العنوان عندما ضاع قرار الحرب من العرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 85
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
القرار الذي اتخذته تونس قبل أيام بتجميد علاقاتها مع «إسرائيل» وقبلها دولة قطر بوقف عملية التطبيع تكشف صحوة عربية- ولو متأخرة- على حقيقة أن «السلام» بصيغته الإسرائيلية- الأمريكية وصل إلى طريق مسدود.
والقيادة الحالية في «إسرائيل» بزعامة نتنياهو قدمت منذ أول لحظة كل المؤشرات على الطريق الذي ستمشي فيه الأمور، بل إن «إسرائيل» بإثارتها موضوع الحرب مع سورية، والمعلومات التي حركتها في الصحافة الدولية مؤخرًا حول خطط هجومية لسورية، وحصولها على صواريخ أرض- أرض تريد أن تذكر العرب بضياع قرار الحرب من أيديهم، إذ يعلم الجميع أن هذه الحرب ستربحها «إسرائيل».
وقد مضت على اتفاقية الصلح الإسرائيلية- المصرية ١٧ سنة، وتبعتها منظمة التحرير والأردن باتفاقيتين أسوأ منها، فيما أجرت دول عربية عدة اتصالات مباشرة مع الصهاينة، وهذه الأجواء للسلام المزعوم عطلت عند الجانب العربي خيار الحرب، فيما احتفظت به إسرائيل كاملًا غير منقوص.
وموازين القوى السائدة الآن تشير إلى تفوق «إسرائيل» كمًا ونوعًا على الأقطار العربية المحيطة بها، وفي المجال التقني تتقدم «إسرائيل» على الجانب العربي في عناصر الحرب الإلكترونية والطيران، وتقنيات التجسس بجيل أو جيلين، كما أن كفاءة القوات الصهيونية في الإدارة والتدريب تجعلها قابلة لاستخدام ميداني أكثر كثافة وفاعلية.
وفي حين تتابعت اتفاقيات السلام العربية استمر جيش «إسرائيل» في حرب شبه يومية ضد العرب سواء في فلسطين نفسها أو في لبنان أو بعيدًا في تونس عن طريق الذراع الجوية. وفي حين كبلت الحكومات العربية جيوشها عن الرد، وجد العسكريون الإسرائيليون دعمًا سياسيًا كاملًا لتنفيذ كل العمليات التي تحقق لجيشهم التجربة والخبرة، وترفع الروح المعنوية، وتعزز الهيبة الإقليمية «لإسرائيل».
وأضافت «إسرائيل» لنفسها وبدعم فرنسي في الستينيات ثم أمريكي بعد ذلك الخيار النووي الذي يفتقده العرب، في حين خرب حاكم العراق بإجرامه وطغيانه فرصة الدعم التقني الدولي للعرب في مجال أسلحة الدمار الشامل، حين جعل من الشعب العراقي وشعوب الجوار هدفًا لهذه الأسلحة.
لقد ساهمت روح «السلام» الإسرائيلي في تآكل الخيار العسكري العربي، وتحولت مهام الجيوش العربية إلى الدور البوليسي لخدمة الأنظمة، وعطلت الأذرع التقنية الاستراتيجية التي طورتها هذه الجيوش لمواجهة «إسرائيل» في الماضي.
إن دراسة الحالة المصرية كأقوى وأخطر ذراع عسكرية عربية في وجه «إسرائيل» يشير إلى نتائج «السلام» السلبية على الأمن العربي، ففي حين كان لمصر عام ۱۹۷۳م تفوق عددي على الجيش الإسرائيلي بواقع 3 إلى ١ مع القدرة التقنية الأفضل في العالم الثالث لمواجهة هذا الجيش، نجد أن مصر الآن تمتلك جيشًا أقل عددًا من كامل الجيش الإسرائيلي مع الاحتياطي، وتمتلك معدات عسكرية متقدمة تعادل ثلث المعدات التي تمتلكها «إسرائيل»، مع فارق الخبرة والتدريب والقرار السياسي طبعًا.
ومصر الآن في حالة اعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة كمصدر للسلاح المتطور، بل إنها بحاجة إلى الغطاء المالي الأمريكي لسداد قيمة الذخيرة، وقطع الغيار، والخبرة الأجنبية، وليس مرجحًا أن تستمر قطع الغيار هذه أو الأموال في التدفق على مصر في حالة نشوب حرب مع «إسرائيل».
أما سورية فإن زوال الاتحاد السوفيتي وإجراءات شراء السلاح الميسرة من جانبه سيؤدي بلا شك إلى تراجع كبير في قدراتها العسكرية، إضافة إلى أن القرار السياسي لم يتوافر للجيش السوري في اتجاه تكليفه بمواجهة استراتيجية مع «إسرائيل»، كما ظهر جليًا خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام ۱۹۸۲م، وليس من المتوقع أن يحصل الجيش السوري على قرار سياسي من هذا النوع في المستقبل المنظور.
وفقدت سورية بسبب حمق النظام العراقي رافدًا مهمًا لقدراتها الدفاعية في مواجهة «إسرائيل»، وهكذا أصبح العراق عاملًا في تحطيم الأمن العربي، كما لو أن جيشه يتلقى أوامره من تل أبيب لا من بغداد.
وإذا أخذنا بالاعتبار تورط الجيش الجزائري في حرب داخلية، وعدم نجاح مجموعة «دول مجلس التعاون» في تكوين قدرة دفاعية مهمة في المنطقة، وضعف الجيوش العربية الأخرى حجمًا وتمويلًا، تبين لنا أن إسرائيل احتكرت في الواقع العسكري المجرد قرار الحرب والسلام في المنطقة، أضف إلى ذلك أن منظمة التحرير ألقت السلاح منذ سنوات بعد أن كانت بعض عملياتها الجهد العسكري العربي الوحيد في وجه الصهاينة.
والعرب الآن يدركون كم هو مهين أن تفاوض طرفًا مدججًا بالسلاح وقادرًا على الحرب، بينما أنت أعزل إلا من سلاح واه هو الموقف الدولي والأمريكي المساند لـ«السلام»، في ظل ذلك لا يبقى للعرب إلا أن يشتموا «إسرائيل»، ويسخروا من اسم زعيمها نتنياهو.. فيا له من سلاح.