; عمِّي والعمارة والوعِل | مجلة المجتمع

العنوان عمِّي والعمارة والوعِل

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 31-مارس-1998

في كل عام... وعندما تأتي رياح الشتاء أتذكر عمي، أتذكر عمارتنا، أتذكر قضيته، قضية عائلتنا، لا لم تك تمثل قضية فرد أو قضية عائلة، هي القضية الأزلية، المعركة الدائمة، الصراع السرمدي، التدافع الخالد بين الحق وأهله، والباطل وأهله، قضية كل من يؤمن بفكرة معينة، ويتحرك لتحقيقها، لنيل حقه في الحياة، وفي الوجود.

قبل سنوات من مجيئه... فوجئ أفراد عائلتنا بمجهولين غرباء عن حينا، آثار حقدهم شموخ عمارتنا، على الرغم من قدمها، وتصدع بعض جدرانها، بل اختلافات بعض سكانها على بعضهم البعض، وهم أفراد العائلة الواحدة، ولكن فرقتهم الأهواء؟

 لقد ألم هؤلاء الأعداء وجودها، تآمروا على هدمها، بحجة تجميل حيهم، وتوسيع منطقتهم.

أخيرًا سقطت عمارتنا الشامخة، زالت ولم يزل بعض أساسها، لم يزل بعض معالمها يرزخ تحت الأنقاض، تحت تلال التراب استغرب البعض، وتساءلوا، لِم تركوا بعض معالمها التي تضر أكثر مما تفيد؟

أفتى نفر من اللحظيين أن القوم ربما نسوا تدمير الأجزاء الباقية، في غمرة النشوة، وفرحة الإنجاز، وقال البعض الآخر ممن يفقه قوانين الوجود: ربما تركوا تلك الآثار، ليحسن اختيار من يريد أن يستعملها، فيُصنع على أعينهم ويؤتمر بأمرهم، ويسير في فلكهم،

 وقال رهط ممن يقرأ التاريخ: ربما تركوها عمدًا من أجل إذلال الآخرين وتذكيرهم بمجد

عائلتهم الذي ترنح؟

 بعد فوات الأوان، انهارت دموع، دبجت قصائد، سطرت مقالات، أقیمت سرادقات، وعقدت ندوات، تنعي عمارتنا.

سنوات قليلة... ثم جاء عمي بعد غيبة، آلمه أطلال عمارتنا، ساءه حال عائلتنا، وتفرقها كالأيتام على موائد اللئام، حاول كما حاول البعض قبله ولكنهم فشلوا، لم ييأس عمي، بدأ مشروعه، بدأ أولًا بتجميع أصحاب الحمية من أقرانه، وهم بعض الأقارب ممن تأثر بحماسة عمي، صاح فيهم: لن  تعود أرضكم، ولن تقوم عمارتكم بفرد بل بمجموعة يهمها شرف العائلة، ووضعها، ومستقبلها.

 كانت خطته أن يتم البناء ويكتمل على مراحل ثلاث، فلا عجلة على مشروع يهم أجيالًا ولا داعي للعفوية في مشروع يقوم على التحدي.

بدأ بالأساس، لم يغير فيه، ولكنه فقط استخدم وسائل عصرية، وأدوات متوافرة لكنها مهمشة وطاقات كثيرة لكنها غير منظمة.

ثم ظهر البنيان للعيان... أصبحت العمارة على وضعها حقيقة لا خيالًا. وواقعًا لا أحلامًا، بدت شاهقة، وإن لم تكتمل غدت فتية رغم حداثتها. تناقل الناس في الأحياء المجاورة أخبارها، أصبحت حديث المجالس وقضية الموسم، ورمز التحدي، فتشجع الجبناء، وتحرك السلبيون.

 تحرك الإعلام على استحياء، فأثار ذلك فضول المحيطين.

هرع الناس ليسكنوها، فثار المنتفعون المتاجرون في الظلام، أثرياء فترة غياب عمارتنا.

 تحرك هؤلاء المنتفعون، فبدأت المشاكل المنوعة والعوائق المتجددة.

كانت البداية عجيبة في معركة التحدي، جولة من نوع غريب، جولة داخل جدران العمارة.

نما إلى علم عمي، أن بعض شباب العائلة ممن يجمعهم طابع الحماس الزائد، والتوهج الفاتر، يتناقلون أحاديث بدأت بنجوي، ثم في علانية، لِم هذا الخطو المتئد؟ لم تلك المرحلية المقيدة؟ لِم هذا البطء؟ لم لا تسرع الخُطى؟

لقد كانت حجتهم، أن كل أفراد العائلة متشوقون للسكنى ومعظم الجيران يريدون حجز سكن لهم، بل إن كل الأحياء المجاورة، بدأت تتسابق في مشاريع أخرى مشابهة إن الوقت كالسيف وإن اجتهد هذا العم الطيب فلعله نال أجر المجتهد المخطئ ونحن- كشباب- أقدر منه على فهم عصرنا، وطريقتنا، وقضية عمارتنا.

كان عمي حكيمًا في إجابته، صريحًا في رده، حازمًا في موقفه معهم، حيث أعلن أن هذا ما اتفقنا عليه، ومن أراد الاستعجال، وقطف ثمرة لم تنضح بعد، فعليه بطريق آخر، وليشرع في بناء آخر، وعلى قواعد يجتهد فيها. وسنعاونه حتى يصل وسنكون أول من يسكن في عمارته.

وتعاقبت جولات معركة الوجود والتحدي لعائلتنا، فمن داخل العائلة أيضًا، ظهر رهط ينادي ويطالب بسماع رأيه، بل والأخذ به، نحن أمام تحدٍ، وأمام تنافس، فلم لا نهتم بدهان ما بني من أدوار العمارة؟ إن هذا سيعطي للعمارة منظرًا جميلًا وشكلًا مريحًا للرائين، كان عمي رائعًا في رده. 

أفهمهم أن عمارتنا لم تزل في بدايات الطابق الثالث، ولن يفيد الدهان الخارجي شيئًا، طالما أن هناك حاجة للتجهيزات الداخلية، بل وماذا يفيد ذلك الطلاء الخارجي، وما مصيره عند الشروع في تشييد ما بقي من طوابق علوية؟

 طالبهم أن يلتزموا بالخطة الموضوعة والمشروع المتفق عليه، فيهتموا بالأولويات وألا يكونوا ممن انشغلوا بالظاهر على حساب الجوهر، فتضخمت عندهم الفروع على حساب الأصول أولئك هم «الفروعيون» أو «القشوريون».

تنوعت التحديات واختلفت مصادرها، وتباينت بواعثها، ذات يوم وصلت عمي رسالة، وإن شئت قلت إنذار حكومي، لقد بنيت بلا ترخيص.

عبثًا حاول عمي إقناعهم، بما يحمل من أوراق رسمية ومستندات ووثائق تثبت أقواله.

نصحه البعض ممن يجمعهم التوجس الداخلي، المغلف بالنصيحة، والخوف من المجهول، المغلف بالإخلاص، والانهزام الداخلي، المغلف بالعقلانية،لا تحاول لا تكن كالناطح رأسه في الصخر.

لم يأبه لهم، شجعه سريان تيار من التحدي والشجاعة في نفوس بعض أفراد العائلة، وانبثاق الشعور بعدالة القضية، وبزوغ روح الانتماء.

كالجسد الواحد أمام الخطر، بل سره وغاظ الجميع التفاف بعض السكان والجيران حوله،

 نجح في هذه الجولة أيضًا، ولكنهم لم يستسلموا

 وعى هؤلاء القوم قوانين اللعبة جيدًا.

تحايلوا، وبدأوا من جديد، بدأوا التعقيد، وإن شئت قلت التحجيم، حيث أعلنوا إن كان هذا الترخيص يبدو رسميًّا وقانونيًّا، فإن ذلك لا يعني أن يتجاوز النظم القانونية التي حبكوها .

لم يستمعوا لصيحات عمي، بل كل العائلة من خلفه، أيها الناس إنها أرضنا، إنها عمارتنا. إنها حقوقنا، إنها، إنها 

ألسنا أصحاب ملك؟، ألسنا أحرارًا؟، ألسنا؟ ألسنا؟ وعلى هذه الشاكلة من العوائق والعراقيل، وعوامل التيئيس، استمرت المعركة والصراع بين شد وجذب.

 ولكن... ما زاد في حقدهم، وما أشعل ضغينتهم أن الناس كل الناس، وليس أبناء العائلة فقط جمعتهم مصيبة التحدي، وتشجعوا وتحدوا

 تلك هي المشكلة... مشكلة عودة الروح، روح التحدي، من أجل الحقوق الضائعة، من أجل قليل من الحرية، من أجل الحياة.

فاض الكيل، تضاعف الحقد، وزادت نار الغل الدفين بعدما وصلتهم أخبار هذه الواقعة الفريدة.

 جاءت الأخبار أن بعض قطَّاع الطرق وعصابات سرقة أراضي الغير اعتدوا على أحد الأحياء المجاورة وأرادوا الاستيلاء على أرضه بقوة وضع اليد، بل شرعوا في البناء فوقها ظلمًا وعدوانًا.

كانت قضية الساعة عند عمي والعائلة من خلفه، وكل أهل الحي معه أنه لابد من مناصرة من وقفوا معنا في قضيتنا، ومعركتنا.

صاح عمي بالمناصرة، فاستجاب الكل للنداء. 

تسربت الأنباء أن بعض أصحاب النفوذ، من المسؤولين، كان لهم دور في هذه الأحداث، فقد تغاضوا عن التجاوزات بل سرت إشاعة قوية أنهم قد تلقوا الكثير من الهدايا والأموال مقابل هذا التواطؤ لن يمر الأمر بسهولة.

علمت العائلة أن شيئًا يدبر بليل، هناك أمر يحاك في الظلام.

 قالت المصادر الموثوقة: إن هناك تعاونًا وتخطيطًا من تلك العصابات، وعلى أعين المسؤولين.

وبرعاية تجمعات غريبة ومريبة ، ومناوئة.

 كوَّنوا جبهة لتعيد ترتيب أوراق اللعبة.

 قالوا: لابد من وقف هذا الطوفان، لابد من عمل ما؟

جاء يوم كالح له ما بعده.

 بدأوا خطتهم بإشغال العائلة، بمعركة لم تك متوقعة، فوجئ عمي بقوة من أفراد الشرطة، ومعهم أمر رسمي بوقف البناء وبمصادرة كل مواد البناء الموجودة، وإغلاق الشقق التي جهزت وإرسال إنذارات لكل من أراد أو حتى فكر في حجز سكن بالعمارة.

كان لفتح هذه الجبهة الخلفية أبلغ الأثر في زعزعة تجمع العائلة، وفي هز الرباط القوي الذي جمعها على هدف واحد، شيوخ العائلة اختلفت رؤيتهم في كيفية رد الفعل، الشباب أوشكوا على الانفجار أمام هذا التعنت الذي ليس له مبرر، الجيران غضبوا لهذا الإجراء التعسفي، سكان الأحياء المجاورة تسرب إليهم الهلع خوفًا من آثار المواجهة المتعددة الجبهات ولكن كان لعمي الفاضل رأي آخر، فهم مغزى تلك الرسالة العنيفة، حذار إنها البداية وليست النهاية. 

ووازن جيدًا، وفكر مليًا، هل من العقل أن تصارع جهة حكومية، وإجراءات رسمية، تتذرع بالقانون، وتتسلح بالقوة؟ فكان رأيه الحكيم تهدئة نغمة المواجهة، وإعادة ترتيب الأوراق أمام المرحلة الجديدة.

مرت الأيام ثقيلة بطيئة، وساد جو كئيب على ساحة الأحداث.

 وفي كواليس الصراع، كانت هناك محاولات جادة من عقلاء العائلة، للاتصال بالمسؤولين وبعض أصحاب النفوذ من أجل وقف عجلة تدهور الأحداث ومحاصرة النار.

 بعض المسؤولين العقلاء، بذلوا محاولات مستميتة التوفيق بين الطرفين وتقريب وجهات النظر ولكن ماذا يفيد تصرف العدو العاقل أمام أغلبية سواء من الأعداء الحمقى، أو الأصدقاء السذج؟

حقًا ماذا يجدي العقل؟ وماذا يجدي منطق العقلاء أمام هذا الثور الحكومي الهائج والمتغطرس بقوته.

تذكرت الآن قول الأعشى عندما وصف ذلك الوعل الأحمق المعارض للناموس

 كناطح صخرة يومًا ليوهنها                                          فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

 وما الذي يمكن عمله أمام الكبت الذي اجتاح نفوس الشباب، وهم يشاهدون حقوقهم تغتصب، ومستقبلهم يضيع، وعمارتهم تطل عليهم، تستصرخ نخوتهم، كرهينة تتشح بسواد الحزن وعباءة الكآبة، أنوارها مظلمة.

في هذا الوقت العصيب الذي لا نستطيع أن نتعامل مع الزمن بمقياس الأيام أو السويعات يبقى للحظات ثمنها وخطورتها، وكما يفتقد البدر في الليلة الظلماء، وكما تفتقد أم الولد التي ترجح بقاء وليدها حيًا ولو كان بعيدًا عنها، على أن تحتضن نصفه مقتولًا، كذلك يفتقد ذلك الريان الذي يقود السفينة إلى بر الأمان، متغلبًا على هذه العواصف الهائجة المائجة، ذلك العاقل الذي يوازن ويقيس ويرجح المصلحة العامة على الخاصة، ويفضل الآجل على العاجل.

نعم فالكل ينتظر عمي، الذي يتحرك، لكنه كالمقيد، يسرع الخطو، لكنه كدوران في حلقة مفرغة أوصدت أمامه السبل.

في هذا الجو الذي يعتبر مرتعًا خصبًا لكل حاقد، وفرصة ذهبية للخبثاء، للصائدين في الماء العكر، جاءت اللحظة، وكانت الواقعة أطلق مجهول الرصاص على أحد المسؤولين الذين لوثت أيديهم بالمشاركة في اللعب بنار الفتنة على مقربة من العمارة الحزينة، فأردته قتيلًا؟

الخبثاء أشاروا بما يفيد الاتهام الموجه، لقد قتل الرجل حول العمارة إذن.؟ 

اكتملت الخطة، وساقوا معظم شباب العائلة إلى قفص الاتهام، فالتهمة واضحة؟

 حاول عمي ولكن ضاعت نداءاته مع الزحام، كانت صيحاته تعود إليه كما يعود الصدى من أطراف الوادي السحيق.

هزتني الأحداث الأليمة، هاجمتني كوابيس مريعة، سلبتني النوم والراحة، حاصرتني أسئلة كثيرة، مرت أمام مخيلتي ألهذا الحد تسارعت الأحداث   من الذي بدأ؟ من المخطئ؟ ، من؟ من؟

في هذه الظروف من الصعب أن تجد إجابات، وإن وجدت الإجابات، فمن الصعب أن تجد الفرصة لمن يقنعك بها.

 طال ليل المحنة تغبشت الرؤية، أصبح المسرح يعج بالشتات، من كل لون ونوع، أكثر شباب العائلة بين مطارد ومسجون، الشيوخ في حيرة الخبثاء يتحدثون وينصحون أصواتهم تبدو وكأنها فحيح أفاعي، استمرات طول الظلام، الحاقدون تعالت أصواتهم، عمي المسكين يحاول سباق الزمن يحاول وقف مسلسل الأحداث.

 ولكن وكما تنتهي (تراجيديا أفريقية) بفاجعة أو مأساة، تفجر دموع المشاهدين، فتنطبع في ذاكرتهم على مر السنين، وكما يحاصر الفارس الذي كان من قدره أن يأتي في عصر غير عصره غيبوا أصحابه، شتتوا رفاقه، ضيعوا سيفه، عقروا جواده، أحاطوه من كل جهة كسوار حول معصم نازلوه وهو أعزل، وهل من الفروسية أن ينازل الفارس وهو أعزل؟

وكما يفيق المرء من حلم جميل، طار به فرق أجواء من الخيال ثم ألقى به في قسوة على صخرة الواقع، وكما يعود السيف إلى غمده والمعركة في أوجها، وكما يسرق الكنز على أعين أصحابه الغافلين، وكما تنتهي كل مسرحية بفصل أخير، ثم يسدل ستار أحمر، أفاق الجميع على مأساة

 غاب الحلم، ذهب الفارس الأعزل، طعنوه نثروا دمه الذكي، في كل مكان عله يرهب غيره، فلا يجرؤ على إعادة الكرة، صبغوا بدمه الستار، صبغوه بلون أحمر، لون لا زيف فيه ولا أصباغ، أسدل في حزن، معلنًا عن الختام، عن نهاية الفصل الأخير للأحداث.

 رصاصات قليلة، طلقات عابرة، اخترقت الصدر الحبيب، استقرت في القلب الكبير.. بكت العمارة الحزينة، اهتز الوعل بضحك هستيري.

وغاب الفارس، غاب عمي الحبيب.

الرابط المختصر :