع من تحرك قوات سوفياتية إلى هناك.
ورغم تزايد المخاوف من انفجار الوضع
في ليتوانيا ولجوء غورباتشوف إلى القوة بعد تحركات للقوات السوفياتية في أراضي
ليتوانيا، واحتلالها لمبنيين حكوميين في العاصمة فيلنيوس، ومصادرتها للأسلحة؛ فإن
مؤشرات كثيرة تؤكد أن استعمال القوة غير وارد في الظروف الراهنة على الأقل، ورغم
انتقال فيروس الانفصال بسرعة من جمهورية سوفياتية إلى أخرى فقد صرح رئيس ليتوانيا
فينوتاس لند سبرجيس أنه يشك في أن يعمد الجيش السوفياتي إلى التدخل عسكريًا لوقف
مسيرة استقلال الجمهورية، وبرر شكه بقوله: «إن التدخل العسكري في ليتوانيا سيكون
كارثة لميخائيل غورباتشوف» ولكنه أضاف «إنني أعلم أيضًا أن هناك إمكانية كبيرة في
هذا البلد للقيام بأعمال مجنونة».
مفارقة
إذا قارنا بين موقف غورباتشوف من
الحركة القومية الليتوانية التي أقدمت على اتخاذ قرار هو كارثة باعتراف القيادة
السوفياتية كلها، وموقفه من الجبهة الشعبية الأذربيجانية مثلًا كجبهة إسلامية نرى
مفارقة غريبة، ففي حين كان وزير الداخلية السوفياتي فاديم باكتين يعلن أنه لا بد
من التفاوض مع هذه الجبهة على إثر أحداث باكو في يناير الماضي، كان الجنرال ديمتري
يازوف يعد العدة لاقتحام باكو في فجر 20/1/1990 وتفسر القيادة السوفياتية هذا
التدخل العسكري الذي لحقه إعلان حالة الطوارئ بأنه لوضع حد لاضطرابات عرقية بين
الأرمن والأذربيجانيين، ولكن الجبهة الشعبية لأذربيجان تكذب ذلك، وتتهم الجيش
السوفياتي بارتكاب مجازر في حق المسلمين؛ حيث تتحدث عن سقوط (1600) قتيل قالت إنها
تملك لوائح بأسمائهم، وبنفس الطريقة عالج غورباتشوف المشاكل القومية في طاجكستان
وفي غيرها من الجمهوريات الإسلامية، رغم أن هذه الجمهورية لم تطالب مثل ليتوانيا
بالانفصال، وإنما عبرت عن تمسكها بحقوقها، وطالبت بالحفاظ على هذه الحقوق، فكيف
نبرر مواجهة القيادة السوفياتية لقرار انفصالي كارثية بالهدوء والحوار ومجرد
الترهيب والتحذير ومواجهة يحدد مطالب إسلامية ببعض الحقوق المشروعة بالنيران
والدبابات دون سابق إنذار، ودون اللجوء إلى حل المشكلة بالحوار كما هو جار الآن مع
الليتوانيين؟ وإذا كان غورباتشوف قد وضع حدًا لتطلعات المسلمين بالحديد والنار،
فإنه لم يقض على المشكلة من جذورها، وترك مرارة وشعورًا بالاضطهاد لدى المسلمين،
ونمى في نفس الوقت -وهو ما يخشاه- المشاعر القومية الداعية إلى الانفصال.
ترى لماذا عامل غورباتشوف المسلمين
في جمهوريات آسيا الوسطى بالعنف، وعامل الليتوانيين بالحوار والبرقيات والتصريحات؟
يقول عضو في قيادة الجبهة الشعبية في
باكو إن الجميع على قناعة ويقين بأن ما حدث في باكو سببه ميخائيل غورباتشوف، وأن
الجيش السوفياتي لم يقتحم باكو من أجل وضع حدًا للاضطرابات فقط، بل من أجل
الحيلولة دون استيلاء الجبهة على السلطة السياسية، وتحطيم تشكيلاتها القيادية حتى
لا تنجح في الانتخابات.
المواقف الغربية
هل يمكن تفسير هذه المفارقة في
السياسة السوفياتية الغورباتشوفية تجاه الجمهوريات السوفياتية التي تشكل صداعًا
للقيادة السوفياتية بالمواقف الغربية من القضايا التي أثارتها تلك الجمهوريات؟ إن
القرارات السوفياتية هي قرارات دولة عظمى لا يمكن أن تتأثر بمواقف الدول الغربية،
ومع ذلك فإن الأمر يبدو وكأن الاتحاد السوفياتي يأخذ بعين الاعتبار تلك المواقف،
لاسيما إذا التقت رغبته مع رغبات تلك الدول بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية،
فالمعروف أن الولايات المتحدة شجعت على معاملة المسلمين بالقوة في أذربيجان وطاجكستان،
وقال المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض الأمريكي آنذاك بأن للسوفيات الحق
بالإجراءات التي يرونها ضرورية لوضع حدًا للاضطرابات في أذربيجان، وقد تعالت
الأصوات في أوروبا الغربية متباكية على مصير الأرمن المسيحيين، وكأنها بذلك تحرض
السوفيات على المسلمين، وتشعل الضوء الأخضر أمام القيادة السوفياتية لاستعمال
القوة، وعندما ارتكبت القوات السوفياتية الجرائم والمذابح في باكو سكت الإعلام
الغربي وكأن شيئًا لم يكن.
وعندما أعلن انفصال ليتوانيا بادرت
الولايات المتحدة بالدفاع عن قرار الليتوانيين، وهي التي لم تعترف أبدًا بضم
ليتوانيا عام 1940 إلى الاتحاد السوفياتي، وطالبت باحترام إرادة الشعب الليتواني،
وإقامة مفاوضات مع قيادته بزعامة لندسبرجيس.
وتوالت التصريحات الأمريكية محذرة من
مغبة استعمال القوة في ليتوانيا، وآخر التحذيرات حتى الآن جاءت على لسان ريتشارد
شيني وزير الدفاع الأمريكي الذي قال: إن أي تراجع في السياسة السوفياتية فيما
يتعلق بليتوانيا سوف يقوض الإنجازات التي حققها الاتحاد السوفياتي في السنوات
الأخيرة، وأشار تشيني إلى تصريح الرئيس الأمريكي بوش الذي أوضح فيه أن أي تجاوزات
باستعمال القوة في ليتوانيا سيكون لها أثر سلبي على العلاقات الأمريكية -
السوفياتية.
أما فرنسا فقد سارعت بالإعلان عن
استعدادها لرد (2,2) طن من الذهب إلى ليتوانيا مخزنة في بنكها القومي منذ عام 1940
كوديعة، حالما يتم الاتفاق على استقلال ليتوانيا، ومازالت موسكو تدلل كل يوم من
خلال تصريحات مسؤوليها بأن احتمال انفصال ليس ليتوانيا وحدها، بل جمهوريات البلطيق
الثلاث وارد، رغم ما في ذلك من خطورة على الكيان السوفياتي.
فهل يا ترى يمضي غورباتشوف في سياسته
الخطيرة هذه طمعًا في تكنولوجية الغرب وأمواله، وتمشيًا مع «ديمقراطيته»؟ وهل
سيكون نصيب المسلمين من ذلك ما يتفق عليه بين موسكو وواشنطن، أي المزيد من
الضغوطات والمحاصرة والتحجيم؟