; على هامش سقوط طائرة عرفات: ياسر عرفات وظاهرة «الزعيم الأوحد» | مجلة المجتمع

العنوان على هامش سقوط طائرة عرفات: ياسر عرفات وظاهرة «الزعيم الأوحد»

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 997

نشر في الصفحة 28

الأحد 19-أبريل-1992

 


أثارت الحادثة التي تعرض لها ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الصحراء الليبية، موجة من التساؤلات والاستفسارات حول المصير الذي ينتظر القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير في حالة غيابه عن قيادة المنظمة لأي سبب من الأسباب. وقد أظهرت وسائل الإعلام المختلفة اهتمامًا خاصًا بتناول هذه القضية، بحيث غطت على الحادث الذي تعرضت له الطائرة، وقد وصلت جميعها إلى أن القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ستتأثر كثيرًا نتيجة ذلك.

وقد اعتبر صائب عريقات، عضو الوفد الفلسطيني لمحادثات السلام، أن ياسر عرفات هو السيد الوحيد القادر على قيادة الفلسطينيين. أما غسان الخطيب - وهو من أعضاء الوفد أيضًا - فقد اعتبره القيادي الوحيد الذي يملك الجرأة لقيادة الفلسطينيين في المرحلة الحالية.

وقالت صحيفة النهار اللبنانية إن الحادثة التي تعرض لها عرفات أظهرت ضرورة بقائه ووجوده في هذا الوقت بالذات، واعتبر زيد وهبة، مسؤول حركة فتح في لبنان، أن «كارثة سياسية كانت ستحل بالشعب الفلسطيني». وقد سعت حركة فتح لاستغلال هذه الحادثة والاستفادة منها إعلاميًا وسياسيًا، في محاولة منها لاستعادة بعض الثقة التي فقدتها نتيجة مواقفها وممارساتها السياسية، وذلك من خلال مئات من رسائل التهنئة والتمجيد وإعلان التأييد في الصحف الأردنية.

أمام هذه الظاهرة التي تتكرر في عالمنا العربي والإسلامي مع كل الزعامات والقيادات وهي ظاهرة عبادة الفرد، تجدنا مضطرين لمناقشة هذه الحالة، كنموذج للخلل الذي أصاب العقلية العربية والإسلامية خلال العقود الماضية في تعاملها مع الأحداث والأشخاص.


الزعيم الأوحد والبديل الجاهز

لقد ساهم غياب الرموز والقيادات التاريخية الفلسطينية عن ساحة العمل الفلسطيني في ترسيخ الزعامة الفردية والمطلقة لياسر عرفات، فقد اختفى عن الساحة عشرات الأشخاص التي كانت تعتبر الرعيل الأول المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتهم: عبد الفتاح حمودة، أبو علي إياد، كمال عدوان، أبو يوسف النجار، ماجد أبو شرار، سعد صايل، أبو جهاد، أبو الهول، وغيرهم من الشخصيات. وقد كان عرفات طوال الفترة الماضية البديل الجاهز في كل الأحوال لاستلام مهام أي مؤسسة داخل أطر «م.ت.ف» يشغر مكان القيادة والمسؤولية فيها.

وقد تسلم عرفات رئاسة الدائرة العسكرية لمنظمة التحرير منذ وفاة زهير محسن، وتسلم منصب نائب القائد العام لقوات الثورة، ومسؤولًا عن العلاقات مع حركات التحرر الوطني العالمية بعد اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد». ومسؤولية جهاز الأمن المركزي بعد اغتيال «أبو الهول»، وإضافة إلى المهام والمناصب السابقة يشغل الزعيم المطلق المواقع التالية:

  • رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
  • رئيس دولة فلسطين منذ عام 1988.
  • القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية.
  • القائد العام لقوات العاصفة.
  • مسؤول اللجنة العليا للانتفاضة.
  • المفوض المالي لحركة فتح.
  • مسؤول الإعلام المركزي لحركة فتح.
  • مسؤول الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية.
  • رئيس أركان جيش التحرير الفلسطيني.
  • مسؤول الصرف الوحيد للإدارة المالية لجيش التحرير من الصندوق القومي الفلسطيني.
  • مسؤول المجلس المركزي لحركة فتح.
  • مسؤول المجلس العسكري الأعلى، ومسؤول لجنة الضباط والملحقين العسكريين في «م.ت.ف».
  • مسؤول المنح التعليمية والعلاجية والمشتريات العسكرية والاستثمار والمساعدات في «م.ت.ف».
  • مسؤول الساحة اللبنانية سياسيًا وعسكريًا وتنظيميًا.
  • مسؤول لجنة نابلس «الشمال»، ومسؤول لجنة الإشراف التنظيمي لقطاع غزة.
  • مسؤول السفراء بالخارج، ومسؤول الشؤون الإفريقية.

مفاتيح سيطرة عرفات

وأمام هذه القائمة الطويلة من المهام والمواقع التي يشغلها الزعيم الفذ، ندرك كيف تمكن الزعيم المطلق من البقاء في سدة زعامة منظمة التحرير طوال العقود الثلاثة الماضية، رغم أخطائه وتجاوزاته المتكررة. فهو يسيطر على المفاصل الرئيسية والأساسية في منظمة التحرير، والتي أهمها:

1.    المال.

2.    الأمن.

3.    الإعلام.

4.    المؤسسة العسكرية «وما يتبعها من صلاحية التعيين والترفيع والعزل».

ومن خلال هذه المفاصل المهمة، يمسك عرفات بخنّاق منظمة التحرير بكافة مؤسساتها وفصائلها، ومن خلالها يضمن ولاء الجميع وصمتهم. وفور الإعلان عن الحادث الذي تعرض له عرفات، وأثناء ساعات انقطاع الأخبار عن مصيره، تساءل آلاف الفلسطينيين عن مصير مئات الملايين من أموال المنظمة المودعة باسمه، والتي ستكون في حالة وفاته معرضة لخطر الضياع. وفي مقابلة مع مجلة الهدف في 23/12/1990، اعتبر جورج حبش، الأمين العام للجبهة الشعبية، أن عملية الإصلاح داخل مؤسسات وأطر المنظمة ليست عملية سهلة؛ لأنها تصطدم بالدفاع عن مصالح الفئة المستفيدة من الوضع القائم، وأضاف أن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية هي في الواقع مؤسسات «فتح» مع «ديكور» من الفصائل الأخرى. وانتقد حبش التقاليد القائمة على أساس القيادة الفردية والتصرف الفردي، واتهم قيادة المنظمة «بالخمول»!


قيادة مطلقة وقرارات فردية

المجلس الوطني الفلسطيني الذي يبدو ظاهريًا مؤسسة ديمقراطية تصوت وتتخذ القرار، لا يعدو كونه في حقيقة الأمر مجلسًا تشكل بإرادة الزعيم ووفق مشيئته للتصديق على قرارات يكون قد اتخذها مسبقًا بالتشاور مع مجموعة قليلة من المؤيدين والمنتفعين الذين لا يملكون إلا الموافقة والتأييد، أمثال بسام أبو شريف، وحكم بلعاوي، وأكرم هنية وغيرهم. فعرفات هو الذي يتخذ القرارات، مهما كانت هذه القرارات خطيرة على مستقبل القضية والشعب الفلسطيني. ففي عام 1984، أعلن في القاهرة إعلانه المشهور بنبذ الإرهاب على أمل فتح الحوار مع الإدارة الأمريكية، معتبرًا بذلك أن كل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني خلال مسيرة جهاده وكفاحه المسلح ضد اليهود نوعًا من الإرهاب يستحق أن ينبذ ويدان.

ففي عام 1990، اتخذ قرار الوقوف إلى جانب العراق في احتلاله للكويت، غير عابئ بمصالح الجالية الفلسطينية التي تشكل أكبر الجاليات الفلسطينية في منطقة الخليج، ضاربًا عرض الحائط بكل الأصوات التي حاولت أن تبين له خطورة اتخاذ مثل هذا الموقف، وأثره على القضية والشعب الفلسطيني. لذلك فليس غريبًا أن يعتبر فيصل الحسيني، رئيس اللجنة الاستشارية للوفد الفلسطيني، أن اختفاء عرفات كان سيؤثر سلبيًا على عملية السلام؛ لأن عرفات هو البطل الحقيقي للسلام وهو الداعم الرئيسي للعملية السلمية الحالية؛ فعرفات هو الذي اتخذ بالفعل قرار المشاركة في اللعبة السياسية الذي مهد لجميع الوفود العربية طريق المشاركة في المسيرة السلمية المذلة.

أما الحرص الذي يبديه عرفات على وجود المعارضة داخل مؤسسات «م.ت.ف» وعلى الأخص المجلس الوطني الفلسطيني، فهو نوع من التعامل الذكي، حيث إن عرفات يتقن اللعب بورقة المعارضة لتمرير بعض السياسات التي لا يريد أن يتحمل مسؤولية اتخاذها، لذلك فهو يحرص على أن تكون المعارضة موجودة بشكل مستمر، ولكن بحجم محدود لا يتجاوز الـ 20% لإضفاء الطابع الديمقراطي على قراراته وسياساته.


هل القيادة الجماعية أمر ممكن؟

انشغلت وسائل الإعلام بالبحث عن الأسماء المرشحة لخلافة ياسر عرفات في حال اختفائه، وكانت النتيجة أنه لا توجد شخصية مؤهلة ومرشحة لتحل مكانه في قيادة «م.ت.ف»، حيث إن المرشحين الرئيسين وهما فاروق القدومي ومحمود عباس أبو مازن لا يحظيان بالقبول لدى فصائل المنظمة.

وقد أشار الدكتور محمود الزهار، من رموز حركة حماس في قطاع غزة، إلى صفة الفردية التي تسيطر على قيادة المنظمة فقال: «من الخطأ أن نتصور أن فلسطين هي ياسر عرفات، إنه جزء بسيط من هذا التاريخ»، ودعا إلى أن تكون القيادة جماعية وليست فردية.

ونحن بدورنا نتساءل: هل يوافق الزعيم الأوحد، الذي تعود قيادة المركب بمفرده، على وجود قيادة جماعية حقيقية؟ وإلى متى يرهَن مصير القضية الفلسطينية بمصير شخص واحد؟




 

الرابط المختصر :