; عندما تتحجر القلوب وتموت الضمائر مافيا الاتجار بالبشر | مجلة المجتمع

العنوان عندما تتحجر القلوب وتموت الضمائر مافيا الاتجار بالبشر

الكاتب أكرم عبدالزاق المشهداني

تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007

مشاهدات 54

نشر في العدد 1737

نشر في الصفحة 38

السبت 03-فبراير-2007

مع تطور المجتمعات البشرية وتعقد نظم حياتها، وما أفرزته الثورة الصناعية الحديثة من مصالح اقتصادية وتجارية تجاوزت الحدود الوطنية، انتقلت الجريمة من البساطة والعفوية إلى التعقيد والتنظيم الدقيق الذي لم يعد محصوراً في مكان واحد ولا في دولة واحدة، لتصبح ذات بعد دولي.. وإذا كانت الجريمة المنظمة قد بدأت في ميدان المال والاقتصاد والابتزاز المالي، إلا أنها اليوم قد تجاوزت إلى ميادين ذات أبعاد اجتماعية وسياسية أوسع؛ كجرائم المخدرات والإرهاب والاتجار بالبشر.

ومع التقدم المذهل الذي بلغته التكنولوجيا الطبية، أصبح إنقاذ المرضى أمراً متاحاً، بتوفير قطع من الأعضاء البشرية بمواصفات طبية معينة، وفي هذا المجال نشطت عصابات الجريمة المنظمة للقيام بأعمال يندى لها الضمير الإنساني ويشيب لها الولدان.

جرائم متنوعة

مع أي تطور علمي تنشأ جرائم مستحدثة، أما بيئة هذه الجرائم فهي البلدان الفقيرة مثل الهند، وباكستان، والبرازيل، ومؤخراً لحقت بها دول عربية وإفريقية.. وتأخذ جرائم المتاجرة بالأعضاء البشرية أشكالاً عد؛ من قيام شبكات متخصصة بتوفير الأعضاء البشرية بالتعاون مع مستشفيات خاصة، ويتم الإعلان عن ذلك تحت عنوان «التبرع مقابل مبالغ مالية» وتختلف أسعار الأعضاء البشرية من بلد إلى آخر. فاختطاف الأطفال - على سبيل المثال - واستئصال بعض الأعضاء منهم مثل سرقة العيون والكلى، وبيعها للمستشفيات التي تجري مثل هذه العمليات.. ظاهرة تنتشر في البرازيل، حيث يوجد أكثر من أربعة ملايين طفل مشرد «حسب إحصائيات هيئة الأمم المتحدة»، كما أن اختطاف الأطفال والمشردين والمعاقين والمجانين والقيام بقتلهم ومن ثم بيع أعضاء من أجسادهم بمبالغ طائلة.. تمثل ظاهرة أخرى إلى جانب سرقة الجثث سواء كانت جثث المحكوم عليهم بالإعدام أو غيرهم ممن لا يستلمها أحد من المشرحة، أو سرقة الجثث حال دفنها في المقبرة.

الفقر وغياب الرادع القانوني

ففي القاهرة أشارت الصحف المصرية مؤخرا إلى ما أسمته «ازدهار سياحة موازية» تقودها مافيا إجرامية تستغل الفراغ القانوني وتمارس تجارة بيع الأعضاء، مستغلة الفقر.. وبالرغم من أنه ليست هناك أرقام محددة في هذا الشأن، فإنه يكثر عدد الفقراء في مصر الذين يحملون ندوباً في أماكن متفرقة من أجسادهم إثر عملية جراحية لاستئصال أجزاء منهم، خاصة في الأحياء الفقيرة في القاهرة، حيث يجد الأثرياء العرب مصدراً جديداً للحياة.

وحول تلك الظاهرة قال نقيب الأطباء المصريين د. حمدي السيد لوكالة «فرانس برس» مؤخراً : «إن المريض الخليجي يدفع ۸۰۰۰ دولار في الحالة ليستفيد منها الأطباء والمتبرع والسماسرة.. ».

وأضاف حمدي السيد إن «هذه المافيا تحتاج إلى ردع قانوني صارم». وأكد أنه يحاول منذ أربعة أعوام تمرير مشروع قانون في البرلمان يجرم الطبيب بعقوبة السجن من ستة أشهر إلى عشر سنوات وغرامة من عشرة آلاف إلى مائة ألف جنيه «۱۷۰۰ دولا ر » إلى «١٧ ألف دولار»....».

خداع المرضى

لكن ليس كل هؤلاء متطوعين.. «عبد الحميد عبد الحميد» «۲۹ عاماً » و«أحمد إبراهيم»«٤٣ عاما » و «أشرف زكريا» «۳۰ عاماً »، فقد كل منهم كليته خلال بحثهم عن وظيفة.

روى هؤلاء الشباب مأساتهم لصحيفة «المصري اليوم» القاهرية قائلين: إن وسيطاً وعدهم بوظائف في دول الخليج شرط أن يخضعوا لفحص طبي، لكن الطبيب أوهمهم «أن كلا منهم يعاني من مرض في الكلية يتطلب عملية جراحية عاجلة»، وفي الصباح استفاق كل منهم وقد فقد كليته، واختفى الوسيط، واضطر الضحايا للصمت خوفاً من عمل انتقامي!!

وبعد أيام ضبطت وزارة الصحة مصرياً، كان يريد بيع كليته لقاء ٣٥٠٠ دولار، فيما يحصل المستشفى الذي يجري العملية على مبلغ مماثل.

كما نشرت الصحف خبراً مماثلاً عن شاب قروي نزل القاهرة بحثاً عن عمل، وفي أحد المقاهي أرشدوه إلى مكتب يطلب عمالاً للخليج فراجعه، وهناك طلبوا منه إجراء فحوصات طبية شاملة وصور وتحاليل على أن يتكفل المكتب بالمصروفات، شرط توقيعه على أوراق بيضاء تحفظ لهم حقوقهم، وأدخل إلى المستشفى ليخرج بعد بضعة أيام، ثم طلبوا منه العودة إلى قريته للراحة والعودة بعد أسبوعين مزوداً ببعض الأدوية..

وهناك شعر بالتعب ولم يعد يقوى على العمل أو الحركة فراجع الطبيب ليفاجأ بأن كليته قد نهبت منه، وعاد إلى المقهى وتعرف على الشخص الذي أرشده إلى المكتب المذكور، لكنه قال له: إياك أن تفعل شيئاً فلديهم إيصالات أمانة موقعة منك وتدخلك السجن.. فالطبيب ابن وزير ومدعوم، لكن الشاب لجأ إلى النيابة بعدما فقد أعز ما يملك.

لم يرحموا الأطفال

وتحقق النيابة في مصر الآن في حادث وقع لطفلة عمرها سنتان أدخلت إلى المستشفى لاستئصال كيس خلقي نشأ معها عند ولادتها، وفوجئت والدتها بجرح كبير في خاصرة طفلتها وعند سؤالها الطبيب، تبين أنه قد تم استئصال كلية الطفلة بدعوى وجود ورم خبيث فيها! وعندما سألت الأم عن الكلية المستأصلة أجابها الطبيب «رميناها في الزبالة» علماً بأن ثمن «كلية» الأطفال تساوي عشرة أضعاف ثمن كلية البالغين للحاجة الماسة لها من طفل بنفس السن، على اعتبار أنه من النادر وجود من يتبرع أو يبيع كلية طفله، فلجاً الأطباء إلى الخديعة وسرقة كلية الأطفال، فيما الطفل المنزوع كليته يصاب بضمور في النمو غير الأمراض الأخرى كالتعب والوهن.. ويبقى السؤال: أين الضمير؟ وأين شرف القسم الذي أقسم عليه هؤلاء الأطباء يوم تخرجهم؟ وكيف يأمن الإنسان على نفسه إذا احتاج يوماً إلى مستشفى؟

سبل العلاج

ولمواجهة تلك الظاهرة اللاإنسانية يرى الخبراء الأمنيون وعلماء النفس، ضرورة المبادرة إلى سن قوانين صارمة تجرم عمليات الاتجار بالأعضاء البشرية، والتنسيق بين الجهات الصحية والأمنية على النطاقين المحلي والدولي، لمكافحة تلك الجرائم، وقيام نقابات الأطباء بالتدقيق وملاحظة إقدام (البعض القليل جداً) من عديمي الضمير ممن يستغلون صفاتهم الطبية في القيام بهذه الجرائم بدوافع الجشع المادي، وقيام الجهات الصحية والأمنية بالتوعية الصحية للمواطنين، للحذر من الوقوع في حيل المحتالين والمجرمين.. إلى جانب عقد المؤتمرات والندوات العلمية على كافة المستويات الطبية والقانونية والأمنية، لبحث سبل مواجهة الظاهرة .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 274

110

الثلاثاء 11-نوفمبر-1975

هذا الأسبوع (العدد 274)

نشر في العدد 327

125

السبت 20-نوفمبر-1976

لماذا فشل مؤتمر مسقط؟