العنوان تأملات تاريخية- عندما يصبح الحق باطلًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-فبراير-1986
مشاهدات 77
نشر في العدد 755
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 18-فبراير-1986
تروي كتب السيرة أن رجلًا من المسلمين الذين رق إسلامهم، وضعف إيمانهم، يقال له «طعمة بن ابيرق» سرق درعًا من جاره، ثم خبأها عند يهودي وحامت الشبهة حول «طعمة» فالتمست الدرع عنده، فلم توجد، وحلف بالله ما أخذها وما له علم بها، ثم وجدت الدرع عند اليهودي، فسئل عنها فقال: دفعها إلى «طعمة» واستحفظني عليها، وشهد له بذلك أناس من اليهود.
فاهتم قوم طعمة للأمر، وأخذوا فيما بينهم يتناجون في وسائل تبرئة صاحبهم، وإلصاق السرقة باليهودي، دفعًا للعار الذي يلحقهم بين الناس.
بيت قوم طعمة ما بيتوا وانطلقوا إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأخذوا يثيرون نفسه على اليهودية بما يعرفه من عداوة اليهود للمسلمين، وبأن صنيعتهم في هذه الحادثة ليس إلا من كيد اليهودية المعروف، وبأنهم لا يعلمون عن صاحبهم «طعمة» إلا خيرًا، وأقسموا جهد أيمانهم على براءته وسرقة اليهودي، وسألوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يخاصم ويدافع عن صاحبهم، في سبيل تبرئته وإنقاذه من تهمة السرقة وأكثروا عليه في هذا الشأن، حتى كاد- بحكم الطبيعة البشرية- التي ليس لها من سبيل إلى معرفة بواطن الأمور - يتأثر بخداعهم وتلبيسهم، فبادره الوحي من السماء، يكشف له حقيقة الأمر، وينزل عليه فيه جملة من الآيات:
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: 105).
هذه الحادثة التي ابتلى بها النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو في المدينة كثيرًا ما يبتلى بمثلها الحكام والمسؤولون في كل زمان ومكان، حيث يتقرب إليهم نفر من الناس يلبسون لبوس التقى والصلاح والصدق والغيرة على الحق بالباطل، ويعملون جهدهم بأساليب ظاهرها الحرص على الحق والعدل وباطنها الخداع والتمويه في صرف هؤلاء المسؤولين عن إحقاق الحق وإبطال الباطل.
أليس إبعاد الشرفاء والمخلصين من الدعاة وتقديم بعضهم للمحاكمة وسجنهم وإعدامهم وتشريدهم إلا نتيجة وقوع الحكام في فلك بطائن الشر والفساد التي باتت تسيطر على معظم ديار المسلمين؟ أليس من الخطأ أن يفسح المجال أمام كل أفاك ليقول ما عنده وهو آمن على حين احتبست أصوات المخلصين في حلوقهم؟ أما كان الأجدر بهؤلاء الحكام أن ينقوا صفوفهم من عناصر الفتنة والشر قبل أن يتخذوا أي قرار وقبل أن يصدروا أي حكم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل