; عملاء بامتياز | مجلة المجتمع

العنوان عملاء بامتياز

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1784

نشر في الصفحة 13

السبت 12-يناير-2008

أتابع كغيري المشاهد القائمة التي تتوالى على الأراضي الفلسطينية من غزة إلى الضفة الغربية، ومن القدس إلى المعابر، مشاهد تختلط فيها المحنة بالصمود، والعمالة المفضوحة بالوطنية والتضحية.

  فسلطة الرئيس محمود عباس لم تعد تترك أي ثغرة للتأويل أو التماس الأعذار عن مسالكها ومواقفها المتحالفة والمتوافقة مع المواقف والمخططات الصهيونية.

  لقد بتنا بصراحة -ونحن نتابع الأحداث الدائرة هناك- لا نستطيع التفريق بين أداء ووجهة قوات السلطة من جهة وقوات العدو الصهيوني من جهة أخرى، فالوجهة واحدة وهي الهجوم على المساكن والمساجد لاعتقال كل من يشتم فيه رائحة المقاومة، ولم نعد نستطيع التفريق بين الطريقة التي تنفذ بها "السلطة" هجماتها وطريقة الصهاينة، لقد صارت قوات السلطة أشبه بكتيبة أو لواء ضمن قوات العدو تأتمر بأوامره وتنفذ ما يطلبه، وفاء لبنود "خارطة الطريق" المشؤومة التي تلزم السلطة القضاء على "الإرهاب" أي المقاومة، أي كوادر حماس وغيرها، وهي "الخارطة" المجحفة التي لم ينفذ الصهاينة منها بندًا واحدًا.

  وعلى سبيل التذكير لا الحصر ففي يوم الأحد 6/1/2008م تابعنا حملتين في توقيت واحد على أبناء المقاومة في الضفة، إحداهما لقوات العدو والأخرى لقوات السلطة، هجوم همجي على المنازل والمساجد والقرى والبلدات، وقد أسفرت حملة العدو عن اعتقال خمسين فلسطينيًا منهم ثلاثون من حركة حماس، وأسفرت حملة السلطة عن اعتقال (٥١) فلسطينيًا منهم (٣٥) من حماس، وتبرير الناطق باسم الكيان الصهيوني عن حملته يكاد يتطابق مع تبرير سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني، وهو مقاومة "الإرهاب"، لقد انتهى الأمر، وأصبح موقف سلطة عباس متناغمًا مع موقف الصهاينة إن لم يكن متقدمًا عليه.

  إن كان ذلك هو موقف "السلطة" من المقاومة، فهل الطفل والشيخ والمرأة التي تموت في اليوم الواحد مرات ومرات في حصار غزة، هل هؤلاء إرهابيون حتى تشارك السلطة في حصارهم، ويحرض عباس العالم على عدم فك الحصار عنهم أملًا منه في سقوط حماس؟ وهل العالقون على معبر رفح منذ أكثر من سبعة أشهر إرهابيون يستحقون كل هذا التشريد والشتات حتى يستحث عباس أمريكا والكيان الصهيوني الضغط على مصر لعدم السماح لهم بالمرو؟ إن الحجاج مروا بسلامة الله، لكن العالقين الآخرين مازالوا هناك يفترشون الأرض في صحراء "العريش" و"رفح"، وهل القدس بمسجدها الأقصى -وما يقع عليه من اعتداءات يومية تهدد وجوده- يقع في دائرة الإرهاب حتى تصاب السلطة "بالخرس" و"البكم" لهذه الدرجة؟

  وهكذا هجمات مشتركة على المجاهدين في الضفة، وصمت "القبور" على القتل اليومي لعائلات بأكملها في غزة وسط الحصار، وعلى ما يجري في القدس، وفي وسط كل هذه الأحداث يطل علينا عباس بين الحين والآخر معانقًا أولمرت في القدس المحتلة، وموزعًا ابتساماته على كاميرات الإعلام، وهما يلتقيان لبحث "إطلاق مسيرة السلام "إنه حقًا سلام.

  وقد أحيطت استقبالات أولمرت لعباس بهالة إعلامية ضخمة، ركزت على خروج أولمرت عن عاداته وطبيعته الجامدة إلى الإفراط في الترحيب بعباس وتلقفه لدى وصوله عباس بالأحضان بطريقة لافتة كانت مفاجئة لعباس نفسه، وعندما دخلا إلى صالة الاجتماعات استبق أولمرت عباس ليسحب له الكرسي المعد لجلوسه، وقد فاجأت تلك الحركة مساعدي أولمرت، كما علق عليها بعض المراقبين الصهاينة بالقول: "إن أولمرت تقمص دور عرفات في توزيع القبلات".

  إن أولمرت لم يصب بالجنون بعد حتى تصدر منه تلك التصرفات؛ وإنما هو في قمة العقل والدهاء، إنه يعرف طبيعة من يلتقيه وأهميته، إنه يدرك تمامًا أنه أمام شخصية فريدة حقًا في قناعاتها ورؤاها وأفكارها بالنسبة للقضية الفلسطينية، شخصية تعتبر المقاومة إرهابًا، وإطلاق الصواريخ عبثًا وتخريبًا، وحماس والجهاد وتيار المقاومة عقبة يجب إزالتها، شخصية لا تمانع في التنازل عن أي شيء لإرضاء واشنطن وخدمة المشروع الصهيوني، هي إذن شخصية فريدة لا يمكن أن تتكرر في التاريخ الفلسطيني بسهولة؛ ولذا فهي شخصية الفرصة النادرة لتحقيق الحلم الصهيوني وإغلاق ملف القضية الفلسطينية للأبد -لا قدر الله- فلماذا لا يأخذه أولمرت بالأحضان ويسحب له الكرسي ليجلس عليه؟ وما المانع أن يضبط له أولمرت هندامه، بل ويحمله على أم رأسه ليجلسه في أي مكان يريد؟ فكل تلك -كما يعلم الجميع- حركات نفخ وتعظيم حتى يصدق "الرئيس" أنه رئيس، بل وزعيم، والثمن الذي يرنو إليه أولمرت هو فلسطين، ولا بديل عن فلسطين.

  لكن إن كان عباس قد سقط في فخ المجاملات والقبلات وانتشى بالإطراءات، فشعب فلسطين مازال صامدًا، وسيظل إن شاء الله؛ لأن عباس سيرحل يومًا، وسيتبدد ما حوله من وهم، وستبقى الحقيقة ماثلة صامدة، سيبقى الشعب دون فناء، وبالتالي لن يضيع الأمل ولن يخبو في استرداد الأرض أرض فلسطين.

الرابط المختصر :