; عندما تنمو في صدورنا بذور الحب والعطف | مجلة المجتمع

العنوان عندما تنمو في صدورنا بذور الحب والعطف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1981

مشاهدات 116

نشر في العدد 519

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 10-مارس-1981

     بذرة الشر تهيج، ولكن بذرة الخير تثمر، إن الأولى ترتفع في الفضاء سريعًا، ولكن جذورها في التربة قريبة، حتى لتحجب عن شجرة الخير النور والهواء، ولكن شجرة الخير تظل في نموها البطيء؛ لأن عمق جذورها في التربة يعوضها عن الدفء والهواء.

     مع أننا حين نتجاوز المظهر المزور البراق لشجرة الشر، ونفحص عن قوتها الحقيقية وصلابتها، تبدو لنا واهنة هشة نافشة في غير صلابة حقيقية، على حين تصبر شجرة الخير على البلاء، وتتماسك للعاصفة، وتظل في نموها الهادئ البطيء، لا تحفل بما ترجمها به شجرة الشر من أقذاء وأشواك.

     عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة. 

     لقد جربت ذلك، جربته مع الكثيرين حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور.

     شيء من العطف على أخطائهم، وحماقاتهم، شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية -غير المتصنعة- باهتماماتهم وهمومهم، ثم ينكشف لك النبع الخير في نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص، إن الشر ليس عميقًا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي تتصوره أحيانًا، إنه في تلك القشرة الصلبة التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء. 

     فإذا أمنوا تكثفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية، هذه الثمرة الحلوة إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن في جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم، وعلى أخطائهم وعلى حماقاتهم كذلك، وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله، أقرب مما يتوقع الكثيرون، لقد جربت ذلك، جربته بنفسي، فلست أطلقها مجرد كلمات مجنحة وليدة أحلام وأوهام.

     عندما تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير نعفي أنفسنا من أعباء ومشقات كثيرة، إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين؛ لأننا سنكون يومئذ صادقين مخلصين، إذ نزجي إليهم الثناء، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير، وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون، ولن يعدم إنسان ناحية خيرة، أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة، ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحب.

     كذلك لن نكون في حاجة لأن نحمل أنفسنا مؤونة التضايق منهم، ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم؛ لأننا سنعطف على مواضع الضعف والنقص، ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة العطف، وبطبيعة الحال لن نجشم أنفسنا عناء الحقد عليهم، أو عبء الحذر منهم، فإنما نحقد على الآخرين؛ لأن بذرة الخير لم تنم في نفوسنا نموًا كافيًا، ونتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا.

     كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة، حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا، يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف والخير.

     حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلًا لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا، لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة.

     إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع.

     إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقًا، إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد- هو العظمة الحقيقية. 

     عندما نصل إلى مستوى معين من القدرة نحس أنه لا يعيبنا أن نطلب مساعدة الآخرين لنا، حتى أولئك الذين هم أقل منا مقدرة، ولا يغض من قيمتنا أن تكون معونة الآخرين لنا قد ساعدتنا على الوصول إلى ما نحن فيه، إننا نحاول أن نصنع كل شيء بأنفسنا، ونستنكف أن نطلب عون الآخرين لنا، أو أن نضم جهدهم إلى جهودنا، كما نستشعر الغضاضة في أن يعرف الناس أنه كان لذلك العون أثر في صعودنا إلى القمة، إننا نصنع هذا كله حين لا تكون ثقتنا بأنفسنا كبيرة؛ أي عندما نكون بالفعل ضعفاء في ناحية من النواحي، أما حين نكون أقوياء حقًا فلن نستشعر من هذا كله شيئًا، إن الطفل هو الذي يحاول أن يبعد يدك التي تسنده، وهو يتكفأ في المسير.

     عندما نصل إلى مستوى معين من القدرة، سنستقبل عون الآخرين لنا بروح الشكر والفرح، الشكر لما يقدم لنا من عون، والفرح بأن هناك من يؤمن بما نؤمن به نحن.

الرابط المختصر :