العنوان عندما لبس زعماء العالم قلنسوة اليهود!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 86
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
كانت جنازة جنرال الحرب الإسرائيلي إسحاق رابين عرضًا صاخبًا للنفوذ الذي حققه اليهود في السياسة الدولية، فحول جثمانه جلس زعماء العالم وصناع القرار في المسرح الدولي يستمعون إلى خطابات تأبينه وفوق قبره لبست القيادات التي تمسك بزمام العالم القلنسوة اليهودية ورتلت مع الحاخام عبارات من التلمود وترانيم لأحبار اليهود.
لقد جلبت سطوة اليهود ونفوذهم الاقتصادي والإعلامي زعماء الدول الصناعية الكبرى لحضور الجنازة، كذلك هرع إليها بعض زعماء العرب مجبرين ومطأطئي الرؤوس، وأرغم العالم على أن يمسك بأنفاسه ويتابع عبر مئات من القنوات التليفزيونية وعبر البث المباشر الطقوس اليهودية لدفن رابين، وأن يبكي المخدوعون والسذج هذا القائد العسكري العدواني الذي أرسل إلى قبره ويده لا تزال ملطخة بدماء عشرات الآلاف من العرب والمسلمين.
ومهرجان الموت الإسرائيلي هذا جاء رسالة إلى كل العالم بأن بني صهيون قد بلغوا الذروة في بغيهم ونفوذهم ونفيرهم في الأرض، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء:٦. ٧)
فلم يسبق أن احتشد زعماء الدول لجنازة رجل مثلما فعلوا لأجل رابين في إسرائيل، ولم تنكس أمريكا علمها لموت زعيم أجنبي قط ولكنها لمهلك رابين نكسته لثلاثة أيام ولبس رئيسها قلنسوة اليهود، وكلما سقطت من على رأسه أعادوها إليه، وذرف زعيم الولايات المتحدة الدموع استرحامًا واستعطافًا لليهود لكي يبقوه في منصبه.....
أما الإعلام الدولي والأمريكي منه على الخصوص. فكان أشد حرصا من إعلام إسرائيل نفسها على تمجيد الزعيم اليهودي الهالك، وعلى تسخير نفسه أداة في لَيِّ أعناق الأمم والشعوب، وإبقاء عيون العالم مفتوحة على المجتمع الإسرائيلي المفجوع بمصابه، فكان نقل دفن رابين مصدرًا غير مسبوق للدعاية للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وخصوصا في أوساط الشعب الأمريكي الذي كان قد ملَّ اليهود وكيانهم ونفوذهم داخل أمريكا وهيمنتهم على مؤسساتها.
هذا الإعلام لم يجرؤ على وصف القاتل إيغال عمير بالإرهابي، فالإرهاب لدى هؤلاء صفة صنعوها للعرب والمسلمين فقط ولا وجود له بين اليهود؛ بحساب الإعلام الغربي على الأقل.. أما عصابات المتطرفين اليهود المنفلتة من عقالها والتي أنتجت عمير، وأمثاله مثل باروخ جولدشتاين، الذي ذبح المصلين في الخليل فالإعلام الغربي المنحاز يعتبرهم حالات منفردة من المختلين نفسيًّا.
إن المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة كله إيغال عمير، و«باروخ جولدشتاين» وإذا كان من مقتضيات المشروع الصهيوني - الأمريكي في المنطقة أن يرفع هذا المجتمع – إلى حين – راية السلام، فإن الحروب التي شنتها إسرائيل على الأمة بقيادة جزارين مثل رابين، وشارون، وديان، قد أكدت قابلية الفرد الإسرائيلي على ارتكاب الفظائع متى ما سنحت له الظروف، وما جريمة قتل الأسرى المصريين في حرب ١٩٦٧م، التي تكشفت أخيرًا إلا أحد الأدلة على هذه الحقيقة.
إن المجتمع الصهيوني لا يريد السلام مع العرب، ولم يُرَبِّ أطفاله، وينشئ أجياله على فكرة الجوار مع المحيط الإسلامي الكبير، وإذا كان رابين، وبيريز أرادا المناورة بفكرة السلام في ظروف العقد الحالي لأجل مصالح استراتيجية مرحلية لإسرائيل فإن معظم أفراد الشعب اليهودي لا يستسيغون هذه اللعبة، ويرون أن تتحقق المصالح الاستراتيجية بالحرب فقط وهذا هو الفرق الوحيد بين الحمائم، والصقور اليهود.
وكما يرفض الحاخامات اليهود السلام، وكما صلوا للعن رابين وقتله، لأنه جرب المناورة بالسلام، فإن الشعوب العربية والمسلمة ترفضه أيضًا، ولكن لأن السلام بالمفهوم الصهيوني الجاري ليس إلا خنوعًا لليهود، وتسليمًا لهم بالأرض والهيمنة.
إن لإسرائيل الآن «سلام» قائم كما يزعمون – مع ثلاثة من الزعماء العرب، و«سلام» قريب مع زعماء آخرين يهرولون نحوها الآن، وسلام، أبعد مع زعماء عرب يخضعون للضغط الأمريكي الشديد، لكن إسرائيل ليس لها سلام مع أي شعب عربي أو مسلم، ولن يكون لها ذلك لأن كراهية اليهود جزء من عقيدة كل مسلم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: ۲۲) ولا يوجد الآن أحد يحاد الله ورسوله مثل اليهود.
وهؤلاء الذين تدافعوا لحضور جنازة الجنرال الهالك من المسؤولين العرب، هل كان لهم أن يفعلوا ذلك لو كانت لشعوبهم كلمة أو قرار أو شيء من الأمر؟ وهل يزيد هذا التهافت العربي على مصافحة إسرائيل اليهود إلا غرورًا وكبرًا واستعلاء على أمتنا المسلمة؟.
وهذا القاتل المقتول رابين والذي مات ويده تقطر بدماء الدكتور فتحي الشقاقي آخر ضحاياه من المسلمين أليس من الإسفاف أن يردد بعض السياسيين والصحفيين العرب كالببغاوات إطراء الإعلام الغربي له وصفات السلام والإنسانية التي أضفيت عليه.
إننا لا نملك في الختام إلا أن نكبِّرَ الله ونحمده على مقتل هذا المجرم اليهودي، كما كبر رسول الله صلي الله عليه وسلم وحمد الله حينما بلغه نبأ مقتل زعيم اليهود كعب بن الأشرف على يد ثلة من المسلمين، فكبروا الله واحمدوه أيها المسلمون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل