العنوان على مائدتهم في رمضان- السنغال واليمن
الكاتب تيسير الزايد
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 53
السبت 13-سبتمبر-2008
عندما ننظر إلى خارطة العالم الإسلامي المترامية الأطراف شرقًا وغربًا؛ لنبحث عن أرض تحط بها سفينتنا، سنجد الكثير من الإخوان يرحبون بنا على موائدهم الرمضانية؛ لنشاركهم حياتهم المختلفة في هذا الشهر الفضيل، حينها سنقترب أكثر، وسيكون لنا هذا اللقاء في:
السنغال
دولة السنغال من دول العالم الإسلامي؛ حيث يشكل المسلمون فيها ما نسبته ٩٦% من السكان البالغ تعدادهم ستة عشر مليون نسمة تقريبًا.
ما يميز السنغال عن غيره من البلدان هو الخلاف المستمر الذي ينشأ عن إثبات رؤية هلال رمضان من عدمه.
فبالرغم من وجود مجهودات فردية وجماعية، أدت إلى إنشاء لجنة مراقبة الهلال، فإن الخلاف بشأن هلال رمضان مازال لم يحسم بعد نهائيًاّ، فيبدأ شهر رمضان في خلاف، وينتهي في خلاف، وربما يعود السبب في ذلك لكثرة الطرق الصوفية في هذا البلد، واعتماد متبعي تلك الطرق على أقوال أئمتها في إثبات هلال رمضان.
يعقد العلماء اجتماعًا عامًا لوضع برامج المحاضرات والدروس خلال الشهر الفضيل، والتي ستبث عبر الإذاعة، ويكون هذا الاجتماع عادة في الأسبوع الأخير من شهر شعبان.
«كانكاليبا» و«بیساب»
وإذا دعيت إلى مائدة رمضانية في السنغال؛ فستجد بالتأكيد الكثير من أنواع الأطعمة والأشربة الساخنة والباردة والأرز بالسمك الذي هو الأكلة الوطنية الرئيسة في السنغال، وكذلك أنواع أخرى من الأطعمة الخفيفة مثل: لاخ وفوندي، وانكالاخ، كما يكثر تناول مشروبات مكونة من عصير الخضر والنبات المعروف في البلد، والتي ثبت طبيًا أنها تداوي بعض الأمراض، وتقلل من حدة السكر والملح في الجسم، مثل كانكاليبا، وبيساب، وغيرهما.
كثرة التردد على المساجد، وأداء الصلوات وصلاة التراويح مظهر واضح جدَّا في رمضان، وتقام في المساجد كل يوم حلقات لتفسير القرآن الكريم من صلاة الظهر إلى ما بعد صلاة العصر، وتلاقي تلك الحلقات إقبالًا كبيرًا من طرف الشباب وطلبة العلم والتلاميذ؛ لأن العلماء والأئمة يتفرغون خلال هذا الشهر لتفسير المصحف الشريف وشرحه باللغات الوطنية المتداولة في البلد- كـ الأولوفية والفلانية- وغيرها من اللغات الوطنية الثمانية.
ويستمر السنغاليون على هذا النحو مع تنظيم محاضرات دينية في كل أحياء المدن طوال الشهر الكريم حتى الأسبوع الأخير منه، ثم تتحول الاهتمامات نحو الاحتفال بعيد الفطر، وهي الشغل الشاغل للفقراء الذين يواجهون مشكلة شراء ملابس للأطفال والنسوة.
ففي يوم العيد: يقومون بتنظيف وتوسيع المصليات، وباحات المساجد، كما يكثرون الصدقات في هذا اليوم، ويحرصون على إخراج زكاة الفطر.
اليمن
حضارة اليمن متوغلة في التاريخ فكلما عدنا بالتاريخ للخلف، سنجد هذا البلد يحتل جزءًا من تاريخ هذا الزمان، ولهذا كان للتراث أثر واضح في استقبال أهل اليمن لشهر رمضان، في الحبوة، رفيقة أهل اليمن عند ذهابهم للمسجد، وهي عبارة عن حزام عريض يقوم الشخص بوضعه على محيط جسده، بحيث يضم إليه قدميه ليساعده على الجلوس لساعات طويلة، دون أن يشعر بالتعب، وهذا لأهالي جنوب اليمن، أما أهل الشمال فيستخدمون المتكي، وهي وسائد يضعونها خلف ظهورهم.
الشعبانية
ويبدأ أهل اليمن في الاستعداد لرمضان قبل قدومه بأيام، ففي الريف مثلًا يصبغ الناس منازلهم به الجص، والنورة، وهما مادتان تستخرجان من مناطق معينة في الجبال، وفي بعض المناطق اليمنية يستقبل رمضان بالشعبانية، وهي عادة يقوم بها الرجال عن طريق التهليل والتكبير وإنشاد بعض الأناشيد الدينية المعروفة منذ القدم عبر مكبرات الصوت في المساجد، ويبقى الكثير من الرجال في المساجد بعد صلاة المغرب في آخر يوم من شعبان؛ حتى يعودوا لأسرهم بخبر دخول شهر رمضان.
قبل حلول الشهر بيومين أو ثلاثة يقومون بما يعرف به التناثير، وهي جمع عدد من الأشياء القابلة للحرق مثل الحشائش والأحطاب، ويقوم الأطفال بإشعال النار فيها، هذا إلى جانب أنهم يرقصون وينشدون بعض الأناشيد الخاصة برمضان والمعروفة به التماسي؛ حيث يستعد الأطفال لأدائها من أواخر شعبان، وينتظرون بهجة التماسي، التي يكسبون بها مقادير قليلة من النقود.
وشعر التماسي، تؤديه مجاميع من الأطفال مرددين:
أدى لأبي قرعة دراهم *** يا رمضان يا بو الحمائم
أدى لنا مخزن بضائع *** يا رمضان يا بو المدافع
ويعنى هذا النشيد أن الأطفال يطلبون الرزق لآبائهم، وذلك لأن رمضان يحتاج الكثير من الرزق، وهذا يدل على أن رمضان مصدر من مصادر الرزق من عند الله تعالى، ويظل الأطفال على حالهم هذه طوال الأيام القلائل السابقة لرمضان منتظرين قدوم رمضان.
الباجية، والحامضة
للمسجد دور كبير عند أهل اليمن في رمضان، ففيه يجتمعون بعد صلاة الظهر لتلاوة القرآن، ويحرصون على اصطحاب الصغار في مثل تلك الأوقات، بل يجتمع الرجال على الموائد الرمضانية التي تكون نتاج صحون اصطحبها أغلب رواد المسجد معهم؛ حيث يتناولون بعض الطعام البسيط والمكون من التمور والسمبوسة والباجية، والحامضة، وهي خليط مكون من الحلبة والليمون والخل والطماطم، إضافة إلى الشفوت، وهي وجبة يمنية مشهورة، يتناولونها في شهر رمضان، وهو طبق مزيج من الخبز، أو اللحوح، والزيادي أو اللبن الرائب المخلوط بالكراث والنعناع الأخضر والكسبرة الناشفة والكمون والملح، ومن ثم الصلاة والعودة إلى المنزل لتناول الإفطار مع الأسرة.
أما أنواع الطعام اليمني فمتنوعة بشكل كبير في اللحوح واللبن والشفوت وشوربة العتر تعتبر من الصحون الرئيسة، أما القديد وهو المشمش المجفف والمنقوع بالماء والسكر، فيعتبر من المشروبات المحببة في رمضان، الرواني حلوة يمنية عبارة عن كيك بالبيض والدقيق، وبنت الصحن، نوع آخر من الحلوى.
وبعد الإفطار يتناول أهل اليمن الشاي والقهوة إلى جانب القلاء، الذي هو عبارة عن قول صغير محمص. أما أهالي الجنوب اليمني فيتناولون الأرز مع اللحم المضبي أو المندي أو المضغوط.
وهناك عادة ينتهجها القضاء اليمني؛ حيث تأخذ المحاكم في اليمن أجازة رمضانية، فأبناء اليمن ينحون قضاياهم وخلافاتهم جانبًا احترامًا وتقديرًا لهذا الشهر الفضيل.
تنصيرة العيد
أما ما يخص العيد، فهناك أيضًا الكثير من العادات والموروثات القديمة، فمثلًا تنصيرة العيد التي يقوم الأطفال بإشعال كومة من الأخشاب المحروقة في أعالي الجبال؛ حيث جاءت هذه الفكرة من احتفال الأجداد بالانتصار على أعدائهم بإشغال نيران على رؤوس الجبال، ونتيجة سوء استغلال هذه العادة؛ حيث أصبح الأطفال يقومون بإحراق الإطارات في الطرقات والأماكن العالية، قامت السلطات بمنع تنصيرة العيد حفاظًا على البيئة والصحة العامة.
يقوم الرجال بشراء المستلزمات والحاجات الضرورية للعيد من المحلات التي تبقى مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما تسهر النساء ليلة العيد حتى الصباح ليهيئن بعض المأكولات التي ستقدم في صباح العيد للضيوف، مثل الكعك والذي هو أشبه بالكيك؛ حيث يتكون من الطحين والبيض والسكر، وبعض المواد الأخرى، ويقف الناس أمام أفران الخبز لشيِّ كعك العيد، ويقمن بإعداد جعالة العيد، وهي المخلط - الخلطة - التي تتكون من الفستق والكشمش والزبيب والفول السوداني، وبعض المكسرات التي تقدم للضيوف خلال أيام العيد.
ويكاد لا يخلو بيت من الأكلات اليمنية الخاصة بمناسبة العيد مثل: السلنة، وتتألف من الحلبة المدقوقة، وقطع البطاطا المطبوخة مع قليل من اللحم والأرز والبيض، وتحرص النسوة اليمنيات على تقديم أصناف من الطعام للضيوف في العيد، ومنها بنت الصحن، وتعملها النساء من الطحين والعسل والبيض والدهن أو السباية، وهي رقائق من الفطير متماسكة مع بعضها بعضًا ومخلوطة بالبيض والدهن البلدي والعسل الطبيعي.
ونجد أهل القرى في اليمن ينحرون الذبائح ويوزعون لحومها على الجيران والأصدقاء والجلوس في مجالس طيلة أيام العيد لتبادل الحكايات المختلفة، أما في المدن فيذهبون لتبادل الزيارات العائلية عقب صلاة العيد، وتقدم للأولاد العيدية، وعندما يعود رب الأسرة بعد أداء الصلاة في المسجد، تستقبله الزوجة والأبناء وهم في أجمل زينة وهيئة، فالزوجة تبدأ بتهنئة زوجها، ثم يأتي دور الأبناء للتهنئة واحدًا بعد الآخر، ليقبلوا أباهم، وعادة أهل صنعاء أن يقبلوا ركبة أبيهم، ويقدم الوالد هدية العيد لأبنائه، وتعرف بــ عسيب العيد، ويتناولون الفطور، ويخرجون لمعايدة الأقارب والجيران.
وغالبًا ما يذهب الأطفال إلى الملاعب القريبة من بيوتهم ليركبوا المداره ومفردها مدرهه.. أو يؤجرون الدراجات لركوبها، وتنشغل النساء بالتزاور فيما بينهن ويسمى ذلك بالفرطة، وتقوم البنات الصغيرات بالاجتماع في أكبر بيت في المنطقة؛ لينشدن جميعا بعض الأناشيد. ويلعبن بعض الألعاب الشعبية مثل لعبة الكيرم ونط الحبل.
وقبل الظهر يخرج المزين، وهو شخص يحمل طبلة أو طاسة يضرب بها ليقوم الناس لرقص البرعة، أي الرقص بالخنجر، وهذه الرقصات تختلف كيفيتها من قبيلة لأخرى، فهناك الحيمية والهوشلية، وغيرها.
وأيضًا يبدأ النصع وهو الذهاب إلى المناطق الخالية من الجبال؛ ليتبارى أهل القبائل على الرماية والتصويب.