العنوان عمليات الاختطاف والاستقالات الجماعية- زلزال يضرب السلطة الفلسطينية وتوابعه تطال عرفات
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 22
السبت 31-يوليو-2004
الانهيار التام للسلطة قاب قوسين أو أدنى ومحمد دحلان في انتظار القفز على كل شيء!
إقالة الجبالي وتدعيم صلاحيات موسى عرفات هو حرب للفساد بمزيد من الفساد
مسيرات كتائب الأقصى الغاضبة: موسى عرفات جاسوس أمريكا والموساد والذي وقف وراء اغتيال يحيى عياش.. إنه فرعون هذا العصر
تعرضت السلطة الفلسطينية الجمعة 16/7/2004م إلى هزة تلتها توابع طالت الرئيس ياسر عرفات نفسه، ثلاث حوادث خطف، في قطاع غزة، في يوم واحد، كان لكل منها سياقه ودوافعه، وبصرف النظر، عن العوامل المختلفة والتفصيلات، الكامنة في دوافع الخاطفين، فإن القنبلة انفجرت في وجه السلطة، وبرغم أن الأحداث متسارعة ومفاجئة للوهلة الأولى إلا أن هذا السيناريو كان متوقعًا، فالأحداث التي وقعت متمثلة بخطف غازي الجبالي قائد الشرطة الفلسطينية وعقيد في الأمن العام، «خالد أبو العلي»، وخطف الفرنسيين الخمسة لا تقع في سياق الأحداث العادية، فالذي تعرض للخطف، هو مدير الشرطة الفلسطيني، ومدير الارتباط، أي رموز متصلة بالأمن الداخلي، وقبل ذلك تعرض للاغتيال أناس في موقع قرار وإن كان على مستوى صغير.
وفي الخفاء هناك حالة من الغليان الداخلي ليس في قطاع غزة فقط، وإنما في الضفة أيضًا، وهي حالة متراكمة منذ سنوات طويلة وأسبابها كثيرة وواضحة، ولكن أحدًا لا يقترب من المعالجة، وهكذا يحدث التراكم، الذي يقود في النهاية للانفجار، كما حدث في قطاع غزة الذي بدا وكأنه انقلاب على قيادة حركة فتح التاريخية ممثلة في الرئيس ياسر عرفات، الذي لا يزال حتى الساعة يناور بنفس الطريقة منذ نحو عشرين عامًا «يقيل ويعين»، لكنها مناورة الرجل العجوز الذي بات يلعب بأوراقه الأخيرة، وهو مصر على أن يبقي حالة التوتر قائمة، ويكرس الفوضى والفلتان الأمني، لأنه لا يستطيع أن يتنفس إلا في مثل هذه الأجواء.
زلزال في غزة
عمليات الخطف الثلاث ليست الأولى من نوعها، ولكنها الأهم في التوقيت وتزامن الحوادث الثلاث، والأوضح من حيث الدلالات والنتائج، فقد اعتدت المجموعات المسلحة التابعة لحركة فتح على قيادات أمنية ومدنية في السابق كان أبرزها الاعتداء على زهير مناصرة محافظ جنين من قبل جماعة زكريا الزبيدي قائد كتائب شهداء الأقصى في جنين، كما أرغم عنوة العديد من القياديين الأمنيين الذين كانوا يمرون بمدينة رفع نحو مصر إلى زيارة المناطق المدمرة بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية، وكانت تتم إهانتهم ومطالبتهم بالاستقالة نتيجة تقصيرهم في دعم صمود المدينة وتعرض خليل الزين وهو مستشار إعلامي للرئيس عرفات للاغتيال.
كل هذه الحوادث وغيرها كانت إرهاصات الزلزال الحالي الذي مركزه في غزة ومازالت توابعه متواصلة، ورغم أن الإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين والاهتمام بشؤون المقاومين من حركة فتح كان عنوان الانقلاب الذي قادته بعض المجموعات المسلحة في حركة فتح تحت تسميات مختلفة إلا أن جذور الأزمة تمتد لأبعد من ذلك. ولا نبالغ إذا وصلنا به على امتداد عشرين سنة من «المنظمة» إلى السلطة حيث تم تكريس السياسات الخاطئة التي قادها غالبًا الرئيس عرفات، وإذا ما أردنا تقييم الأسباب منذ إقامة السلطة الفلسطينية فيمكن تلخيص أبرزها على النحو التالي:
منذ إقامة السلطة الفلسطينية وقدوم عرفات وتنظيمه معه من الخارج إلى الأراضي الفلسطينية، سيطر رجال عرفات من الخارج على المراكز الحساسة والمهمة في مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية، وكان هذا التوجه دائمًا محل نقد وجدل بل ونقمة من أبناء تنظيم فتح من داخل الأراضي المحتلة، وهو أحد أبرز النقاط الذي ركز عليها محمد دخلان في تنافسه مع عرفات.
حصار عرفات في المقاطعة برام الله أثر على قوة الرجل خصوصًا في غزة التي بات اتصاله بها محدودًا أو عبر المقربين من رجاله فقط، مما ترك مجالًا لبعض أعوانه في زيادة استثماراتهم من خلال مواقعهم كمتنفذين وكذلك ترك فراغًا للاعب جديد وشاب مثل محمد دحلان ليستغله جيدًا.
عرفات نفسه ساهم بإيجاد حالة الفوضى والفلتان في الأراضي الفلسطينية خصوصًا خلال العامين الأخيرين في ظل الضغوط الدولية والمحلية لتقليص دوره ورفض دائمًا دعاوى الإصلاح، وترتيب الأجهزة الأمنية لأنه كان دائمًا يخشى توحدها وقيادتها من قبل شخص غيره لأنه يعتبر أن القوة والمال أبرز مقومات بقائه وصموده على رأس السلطة.
من الواضح أن من نفذوا عمليات الخطف هم مجموعات مسلحة في إطار حركة فتح، وتأتي هذه الحوادث لتعكس حالة الفوضى الانشقاقات داخل الحركة، فالخاطفون هم من حركة فتح والمخطوفون المتهمون بالفساد «مثل غازي الجبالي وخالد أبو العلي وغيرهم الذين تعرضوا لاعتداءات» هم أيضًا محسوبون على حركة فتح.
المجموعات المسلحة التي قامت بالاختطاف هي مجموعات بسيطة من حيث التنظيم والتفكير وليس لها برنامج سياسي خاص بها لذا فمن الواضح أنها تتلقى الدعم المالي والسياسي من جهات سياسية داخل حركة فتح في إطار الصراع بين الفرقاء «الداخل» والخارج والتوزيع المناطقي والكوتات التنظيمية المختلفة...
مرحلة جديدة
الأيام المقبلة مرشحة لتصعيد أكبر في ظل مواصلة عرفات نفس المناورة التي تهدف إلى استمرار حالة الاضطراب، حيث أقدم على إجراء تغييرات تحت عنوان توحيد الأجهزة الأمنية من 8 إلى 3 أجهزة، وأقال غازي الجبالي وعين خلفًا له صائب العاجز مديرًا عامًا للشرطة وعين اللواء موسى عرفات «القدوة»، إضافة إلى منصبه كرئيس الشرطة الاستخبارات العسكرية. مديرًا عامًا للأمن في قطاع غزة بدلًا من اللواء عبد الرازق المجايدة، ويعتبر اللواء موسى عرفات، وهو من أقارب الرئيس الفلسطيني من بين المقربين جدًا لعرفات كما يحظى بموقع قوي داخل السلطة الفلسطينية.
وقد جاءت ردة الفعل مباشرة هذه المرة نحو عرفات وهو ما لم يكن يحدث في أوقات سابقة، حيث تظاهر الآلاف من نشطاء حركة فتح ضد الفساد والفاسدين في السلطة الفلسطينية وطالبوا بتعجيل إجراءات الإصلاح، رافضين التعديلات الجديدة على قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وقال سمير المشهراوي عضو اللجنة الحركية العليا لحركة فتح في كلمة له: إن رسالتنا للرئيس ياسر عرفات هي أنه لا يجوز أن تحارب الفساد بمزيد من الفساد، في إشارة منه إلى التعديلات التي أجراها عرفات على قادة الأجهزة الأمنية، ولاسيما تعيين اللواء موسى عرفات قائدًا لقوات الأمن الوطني.
وهاجمت كتائب شهداء الأقصى عبر مكبرات الصوت وفي بيان لها بشدة اللواء موسى عرفات واعتبرت ذلك «تعزيزًا للفساد».
ووصفته بأنه «فرعون هذا العصر»، فيما نعته المشاركون في المسيرة التي نظمتها الكتائب وعبر مكبرات الصوت بالجاسوس لأمريكا والموساد ووقوفه وراء اغتيال المهندس يحيى عياش أحد قادة كتائب "عز الدين القسام" الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية، "حماس"، مطلع عام ١٩٩٦م، وجهاد العمارين قائد ومؤسس كتائب شهداء الأقصى في قطاع غزة.
وعليه فإن النتائج المتوقعة هي مواصلة التصعيد وبشكل أعنف مثلما حدث في خان يونس، حيث هاجم مسلحون من حركة فتح موقعًا لقوات الاستخبارات العسكرية التابعة لموسى عرفات، مما اضطر الأفراد الموجودين في الموقع إلى إخلائه، وقام المسلحون بإحراق الموقع احتجاجًا على تعيين رئيس السلطة لموسى عرفات قائدًا للأمن العام.
وأفادت مصادر محلية مطلعة أن العشرات من كوادر فتح استقالوا بعد ساعات من استقالة قريع واستقالة رئيس المخابرات الفلسطينية أمين الهندي ومدير جهاز الأمن الوقائي رشدي أبو شباك احتجاجًا على ما وصفه أحدهم "بالقرارات غير المدروسة" لعرفات.
وتوابع هذه الهزة قد تؤدي إلى انهيار منظومة السلطة الفلسطينية الحالية ورحيل معظم رجالاتها وقدوم مرحلة جديدة مبنية أيضًا على منطق القوة في إطار الصراع على السلطة الذي لا يمكن تعميمه على كامل حركة فتح التي تقف معظم قاعدتها مهمشة وتنظر كالآخرين إلى نتائج هذا الصراع. ومما لاشك فيه أن خطوات عرفات سوف تؤجج الأوضاع ولن تهدئها .
لماذا الآن؟
لتوقيت حوادث الاختطاف وتبعاتها دلالات مهمة، حيث كان يمكن السيطرة عليها لو وقعت في أوقات أخرى، ومن هذه الدلالات:
بشكل غير مباشر جاءت حوادث الاختطاف ثم الاستقالات بعد تقرير تيري لارسن في الأمم المتحدة والذي تضمن انتقادات لاذعة لأداء السلطة، مشيرًا إلى أنها على وشك الانهيار في ظل الفوضى والفلتان في الأراضي الفلسطينية فكانت أحداث الجمعة بمثابة تأكيد لما جاء به لارسن رغم أن الأخير تجاهل الاحتلال الصهيوني ووضع كامل المسؤولية على الفلسطينيين.
جاءت الحوادث عقب جولة مهمة من انتخابات حركة فتح الداخلية على مستوى الأقاليم التنظيمية والتي تنافس فيها تيار محمد دحلان ضد تيار عرفات تحت نفس الشعار الذي رفعه الخاطفون في غزة وهو التغيير وإصلاح حركة فتح والسلطة ومحاربة الفساد، وقد ظهر تقدم أنصار دحلان في الانتخابات، مما دعا الرئيس عرفات إلى وقفها بحجة تجاوزات حصلت القوانين فتح الداخلية تمنع ترشيح وانتخاب المنخرطين في الأجهزة الأمنية، وقد بدا واضحاً أن تناول هذا البند من القانون تم بشكل انتقائي مما أثار غضب أنصار دحلان.
كما أن توقيت هذه الحوادث يأتي في سياق التحضير للسيطرة على غزة في المرحلة المقبلة، في حال نفذ شارون خطته بالانسحاب من القطاع، أي من يقود السلطة في غزة.
الفصائل: ضد الاختطاف والفساد
باقي الفصائل الفلسطينية تستشعر الخطر من هذه الأزمة وهي وإن كانت ليست طرفًا مباشرًا فيها، فهي جزء من الإطار الوطني والفصائلي الذي يضم حركة فتح كبرى الفصائل وحزب السلطة، لا بد أن تنعكس هذه الأوضاع على المجموع الفلسطيني. ويتلخص موقف الفصائل في أن حالة الفوضى والفلتان الأمني، التي تغذيها صراعات مراكز القوى في السلطة، هي نتيجة للتهرب المتواصل من استحقاقات الإصلاح والتغيير الديمقراطي التي يقود تجاهلها إلى استشراء حالة الترهل والشلل والتفسخ في بنية السلطة، وأن معالجة هذه الحالة لا يمكن أن تتم من خلال إعلان حالة الطوارئ هذا الإجراء السلطوي الشكلي الذي لن يغير شيئًا على الأرض، وإن معالجة حالة الفوضى تتطلب قرارًا حاسمًا بفرض سيادة القانون وحث مسيرة الإصلاح واستئصال وتعزيز الوحدة الوطنية ووضع حد للانفراد والتفرد بالقرار.
وكان مصدر مسؤول في حركة المقاومة الإسلامية حماس قد أكد تعقيبًا على أحداث الاختطاف التي جرت في قطاع غزة على حرمة الدم الفلسطيني، ورفض الحركة القاطع لانتهاج أسلوب الاختطاف أو غيره من أساليب القوة في علاج الخلافات الفلسطينية الداخلية، معتبرًا أن مثل هذه الأساليب تسيء إلى وحدة الشعب الفلسطيني، وأن هذا الموقف لا يعني إغماض العين عن حالة الفساد في العديد من الدوائر الفلسطينية وحاجة الشعب إلى الإصلاح، لكن هذا يجب أن يتم وفق برنامج وخطة وطنية فلسطينية شاملة وفق رؤيتنا واحتياجاتنا الفلسطينية لا أن يتم في إطار تصفية الحسابات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل