العنوان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. والأدلة السرية الأمريكية!
الكاتب محمد البشير أحمد موسى
تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006
مشاهدات 86
نشر في العدد 1700
نشر في الصفحة 49
السبت 06-مايو-2006
في طريقه إلى دار الخلافة وقعت عينا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حد من حدود الله! رأى عمر ألا يُحدث أمراً قبل استشارة أصحابه، وتابع طريقه إلى دار الخلافة، ثم جمع أهل الحل والعقد وسألهم مستشيراً: ما ترون في أمير المؤمنين يرى حداً من حدود الله؟ كان كل الصحابة يعرفون صدق عمر فهو الذي استخلفه عليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله ﷺ.
ولكن، هل قدره عند الله وعند رسوله بل وعند رعيته يجعل له هذه الخصوصية؟ هل يجيز له وضعه كأمير للمؤمنين أن يأخذ أحداً من الرعية مكتفياً بشيء رآه؟ وهنا جاء الرد وفيه ما فيه من الجرأة والشجاعة الأدبية والحكمة، قال علي بن أبي طالب: البينة أو الحد يا أمير المؤمنين!! لم يغضب عمر ولم يثر، ولم يستنكر تمسك مستشاريه بحق المدعى عليه أن يكون للمدعي بينة تسوغ اتهامه ثم محاكمته، ولم يحاول لي أعناق النصوص وتطويعها لتكون في خدمته، ولم يغير دستور الدولة متذرعًا بالمصالح العليا للرعية، بل تفهم عمر كما تفهم الصحابة أن خليفة المسلمين هو واحد منهم، مهما كانوا يثقون بعدالة عمر، وأن المسألة تشريع لهم ولمن يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة. وأنه لا يمكن ضمن حدود شريعتنا الغراء أخذ إنسان بذنب إلا بدليل يعلن على الملأ.
فأين هذا الدرس من الساسة الأمريكان الذين وافقوا على اعتبار الأدلة السرية أساساً في الحكم، وهم الذين لا يزالون يتشدقون بالحديث عن حقوق الإنسان بالرغم من فضائحهم التي لم تعد تخفى على أحد من جوانتانامو إلى أبو غريب إلى السجون السرية الأخرى التي بدأ التحدث عنها على استحياء في أوروبا وفي غيرها تلك التي لا يعلم أحد أي عذاب هون يخفونه وراء جدرانها معتمدين في أحكامهم الزور على رؤاهم وخيالاتهم المريضة بالحقد الأسود. يكفي حسب قانونهم الجديد -كما شهدت محامية أمريكية من جلدتهم- تقول: يكفي أن يتصل أحد ما «وليس أميرهم أو وزيرهم» بالشرطة فيقول: «إن هناك على ناصية شارع كذا يوجد مطعم تركي -على سبيل المثال- لا أرتاح للذين يعملون فيه»، فتكون هذه العبارة وحدها كافية لسجنهم وربما تحويلهم بعد ذلك إلى جوانتانامو لإذاقتهم فنون العذاب، وقد يعترف أحدهم هناك أنه قتل أباه وأمه والناس أجمعين لما يرى من هول تشيب له الولدان مما شاهدنا وشاهد «العالم الحر» بعضًا منه!
هذا ولاتزال أمريكا تصر على أنها ما جاءت إلى العراق إلا من أجل نشر الحرية والديمقراطية ليتمتع بها الشعب العراقي المنكود الذي انتقل من واقع أليم إلى واقع أشد ألماً وأكثر قسوة حتى أصبح «ظلم ذوي القربى أخف مضاضة» من حرية أمريكا وديمقراطيتها.
أكثر من ذلك، فقد دخل أبو لؤلؤة المجوسي على عمر وكان صانعًا محترفًا وطلب إليه عمر أن يصنع له رحى، فقال المجوسي: لأصنعن لك رحى تتحدث بها العرب، ولما مضى قال: لقد توعدني الرجل آنفاً، وعلم أنه ينوي به شرًا بل إنه ينوي قتله، فلم يعتمد فراسته دليلاً لأخذ الرجل بالنية، ولم يأخذه بدليل سري ولم يسجنه دون محاكمة كما فعل المتحضرون اليوم الذين يدرّسوننا نحن المسلمين حقوق الإنسان!! واستُشهد عمر رضي الله عنه وبقيت قيمه وقيم هذا الدين خالدة إلى يوم القيامة. وبقيت كلماته تصدع في سمع الزمان: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل