; على هامش الدعوة الهوائية للوحدة بين سوريا وليبيا | مجلة المجتمع

العنوان على هامش الدعوة الهوائية للوحدة بين سوريا وليبيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

مشاهدات 90

نشر في العدد 496

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

•    لماذا صار الحديث عن الوحدة يدعو إلى الضحك؟
•    الإعلانات الوحدوية ف المناسبات وسيلة لتداري مشاكل الحاضر.
•    ‏ الشعب السوري يطالب بالحرية قبل الوحدة.
•    ‎‏ كل دعوة وحدوية لا تتخذ الإسلام أساسًا لها هي دعوة هشة.
في الأول من سبتمبر الجاري، وفي الكلمة التي ألقاها رئيس الجماهيرية الليبية، دعا القذافي – وعلى الهواء- حكومة سورية إلى وحدة اندماجية فورية!
وفي اليوم نفسه، أجاب حاكم سورية وعلى الهواء أيضا بموافقته على هذه الوحدة الاندماجية!! الفورية!! وحول هذه الوحدة الهوائية، كان للصحافة المحلية والعالمية مواقف، فذاكرة الصحافة تستمد كما هو معلوم من أرشيفها ماضي الدعوات الوحدوية المتكررة لهذه البلدان ولمثل هؤلاء الحكام، والذاكرة الأرشيفية لدى الصحافيين جعلتهم في موقف الرجوع إلى محاولات الوحدة ودعواتها والإعلان عنها.
فالليبيون في بداية السبعينيات أعلنوا عن عزمهم توحيد نظامهم مع نظام السادات في وحدة اندماجية عبر عنها نظام القذافي بأساليب مختلفة دفع فيها ذات مرة مجموعات من رجاله للسير على الأقدام مشيًا من الحدود الليبية إلى قلب القاهرة، ليكون طعم الوحدة لذيذًا بعد تعب.
‎ونظام القذافي أعلن مرارًا عن عزمه على الوحدة والاندماج بنظام تونس. إلا أن المحاولات الإعلانية هذه سرعان ما كانت تتبدد أدراج الرياح.
وعلى هذين الجانبين اللذين فشل فيهما نظام ليبيا من تحقيق أو إكمال المشوار الذي كان يعلن عنه وقف الشعب الليبي ومعه الشعب العربي جميعه، ليسمع شتائم الإذاعات بين جوانب الدعوات الوحدوية تلك، لينسب كل نظام الوطنية إلى نفسه ومن ثم ليجرد صاحبه منها!
هكذا يريد حكام المنطقة العربية أن تجري وبهذه الطريقة التي سئم الشعب العربي منها، ينتهي المسلسل بالشتائم واللعنات في كل مرة.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر، جانب النظام السوري الحاكم في دمشق، لنجد هذه الدعوة تتضح بما يراد منها من أهداف بشكل أكثر جلاء. ففي الفترة التي يعيش فيها النظام السوري آخر أيامه، تجيء مسألة الوحدة بين نظام دمشق وليبيا بالشكل الهوائي العجيب. ليستجلب الأمر مزيدًا من سخرية المواطن العربي والصحف المعبرة عن مشاعره. ولا سيما أن نظام دمشق أعلن خلال السنتين الأخيرتين عن محاولتين وحدويتين أخيرتين.
•    ‎‏ الأولى كانت محاولاته مع نظام الملك حسين في عمان.
•    ‎والثانية محاولاته للاتحاد مع العراق في العام ‎١٩٧٩‏.
وتأتي الإعلانات الأخيرة عن الرغبة بالالتحام مع ليبيا ليشهد المواطن العربي حلقة من حلقات النظام السوري في التهريج.
وإذا كان السادات حاكم مصر قد أعلن إثر الدعوة الوحدوية بين ليبيا وسوريا أن هذه الدعوة نابعة من شعور كل من النظامين بالعزلة بين الأنظمة العربية. وإن المشكلات الداخلية العويصة هي التي دفعت بكلا النظامين إلى مثل هذا الإعلان الهوائي. فإن هذا التفسير يحمل بعض الصحة. وهو قريب جدًا من ذهنية المواطن أيًّا كان في العالم العربي، وتجيء هذه الدعوة ولا سيما بين هذين البلدين في وقت ليس في صالح نظام دمشق على الأقل. فإذا كان الهدف هو تحويل مشاعر الناس إلى ثوب وطني جديد يلبسه حاكم سوريا، فإن بعض الصحف العربية والمحلية سخرت من هذه الطريقة في التفكير، فقد علقت صحيفة السياسة الكويتية على ذلك صباح يوم 4 سبتمبر ‎١٩٨٠‏ بقولها:
«لم يعد الحديث عن الوحدة بين قطر عربي وقطر آخر. حديثا له بريق أخاذ». ‏ ذلك أن محاولات أمثال هذه الأنظمة كانت تأتي في كل مرة لتغطية المواقف الداخلية وتحو يل القضية الشعبية إلى شيء جديد يلفت نظرها عندما ينادي زبانية السلطان به في الشارع.
ومن هنا فإن الحديث عن الوحدة حديث يبعث أحيانا على الضحك أكثر مما يبعث على الجدية والتفاؤل وارتقاب النتائج الطيبة المبنية على الحسابات الدقيقة. وحديث الوحدة على الشاكلة الأخيرة بين (الأسد والقذافي) إنما هي واحدة من الطروحات الوحدوية التي وضعتها جريدة السياسة الكويتية في العدد المذكور أعلاه بأنها: «ستظل أقرب إلى حوار الطرشان أو لكلام الزعماء في المناسبات الاحتفالية التي تحاول فيها هذه القيادات أن تسبق الزمن لتداري مشاكل الحاضر، هذا في وقت لم يعد يهم الناس أن تجري وراء السراب وتنقطع أنفاسها وهي تلهث...»
ترى هل يعرف دعاة الوحدة الهوائية الإعلانية أن الشعب يعرف الدوافع التي تدفع بهم إلى هذه الطريقة؟
الجواب: نعم. لكنها الظروف هي التي تفرض نفسها على تكرار البلاهة. وإذا كان حاكم دمشق يعرف أن شعبه يريد منه التخلي عن كرسي الحكم لا غير، ‏ فإنه يعي أن شعب سورية سيرفض أية شعارات قبل أن ينال حريته ويتخلص من جلاديه، لأنها شعارات لا يمكن أن تتصف بالصدق أبدًا إذا كانت الحرية مفقودة، وأمن المواطنين مسلوب بسبب ممارسات رجال السلطة.
لقد شعر رجال النظام في دمشق بالاهتزاز، وشعروا بأن الرفض الشعبي العارم لوجودهم على رأس السلطة أمر لا رجوع عنه عند الشعب ولا يمكن لهم ولقواتهم الأمنية أن يتقلبوا عليه بشكل من الأشكال!! فكان أن بدؤوا يلقون بأوراقهم الأخيرة في الساحة، متمثلة بضرب الشعب الآمن على أنه من جماعة الإخوان المسلمين، لقد هدمت عشرات البيوت الآمنة على رؤوس أهلها في حماة وجسر الشغور وحلب، وبعد كل مرة يدعي نظام الوحدة الهوائية في دمشق أنه عثر على مخبأ للإخوان المسلمين لتبرير فعلته هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى بدأ هذا النظام يفتعل المناسبات الوطنية والدعوات القومية. فباسم الصمود والتصدي يعطي العهد لبعض الفلسطينيين أنه سيحمي وجودهم في لبنان، ولو أدى انشغاله في هذه المهمة إلى سقوط العاصمة السورية دمشق فريسة رخيصة بأيدي اليهود.
هكذا تأتي إعلانات وتبجحات الأنظمة المهزوزة. وعلى هذه الطريقة يعملون من أجل تحقيق وحدة بين الأنظمة ولو كانت آلاف الأميال البحرية تفصل بين البلدين، عجيب!!
إن أية وحدة بين أي بلدين عربيين تحتاج إلى أمور كثيرة، فهي تحتاج إلى إخلاص منذ البدء في القول والعمل كما أنها بحاجة ماسة إلى تفويض شعبي يمنحها الثقة قبل أية خطوة أو إعلان.
إن الوحدة قبل أن يكون الحديث عنها إعلاميًا... هي شبكة مصالح، تقود في النهاية إلى عمل سياسي وحدوي مشترك، وإذا كانت مصلحة الأمة وهي تشهد بعثها الإسلامي لا تحقق إلا بالإسلام، فإن أية دعوة وحدوية لا تتخذ الإسلام منطلقًا لها إنما هي دعوة هشة، أو كما يقول سكان دمشق «للاستهلاك المحلي».
ونحن هنا نضم صوتنا إلى أصوات الصحف الأخرى ونقول: إن الوحدة «لا تعني الضحك على الناس إعلاميًّا، خاصة وأن أحدًا ما لم يعد يصدق أن كرسي الحكم كرسي غير وثير. وإن هذا الكرسي فاقد للجاذبية إلى درجة قابلية التخلي عنه لمجرد طرح سراب لا ماء حوله ولا ضرع» ٠‏

الرابط المختصر :