; كيف نقرأ تاريخنا ونفهمه؟ (۲-۸).. عناية الأمة الإسلامية بتدوين التراجم | مجلة المجتمع

العنوان كيف نقرأ تاريخنا ونفهمه؟ (۲-۸).. عناية الأمة الإسلامية بتدوين التراجم

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2029

نشر في الصفحة 40

السبت 01-ديسمبر-2012

  • لم يترك مؤرخونا علمًا ولا فنًا ولا صناعة إلا وترجموا لعظمائها على وجه غير مسبوق في التاريخ الإنساني.
  • لم ينسوا تراجم النساء الشهيرات.. إذ قل أن يخلو كتاب للتاريخ من ترجمة لامرأة.
  • عمدوا إلى وضع كتب جامعة لأنواع من جم مثل الفقهاء والمفسرين والمحدثين والقادة والأبطال والخلفاء والسلاطين.
  • أسلافنا ترجموا لأعلام كل بلدة معروفة.
  • وضع المؤرخون تراجم عدد كبير من الأعلام في كتب التاريخ العامة مثل «البداية والنهاية لابن كثير.
  • كانوا عندما يترجمون للأعلام والمبرزين فإنهم - غالبا - يحيطون بجوانب حياتهم على وجه جيد ويأتون بأخبارهم من المهد إلى اللحد.
  • هذه الأمم لم تُعن بتراجم عظمائها على الوجه الذي عرفناه في تواريخنا إلا في بداية القرن التاسع عشر الميلادي.
إن سير حياة الأشخاص - المسماة في تاريخنا بالتراجم - لهي كنز الأمة ووعاء فخرها ومجدها، كما سأبين بالتفصيل - إن شاء الله تعالى - ولقد عني أسلافنا بالتراجم عناية بالغةً مبلغًا لا مزيد عليه، وقد تجلت تلك العناية في الجوانب التالية:

أولًا: الشمول:

لم يغادر مؤرخونـا عـلـمـًا ولا فـنًا ولا صناعة - تقريبًا - إلا وترجموا لمُبَرَّزيها ومقدميها وعظمائها على وجه من الشمول والإحاطة عجيب وغير مسبوق في التاريخ الإنساني؛ فقد ترجم المؤرخون للمفسرين في أكثر من كتاب، نحو «طبقات المفسرين» للسيوطي، و«طبقات المفسرين» للداودي.

 وترجموا لقراء القرآن، وذلك نحو «غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري مقرئ الدنيا.

القضاة

وترجموا للقضاة نحو: «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر العسقلاني.

وتـرجـمـوا لـلـمؤرخين مثل «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» للسخاوي.

وترجموا للنساء مثل «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور لزينب بنت علي بن الحسين الشهيرة بزينب فواز العاملي «ت ۱۳۳۲م».

و«أعلام النساء» لعمر رضا كحالة. 

وترجموا للخلفاء مثل: «تاريخ الخلفاء» للسيوطي.

وترجموا للوزراء مثل: «الإشارة إلى من نال الوزارة» لابن الصيرفي.

الفقهاء

وترجموا للفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فهناك تراجم الأحناف نحو «الدرر المضيّة في تراجم الحنفية للقرشي.

وتراجم المالكية نحو «ترتيب المدارك» للقاضي عياض، و«نيل الابتهاج» للتنبكتي و«شجرة النور الزكية» لمخلوف. 

وترجموا للفقهاء الشافعية نحو «طبقات الشافعية الكبرى لعبد الوهاب السبكي وطبقات الشافعية لابن كثير، وطبقات الشافعية» للإسنوي.

وترجموا لفقهاء الحنابلة نحو «طبقات الحنابلة» للقاضي أبي يعلى، وذيله لابن رجب.

ومن أجمل ما سمعته منسوبًا إلى الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى - في المقارنة بين الطبقات وذيله أنه قال: طبقات الحنابلة كالطاووس أجمل ما فيه ذيله!

 المحدثون

وترجموا للمحدثين نحو «المعجم المختص بالمحدثين» للحافظ الذهبي، و«تهذيب التهذيب لابن حجر، و«تهذيب الكمال» للمزي، وتاريخ البخاري بأقسامه.

وترجموا للأدباء والشعراء مثل «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجُمحي.

 و«فريدة القصر وجريدة أهل العصر» للعماد الأصفهاني.

وترجموا لعلماء اللغة مثل «بغية الوعاة في طبقات اللغوييين والنحاة» للسيوطي.

 الأطباء

وترجموا للأطباء مثل: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة أحمد بن القاسم بن خليفة.

وترجموا للأصوليين نحو «الفتح المبين في طبقات الأصوليين» لعبدالله مصطفى المراغي.

الفلاسفة

وترجموا للفلاسفة مثل: «تاريخ حكماء الإسلام» للبيهقي.

وترجموا للزهّاد والأولياء مثل: «طبقات الأولياء» لابن الملقن، و«حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» لأبي نعيم الأصبهاني، و«صفوة الصفوة» لابن الجوزي.

 وترجموا لجماعة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مثل «المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي» لمحمد بن أبي بكر الشلي باعلوي.

أعلام كل بلدة

ثم إن أسلافنا ترجموا لأعلام كل بلدة معروفة - تقريبًا - نحو:

«العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» للفاسي، وهو في علماء مكة.

و«تاريخ المدينة» لعمر بن شبة، و«وفاء الوفاء» للسمهودي، وهو في تاريخ المدينة النبوية المنورة.

و«تاریخ دمشق» لابن عساكر.

و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي. 

و«إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» لمحمد راغب الطباخ

و«حسن المحاضرة» للسيوطي وفيه أخبار مصر والمصريين.

وتاريخ علماء تونس والقيروان لأبي عبدالله المالكي المسمى «رياض النفوس». 

وكتاب عبدالحي الندوي «الإعلام بمن في الهند من الأعلام».

ثم إن مؤرخينا عمدوا إلى وضع كتب جامعة لأنواع من التراجم مثل الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام «العقيدة»، والمحدثين والزهاد والعباد والقواد والأبطال والخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء وغيرهم، وهذا كثير جدًا، نحو: طبقات ابن سعد»، و«سير أعلام النبلاء للذهبي، ووفيات الأعيان» لابن خلكان، و«فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، و«الوافي بالوفيات» للصفدي.

 لكل قرن كتبه

ثم إن المؤرخين أفردوا لكل قرن كتبًا، وقد ذكرت هذا في الحلقة السابقة.

 ثم إن مؤرخينا أفردوا بعض العظماء في كتب مستقلة بهم نحو «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» للسخاوي و«العقود الدرية في شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبدالهادي.

ووضع المؤرخون تراجم جملة كبيرة من الأعلام في كتب التاريخ العامة نحو «البداية والنهاية لابن كثير، و«الكامل» لابن الأثير وتاريخ الإسلام» للذهبي، و«شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي والعبر» لابن خلدون

تراجم النساء

ولم ينس مؤرخونا تراجم النساء الشهيرات والمعروفات؛ إذ قل من كتب التاريخ أن يخلو واحد منها من ترجمة لامرأة وممن أكثر من تراجم النساء الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - في كتابه: «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، فقد أورد تراجم النسوة في مجلد كامل، وهذا العمل لا أظن أن أحدًا سبقه إليه.

وكذلك فعل القادري في «نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني» فقد أورد فيه تراجم جماعة من النسوة الفضليات.

 هذا التطواف في كتب التراجم يقرب للقراء معنى الشمول الذي أردته ولابد أن يعرفوا أن ما تركته هو أضعاف أضعاف أضعاف ما أوردته إذ لم أورد إلا المشهور والمعروف والمطبوع المتداول، أما غير ذلك فهو بحر خضم لا ساحل له، وهذا يُظهر بوضوح الفارق الكبير بين أمتنا المباركة وغيرها من الأمم التي لا تملك عشر معشار هذا التاريخ - أي واحد بالمائة - جزمًا، والله أعلم. 

إذن هذا الشمول الذي أردت بيانه كان شمولًا في تراجم الأمكنة والأزمنة والتخصصات من العلوم والفنون والصناعات والذكور والإناث فلم تترك إذن شاردة ولا واردة تتعلق بالتراجم إلا واجتهد المؤرخون في تسجيلها وتسطيرها على نحو من الشمول عجيب.

ثانيًا: الإحاطة

وأعني بالإحاطة أن المؤرخين عندما يترجمون للأعلام والمبرزين فإنهم - غالبًا - يحيطون بجوانب حياتهم على وجه جيد ويأتون بأخبارهم من المهد إلى اللحد - كما يقال - وهؤلاء الأعلام الذين وردت تراجمهم على وجه من الإحاطة جيد بلغوا بضعة آلاف أما الذين أورد المؤرخون نتفا من حياتهم فيبلغون عشرات الآلاف بل أستطيع أن أقول : إنهم يقاربون اليوم مائة ألف ترجمة وللمقارنة أقول: ماذا تعرف الأمم الأخرى من سير أعلامها، إن أنبياء بني إسرائيل لا نكاد نعرف عنهم إلا النزر اليسير الذي أخبرنا الله تعالى به في كتابه وأخبرنا به رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهذه الأخبار ليست محيطة بحياتهم فنحن لا نعرف من هي زوج موسى - عليه الصلاة والسلام - وما اسمها، وهل أتت له بولد؟ وكيف كانت حياتها معه؟ ولا نعرف من هم أصحابه - صلوات الله وسلامه عليه - وما أسماؤهم؟ وكيف كان يصاحبهم؟ ولا ندري عن تاريخ موته شيئًا، هذا وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل - صلوات الله وسلامه عليهم - فكيف بغيره إذن؟! 

ثم إذا بحثنا في أعلام بني إسرائيل لا نكاد نجد أخبارًا عنهم إلا النزر اليسير، فأسماؤهم لا تكاد تكون معروفة، وأحوالهم التي نقلت إلينا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم نقلت نقلًا مبهمًا لم يفصح فيه عن أسمائهم إلا نادرًا، ولا نعرف أعمارهم، ولا متى ولدوا ولا متى توفوا.

تاريخ الأمم

ثم إذا بحثنا في تواريخ الأمم إلى بداية التاريخ الحديث لا نكاد نجد لها - مجتمعة - بضع مئات يُعرف تواريخ ولادتهم ووفياتهم، ولا تفاصيل أحوالهم، ولا طرائق عيشهم، بل ليس لكل الأمم تواريخ لأعلامهم إلى بداية العصر الحديث موثوقة تركن النفس إلى صحتها وقبول ما فيها إلا نادرًا، والنادر لا حكم له، فأين هذا من الإحاطة العجيبة التي كانت لأعلام أمتنا والتراجم الموثوقة – في غالبها - التي كتبت لهم وعرفت بهم؟ 

إن الإمام أحمد قد ترجم له الذهبي في قرابة مائتي صفحة من كتابه العظيم «سير أعلام النبلاء»، والإمام الشافعي في ١٠٠صفحة تقريبًا، وكثير من العلماء والمحدثين والأبطال ترجم لهم في قرابة ٥٠ - ٦٠ صفحة فهل يُستطاع هذا في تواريخ الأمم الأخرى في الحقبة نفسها التي ترجم فيها لأعلامنا هؤلاء وغيرهم، وتحديدًا من القرن الأول الهجري إلى بداية القرن الثالث عشر الهجري؟ أقول واثقًا: إن هذا غير ممكن أبدًا، فإن الأمم لم تعن بتراجم عظمائها على الوجه الذي عرفناه في تواريخنا إلا في بداية القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشري الميلادي تقريبًا، فيما أعلم، والله تعالى أعلم. 

ثالثاً: إتقان الترجمة

الترجمة في كتب مؤرخينا لأعلامنا ومقدمينا غالبًا ما تكون متقنة، بمعنى أنها مرتبة الوقائع والأحداث تبدأ بتاريخ ومكان الولادة، غالبًا، ثم بالتعريف بالأسرة. 

ثم بطريقة التنشئة العلمية، أو الزهدية أو التنشئة في سلك القيادة المدنية أو العسكرية.

ثم بعد ذلك يُؤتى بالأشياخ والتلاميذ - إن وجدوا - أو بالأصحاب والأقران. 

ثم الأثر الذي تركته الشخصية المترجم لها سواء أكان مؤلفات، أم تلاميذ أم بطولات، أم طريقة حياة مؤثرة اتبعها ملايين أو مئات الآلاف من الناس عبر القرون.

ثم يُذكر مكان وزمان الوفاة غالبًا.

ثم تنقل أقوالهم المؤثرة - إن وجدت - وأقوال الناس في هؤلاء المترجمين مدحًا وذمًا.

وقد يُصدر المؤرخ حكمًا على هذه الشخصية إن احتيج إلى ذلك.

وكل ذلك - غالبًا - يكون بالسند بنقل الثقات أو بالمعاشرة والعيان أو بالسماع المستفيض أو غيره، وكل ذلك لا يتوافر لأعلام الأمم - مجتمعة - إلا في القليل جدًا نسبيًا.

رابعًا: الكثرة:

حرص مؤرخونا على إيراد كثير جدًا من التراجم أقدر الموجود منها إلى يومنا هذا بمائة ألف ترجمة بل أكثر، أما المخطوط والمفقود من التراجم فعدد لا يحصيه إلا الله تعالى وهو بالنسبة إلى البشر أمر يند عن الحصر ويخرج عن العد، ولا يحيط به أحد.

 فإذا جئنا للأمم الأخرى وجدنا أن أعلامهم الذين نقلت تراجمهم هم عدد قليل جدًا مقارنة بأعلامنا، فأمريكا اليوم تفخر ب «جورج واشنطن» و «بنيامين فرانكلين» و«إبراهام لنكولن»، وبضع عشرات آخرين من الرؤساء والقواد والمخترعين، وفرنسا تفخر ب «نابليون»، و«جان دارك»، و«فولتير»، و«جان جاك روسو»، و«مونتسكيو»، وبضع عشرات آخرين من المخترعين والأدباء، وكذلك في كل شعب وأمة هم عدد قليل جدًا مقارنة بمن نفخر بهم من علمائنا وخلفائنا وسلاطيننا وملوكنا وقادتنا وأبطالنا وزهادنا وعبادنا الذين يُعدون بالآلاف، وهذا عدد ضخم مقارنة بأعلام الأمم الأخرى الذين يعدون بالعشرات كما ذكرت آنفًا. 

خامسًا: النقد الجيد:

 إن بعض المؤرخين المسلمين بلغ مبلغًا حسنًا في نقد أحوال وتصرفات الشخصيات التي يوردها، وعلى رأسهم الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، وفي «تاريخ الإسلام» وفي «ميزان الاعتدال»، وفي المعجم المختص بالمحدثين وغيرها من كتب، وكذلك صنع القاضي الشوكاني في كتابه الجليل: «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع وكذلك صنع الحافظ السخاوي في كتابه الفائق: «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» على أنه ظلم في نقده ذلك جماعة من العلماء والفضلاء على ما هو معلوم من كتابه ذاك. 

وهذا النقد يحفظ لقارئ الشخصية توازنه فلا يتابع الغلط، ولا يقر الخطأ، ولا ينبهر بالشخصية ولا يقدسها مطلقًا بل يلزم جانب الاعتدال والإنصاف في كل ذلك، وهذا هو الحافظ بإذن الله تعالى من مداخل الشيطان على العبد إذ إن أكثر هذه المداخل حال قراءته للتراجم إنما هي بسبب قلة النقد والتعليق من قبل مؤلفي كتب التراجم خاصة الكتب المتأخرة التي يكثر فيها الغثاء وهي كتب القرن العاشر فما بعده، فإذا أضيف إلى ذلك قلة الحصيلة الشرعية للقارئ أو انعدامها في كثير من الأحيان فحدث ولا حرج حينئذ عن الضلال البعيد الذي تحدثه الترجمة. 

سادسًا: إيراد العبر والعظات

يورد بعض مؤرخينا التراجم فيضمنونها جملة من العبر والعظات يستفيد بها القارئ أيما استفادة، وهذا كان ديدن جماعة من المؤرخين وعلى رأسهم الحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير. 

سابعًا: الفوائد العلمية المصاحبة للترجمة:

إن أسلافنا لما كتبوا التراجم ضمنوا كثيرًا منها عدة علوم نافعة مفيدة، ففي الترجمة يطلع القارئ على بعض أقسام علوم القرآن، أو علوم الحديث النبوي - خاصة علم الجرح والتعديل - ويكثر في التراجم إيراد مسائل عقدية وفقهية وأصولية، ومسائل لغوية إلى آخره.. وهذا يثري الترجمة ويفيد القارئ أمرين:

الأول: اكتساب مسائل من العلوم قد لا يكون له بها عَهْدٌ من قبل.

والأمر الآخر: تنفي عنه الملل، إذ التنوع في إيراد الترجمة والخروج بها من سياق إلى آخر باعث على تنشيط القارئ واستمراره في القراءة، وهذا منهج جليل لأسلافنا سلكوه في إيراد التراجم ما أحوجنا إليه اليوم، وقد كتبت أكثر التراجم في زماننا على وجه يجلب لقارئه الملل والنعاس، وفي بعض هذا قال الأستاذ محمود الطناحي: «قل أن تجد كتابًا من هذه الكتب مقتصرًا على الفن الذي يعالجه دون الولوج إلى بعض الفنون الأخرى بدواعي الاستطراد والمناسبة.. بل إنك واجد في بعض كتب السير والتاريخ والتراجم والأدب والمعارف العامة والطرائف والمحاضرات من مسائل النحو وقضاياه ما لا تكاد تجده في بعض كتب النحو المتداولة».

 ثامنًا: السبق البعيد

قد بينت عناية أسلافنا بالتراجم من حيث الشمول والإحاطة والإتقان والكثرة والنقد، وإيراد العبر والعظات، والفوائد العلمية المصاحبة للترجمة، وأذكر الآن ثامن جوانب هذه العناية الفائقة ألا وهو السبق البعيد الذي سبقت به أمتنا الإسلامية سائر الأمم في إيراد التراجم والعناية بها على ذلك الوجه المشروح أنفا في الفقرات السبع الماضية، بل لا تزعم أمة من الأمم أنها تقارب أمتنا في هذا الباب، ولا أنها أتت بعشر معشاره - واحد بالمائة - لا أقول هذا مبالغة ولا تجنيا إنما هذا هو الواقع، وهذا هو تراث الأمم أمام ناظرينا فأين فيه ما يخالف هذا الذي بينته؟

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

                  إذا جمعتنا يا جرير المجامع

 وهذا السبق واقع في كل الجوانب المذكورة آنفًا، حتى أني أستطيع أن أقول: إن المسلمين هم الذين ابتدؤوا علم التراجم «سير حياة الأشخاص»، وهم المؤسسون الحقيقيون له على الوجه الذي كان عليه في كتب التراث التي بين أيدينا وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة، ومن باب حفظ سير حياة عظمائها لتبقى ضياء وهدى للأجيال. 

الرابط المختصر :