; على مرافئ الذاكرة (1).. ظروف سبقت.. وأحوال تغيّرت | مجلة المجتمع

العنوان على مرافئ الذاكرة (1).. ظروف سبقت.. وأحوال تغيّرت

الكاتب رشاد محمد البيومي

تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1927

نشر في الصفحة 32

السبت 13-نوفمبر-2010

عندما التحقنا بجامعة القاهرة في أوائل الخمسينيات.. كانت أول طالبة محجبة في كلية الطب هي «نوال السعداوي»

..وأثناء احتفالنا في كلية العلوم بذكرى المولد النبوي تحدثت عن زوجات الرسول ﷺ ..لكن حالها تبدل تمامًا بعد زواجها من «شريف حتاتة»!

يهمنا ويهم كثيرًا من الناس إلقاء بعض الضوء على الظروف التي سبقت ثم عاصرت تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهذا يتطلب منا الرجوع إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي؛ حيث فشل أعداء الإسلام والمسلمين في النيل من الإسلام دينًا أو فكرًا، فأثاروا بعض القضايا الجدلية؛ مثل الرق وتعدد الزوجات وميراث المرأة وأشياء من هذا القبيل، ولكن الله -عز وجل- رد كيدهم إلى نحورهم.

ولما أيقنوا بفشلهم في ذلك الجانب، حولوا توجههم في تلك الفترة إلى استهداف المجتمع الإسلامي، وشغل المسلمين بقضايا داخلية، وبخاصة النزعات العرقية والحدود الجغرافية.

وبدأت مهاجمة التاريخ الإسلامي وتشويهه؛ من خلال الحديث عن الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية، فأصبح الجيل الجديد لا يعلم عن الدولة العثمانية سوى أنها كانت دولة احتلال، وليس فيها أي إيجابيات على الإطلاق!

آخر الخلفاء

ودحضًا لهذا الافتراء، نذكر هنا ما قاله آخر الخلفاء العثمانيين السلطان «عبد الحميد الثاني» ردًا على «تيودور هرتزل» واليهود عندما طلبوا أن يدفعوا ثمنًا لإقامة «دولة» لهم في فلسطين، وكان ردًا فيه عبرة للتاريخ كله.

لما عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في مدينة «بازل» السويسرية عام ١٨٩٧م، برئاسة مؤسس الحركة الصهيونية «تيودور هرتزل» (١٨٦٠ -١٩٠٤م)، اتفقوا على تأسيس «وطن قومي» لهم يكون مقرًا لأبناء عقيدتهم، وأصر «هرتزل» على أن يكون في فلسطين، فنشأت فكرة الصهيونية.

وأرسل «هرتزل» إلى السلطان عبد الحميد مرارًا: ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام «هرتزل» بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح.

وأخيرًا، ذهب بنفسه إلى السلطان، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصح عن مطلبه، وقدم له إغراءات متمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالًا طائلة، مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، إضافة إلى عقد تحالف سياسي يوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا.

لكن السلطان «عبد الحميد الثاني» رفض بشدة، وطردهم من مجلسه، وقال: «إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يُباع.. وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يومًا، فيمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل»، ثم أصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين.

وعندئذ، أدرك خصومه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفها، ولا إغراؤه بالمال، وأنه ما دام على عرش الخلافة فلن تستطيع الصهيونية العالمية تحقيق أطماعها في فلسطين، ولن تنجح أوروبا في تحقيق أطماعها أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود والأرمن واليونانيين.

لذا، قرروا الإطاحة به وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، وفي مقدمتها: الماسونية، ويهود «الدونمة» والجمعيات السرية «الاتحاد والترقي» والدعوة للقومية التركية «الطورانية»، وقد أدى يهود الدونمة دورًا رئيسًا في إشعال نار الفتن ضد السلطان «عبد الحميد الثاني».

التغريب والشيوعية

ومن الأمور التي برزت في تلك الفترة قضية «التغريب»، والسعي لإلغاء الجانب المشرق من الحضارة الإسلامية، والإشادة بالحضارة الغربية؛ من خلال بعض الشخصيات التي تم إرسالها إلى أوروبا كي ينالوا درجات عليا من التعليم؛ أمثال: طه حسين، وزكي مبارك، وأحمد لطفي السيد، وغيرهم.. وقد رجع هؤلاء إلى مصر وهم ينادون بأنه لا مخرج لهذه الأمة إلا باللجوء إلى الغرب، وتحدثوا عن أنه واحة الأمان التي لا بد أن يفيء إليها المجتمع الإسلامي.

وفي تلك الفترة، قامت الثورة البلشفية في أواخر العقد الثاني من القرن التاسع عشر، وتبعها تأسيس أول حزب شيوعي مصري في أوائل العشرينيات من ذلك القرن، وانضم إليه عدد من الناس، وتم حل الحزب بعد سنتين أو ثلاث بعد أن استشعرت الحكومة خطورته.

وكان «سلامة موسى» أحد الذين تبنوا الدعوة إلى حرب الإسلام ونشر التغريب، ثم ساعده عدد من تلاميذه مثل لويس عوض، وغالي شكري في مرحلة لاحقة.

وكانت مجموعات أخرى قد بدأت في الظهور خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث ظهرت مجموعة «أسكرا» عام ۱۹۳۱م، ومجموعة «حديتو» عام ١٩٣٦م.. وقد عايشت عددًا من أفراد هذه المجموعات في سجن الواحات خلال الفترة (١٩٥٨- ١٩٦٤م).

ثم بدأ يظهر الحزب الشيوعي المصري، وعلى رأسه سكرتير الحزب «أبو سيف يوسف» رئيس تحرير مجلة «الطليعة»، ومعه أعضاء اللجنة المركزية للحزب «فخري لبيب حنا»، و«فوزي لبيب بشرى»، و«حسن صدقي»، و«لطفي الخولي».. أما مجموعة «حديتو» فقد كانت تضم «زكي مراد» و«سعد عبد اللطيف»، و«رفعت السعيد».. ثم ظهرت مجموعات «الراية»، و«د. ش» «ديمقراطية شيوعية»، و«و. ش» «وحدة شيوعية»، و«ط. ش» «طليعة شيوعية».

وكانوا جميعهم يروجون مقولة «كارل ماركس»: إن «الدين أفيون الشعوب» «رغم أن الدين حياة وإحياء، والأفيون دمار وهلاك»، ولما فشلوا بدؤوا يتنازلون عن هذه المسألة شكلًا ويتحدثون عما يسمى «الاشتراكية».

وفي فترة الستينيات من القرن الماضي، كانوا يحضرون صلاة العيد معنا في السجن، وأغلبهم كان يؤدي الصلاة من غير وضوء لإيهام من لا يعرفهم بأنهم يحرصون على أداء العبادات!

نوال السعداوي

وأذكر أننا عندما التحقنا بجامعة القاهرة في أوائل الخمسينيات، لم يكن هناك مكان للصلاة سوى مصلى صغير مبني بالطوب الأحمر، في ركن منزو بالقرب من المدرسة «السعيدية» الثانوية.

ولم تكن في الجامعة طالبات محجبات إلا عدد قليل جدًا، ففي كلية العلوم كانت هناك طالبة واحدة فقط هي الأخت «مجيدة إبراهيم».. وكانت أول طالبة محجبة في كلية الطب هي «نوال السعداوي»، وقد رأيتها في ندوة أثناء احتفالنا في كلية العلوم بذكرى المولد النبوي الشريف، وكان أول المتحدثين د. سعيد رمضان زوج ابنة الإمام الشهيد حسن البنا وكان متحدثًا مفوهًا، والثاني الإذاعي المتميز «المأمون أبو شوشة» وكان أديبًا وشاعرًا.

أما الثالثة، فكانت «نوال السعداوي» التي تحدثت يومها عن زوجات الرسول ﷺ  وكانت من أبرز المتحدثين.. وقد عرفتها عن قرب؛ حيث كانت تسكن بجوارنا في منطقة «العمرانية» بمحافظة «الجيزة»، وكان والدها موجهًا أول للغة العربية والتربية الإسلامية.. وكان لها ثلاثة إخوة، من بينهم «د. وجيه السعداوي» أستاذ النبات ثم وكيل كلية العلوم بجامعة «عين شمس»، وهو رجل متدين حسن الأخلاق رزقه الله بأبناء محافظين على دينهم.

وفي تلك الفترة، كنت أقيم في شقة بمفردي؛ حيث أتيت من الصعيد «جنوبي مصر» وكانت علاقتي قاصرة على إخوتها، فكان هناك أدب واحترام يمنع الرجل من الحديث مع أي امرأة لا تمت له بصلة قرابة قوية، وكانت آنذاك -تعرفني عن بعد، ولا أدري إن كانت تذكرني اليوم أم لا.

والحقيقة أن اختيار زوج الابنة أمر مهم جدًا، فقد تزوجت نوال السعداوي بأحد أقاربها وأنجبت منه ابنتها «منى حلمي» ثم طلقت منه وتزوجت من «شريف حتاتة» وهو رجل شيوعي استطاع التأثير عليها ونجح في تغيير أحوالها وتبديل أطوارها بنسبة ١٨٠ درجة فانقلبت شخصيتها تمامًا، حتى وصلت إلى صورة لا تتفق مع أي جانب إنساني على الإطلاق

منصور حسن

أما منصور حسن «وزير شؤون رئاسة الجمهورية ثم وزير الثقافة والإعلام في عصر الرئيس الراحل محمد أنور السادات»، فقد كان طالبًا بمدرسة Victoria College بمدينة الإسكندرية، وكان لا يلتحق بها إلا أبناء الأثرياء المصريين والعرب، ولكنه تعرف إلى الإخوان المسلمين عن طريق مدرس اللغة العربية الذي كان يدرس له في الصف؛ فتم فصله من المدرسة.

وقد اهتمت جماعة الإخوان بهذه القضية، وتم نشر الخبر في جريدة «المباحث» التي أصدرتها الجماعة بعد جريدة «الإخوان المسلمون»، ولما ذهبنا لرؤيته فوجئنا ببعض الناس يقولون: إنه أصبح يذهب للصلاة في المسجد مثل أبناء «البوابين»!!

وقد ظل مع الإخوان لفترة، ثم وقعت المحنة في الخمسينيات، ولا أدري ماذا حدث له بعد ذلك.. لكنه -على أي حال- شخصية ممتازة، وأسرته طيبة، ومن أقاربه ابن خالته «يوسف علي يوسف» الشهير بـ«يوسف توبة»، وكان زميلنا أيام الدراسة ثم سافر إلى الخارج.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

291

الثلاثاء 31-مارس-1970

بـَـريد المحــَـرر في مشكلة

نشر في العدد 1186

88

الثلاثاء 30-يناير-1996

صحة الأسرة: 1186