العنوان عندما يصبح الدب الروسي هيكلًا من ورق
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 766
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-مايو-1986
*حكاية اعتراف الاتحاد الوطني بـ«إسرائيل» بسبب احترامه لقرارات الأمم المتحدة من أكبر المغالطات.
*الاتحاد السوفييتي يدّعي دومًا أنه الجانب الذي يقف إلى جانب الشعوب في صراعها ضد الاستعمار.
*المواقف السوفييتية تجاه قضايا العالم الإسلامي وقضايا الدول والشعوب متناقضة.
المتمعن في حقيقة المواقف السوفياتية من القضايا التي تتعلق بمصالح الشعوب والتي تظهر على الساحة الدولية بين الحين والآخر وبخاصة تلك التي تتعلق بمصالح الشعوب الإسلامية، يجد أن مواقف السوفيات من هذه القضايا يشابه إلى حد كبير تلك المواقف التي كانت سائدة في الصين الشعبية أيام حكم ماوتسي تونغ، حيث كانت التصريحات والبيانات والخطب التي يطلقها زعماء الصين عن تأييدهم ومساندتهم للشعوب لا تتجاوز حدود هذه الخطب وتلك البيانات.. ولهذا فقد وصفت الصحافة العالمية الصين الشعبية بأنها لا تعدو أن تكون «نمرًا من ورق».
متى يكون الدب الروسي ورقيًّا؟!
بداية لا نشك في كون الاتحاد السوفياتي يشكل مع الولايات المتحدة القوتين العظميين الوحيدتين في هذا العالم.. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن غالبية القوى الأخرى في هذا العالم تدور إما في فلك القوة السوفياتية أو في فلك القوة الأمريكية، مع التأكيد على أن هناك درجات متفاوتة من حيث درجة الاقتراب من هاتين القوتين العظميين.
ومن الملاحظ أن الاتحاد السوفييتي كان يدّعي دائمًا أنه الجانب الذي يقف إلى جانب الشعوب في صراعها مع الجانب الاستعماري الذي تقوده الولايات المتحدة، وكان يساعده على ذلك الطرح الإعلامي حقيقة التوجهات الأمريكية المعادية للشعوب في معظم القضايا التي كانت تظهر على الساحة الدولية...
وكانت التوجهات الأمريكية المعادية للأمة الإسلامية قد توضحت بشكل ملموس من خلال الدعم الأمريكي المستمر للكيان الصهيوني على اعتبار القضية الفلسطينية كانت وما زالت هي القضية الأولى من حيث الأهمية العقائدية والوطنية والتاريخية وحتى المستقبلية.
وقد استغل الاتحاد السوفييتي هذا الوضع في محاولاته الدائبة لإيقاع المنطقة تحت نفوذه وهيمنته، إلا أنه ورغم السنوات الطويلة لم يتمكن من تحقيق سوى بعض النجاحات البسيطة التي لا تتناسب مع توجهاته وطموحاته وهذا يعود إلى أسباب عديدة تعود في معظمها إلى أصول عقائدية وتاريخية وحتى قطرية...
ولهذا نجد أن السياسة السوفياتية كانت تميل إلى منح قضايانا بعض التأييد الإعلامي وبعض التصريحات والبيانات.. ويقف في تأييده عند ذلك الحد بحيث أصبح راسخًا في أذهان الشعوب الإسلامية أن الاتحاد السوفياتي في مواقفه تجاه القضايا التي تهم هذه الشعوب لا يعدو أن يكون «دبًّا روسيًّا من ورق».
ولم يكن موقفه الأخير من الغارة الأمريكية على ليبيا هي التي دفعتنا إلى هذه النتيجة؛ لأن ورقية الدب الروسي كانت ماثلة في أذهاننا من خلال المواقف السوفياتية من قضايانا على مدى ما يقرب من أربعين عامًا أي منذ البدايات الأولى للقضية الفلسطينية حيث كان الاتحاد السوفياتي من أول المؤيدين لقيام الدولة اليهودية في فلسطين، وبعد أن قامت هذه الدولة عمد الاتحاد السوفياتي إلى تخدير الأمة العربية عبر بيانات التأييد الإعلامي المستمرة منذ ذلك الوقت، ويقول الدكتور بلاييف الخبير السوفياتي بشؤون الشرق الأوسط والمعبر عن وجهة نظر القيادة السوفياتية في مقابلة أجرتها معه مجلة المجتمع عام 1984م:
«الاتحاد السوفياتي كدولة كان يرى أن تكون هناك دولة عربية ودولة يهودية في فلسطين، وحصل قرار التقسيم وأيدنا القرار، ولكن للأسف قامت دولة اليهود ولم تقم دولة للفلسطينيين، وهذا ليس مسؤوليتنا إنما هي مسؤولية العرب».
ويقول أيضًا: أما أن نكون أول دولة اعترفت بإسرائيل أو ثاني دولة فهذا أمر يتعلق باحترامنا لمبادئ الأمم المتحدة في المجال الدولي ولقرارات المنظمة الدولية».
ونحن نترك للقارئ أن يدرك مدى المغالطات الواضحة في كلام الخبير السوفياتي فهو يقرن مسألة تأييده لقيام دولة يهودية بتأييده لقيام دولة عربية فلسطينية وهو يبدي أسفه لعدم قيام الدولة العربية.. والتأييد السوفياتي المزعوم يقف عند حدود إعلان الأسف.
أما حكاية اعتراف الاتحاد السوفياتي بإسرائيل بسبب احترامه لقرارات الأمم المتحدة فهذه من أكبر المغالطات؛ لأننا ومن واقع السياسة السوفياتية نعلم أن الاتحاد السوفياتي لم يكن في يوم من الأيام يعير قرارات الأمم المتحدة أدنى اهتمام، وبخاصة عندما تتعلق هذه القرارات بالسياسة السوفياتية، وامتلاك السوفيات لحق الفيتو لا يعطي قرارات الأمم المتحدة ذلك الحيز من الاهتمام.
والحقيقة الواضحة من تصريحات الخبير السوفياتي بلاييف وعشرات بل مئات المسؤولين السوفيات تدل على أن السياسة الإستراتيجية للاتحاد السوفياتي تؤيد قيام الدولة اليهودية في قلب العالم الإسلامي لاعتبارات أيديولوجية وسياسية واقتصادية..
فالسلاح السوفياتي كان يشكل العمود الفقري بالنسبة لنظام التسليح الذي تتبعه العديد من الجيوش العربية في سوريا والعراق ومصر والجزائر وليبيا.. وطبقًا لتقديرات دولية فإن الاتحاد السوفياتي باع ليبيا حتى نهاية العام الماضي أسلحة بقيمة 15 بليون دولار.. ولو قارنا هذا المبلغ بما دفعته سوريا وما دفعته مصر والعراق والجزائر.. لتبين لنا ضخامة المبالغ التي دخلت الخزينة السوفياتية نتيجة ما يدعيه الاتحاد السوفياتي من احترام لقرارات الأمم المتحدة.. ذلك الاحترام الذي دفعه لتأييد قيام الدولة اليهودية في فلسطين، كما يقول الخبير السوفياتي بلاييف.
هلامية التأييد السوفييتي
ومقابل ذلك كان الاتحاد السوفييتي يمنح العرب تأييدًا لقضاياهم عبر تصريحات إعلامية تتضمن كلامًا هلاميًّا ليس له أي مدلولات فعلية.. فعلى سبيل المثال تقول بعض تلك البيانات السوفياتية «إن الاتحاد السوفياتي يقف بكل إمكاناته إلى جانب الشعوب التي تناضل ضد الإمبريالية» «غن من حق الاتحاد السوفياتي التصرف طبقًا لما تمليه الظروف» «إن الاتحاد السوفياتي سيفي بالتزاماته الخاصة بزيادة تعزيز القدرة الدفاعية».. إلى آخر هذه البيانات الهلامية التي كانت القيادات السوفياتية تكررها مع كل حدث تتعرض له الأمة العربية سواء ذلك الذي حدث في ليبيا مؤخرًا أو عند الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للأراضي العربية سواء عام 1967م أو 1973م أو عند اجتياح لبنان عام 1982م، حيث تعرضت القوة العسكرية للفلسطينيين إلى ضربة كبيرة. وكانت القيادات السوفياتية تقف مكتوفة الأيدي باستثناء تلك التصريحات الهلامية التي تندد وتستنكر وتبدي استعدادها لبيع المزيد من السلاح للجيوش العربية وبالعملة الصعبة التي تحتاجها الخزانة السوفياتية لشراء التكنولوجيا الأمريكية لمصانعها ومؤسساتها الإنتاجية ولشراء القمح الأمريكي لإسكات الشعوب السوفياتية الجائعة.
تناقض المواقف السوفياتية
ونقصد بالتناقض هنا الاتجاهات المختلفة للسياسة السوفياتية نحو قضايا متشابهة، والذي يهمنا الإشارة إليه في هذا المجال هو التناقض الواضح في المواقف السوفياتية تجاه قضايا العالم الإسلامي وقضايا الدول والشعوب الأخرى، فبينما يضع السوفيات كل إمكاناتهم المادية والسياسية وحتى العسكرية لنصرة النظام الكوبي في بداية الستينيات أثناء أزمة الصواريخ ووضعوا إمكاناتهم لنصرة الثورة الفيتنامية ودعم النظام العسكري في إثيوبيا وفي بولندا وتشيكوسلوفاكيا نجد أن مواقفهم تجاه قضايا العالم الإسلامي في فلسطين ولبنان وليبيا تتسم بالميوعة والسلبية المطلقة باستثناء بعض البيانات التي لا ترد عدوانًا ولا تغطي خسارة.. رغم أن معظم الدول العربية التي تعرضت لمواقف عدوانية أمريكية أو إسرائيلية كانت ترتبط مع الاتحاد السوفياتي بمعاهدات تعاون وصداقة.
ونحن هنا لا نعني أن يقوم الاتحاد السوفياتي بدفع قواته للقتال على أرضنا نيابة عنا.. إنما نريد أن نشير إلى مدى التناقض بين طروحات وشعارات الاتحاد السوفياتي وبين مواقفه الفعلية حين يتعلق الأمر بقضية من قضايا العالم الإسلامي، وهذا يعني عدم مصداقية الاتحاد السوفياتي فيما يطرحه علينا من شعارات زائفة.
وأكبر دليل على ذلك موقفه من قضية أفغانستان التي تشهد منذ سبع سنوات عمليات قتل وحرق وتدمير على أيدي قوات الغزو السوفياتي لم يشهد العالم لها مثيلًا حتى في عهود هولاكو وجنكيز خان ورغم ذلك تدّعي القيادات السوفياتية أنها دخلت أفغانستان بطلب من حكومتها الشرعية.. ولنصرة الشعب الأفغاني!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل