; الأهلية الشرعية للقيادة الإسلامية (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الأهلية الشرعية للقيادة الإسلامية (1 من 2)

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 07-مايو-2005

مشاهدات 78

نشر في العدد 1650

نشر في الصفحة 66

السبت 07-مايو-2005

المهمات الملقاة على عاتق القيادة الإسلامية ثقيلة وثقيلة جدًّا، مما يجعل مسؤوليتها أمام الله أولاً، ثم أمام المسلمين كبيرة.

وقد تناول علماء السلف هذا الجانب بوضوح ودقة وتفنيد وإسهاب، وأفردوا له البحوث المؤصلة والدراسات المطولة، لما له من شأن عظيم وأثر بالغ على واقع حياة المسلمين ومستقبلهم.. على تقدمهم وتأخرهم... على قوتهم وضعفهم.. على نجاحهم وفشلهم.. على صلاح حالهم أو فساده، مصداقًا لقوله ﷺ «صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء».

فمما يختصره -في هذا الشأن- الإمام أبو يعلى الحنبلي في كتابه الأحكام السلطانية أمور عشرة يستوجب توافرها في الأمراء والقادة، لتتحقق فيهم الأهلية الشرعية، وهي:

1- حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة.. فإذا زاغ ذو شبهة عن ذلك بيّن له الأمير أو القائد الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل.

ومن هذا يتبين لنا أن المهمة الأولى والأساسية للقيادة الإسلامية حفظ الدين؛ لأنه إن ضاع الدين ضاع كل شيء، ولا قيمة بعد ذلك لأي شيء...

وفي ضوء ذلك يتعين على القادة والأمراء المسلمين والإسلاميين أن يقدموا هذا الهم على أي هم آخر من الشؤون التنظيمية والإدارية والسياسية وغيرها.. وماذا تجدي هذه المفردات والفروع إن ضاع الأساس وفقد الجوهر؟

2- تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.

وجوهر هذا البند أنه يحفظ وحدة الجماعة المسلمة، ويزيل من الصف العداوة والبغضاء، ويجعل الأفراد إخوة متحابين لا أعداء متنازعين متخاصمين.

والإسلام يجعل القيادة المسؤولة عن تحقيق ذلك عبر التربية والتزكية والنصح والتذكير، كما عبر الموقف العادل بين الجميع، ومن خلال إنفاذ سنة الثواب والعقاب.. فلا انحياز ولا ممالأة؛ إذ الصغير والكبير، والقريب والبعيد، أمام شرع الله سواء؛ فالله تعالى ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته.

3- حماية بيضة الإسلام، والذب عن الحمى، لينصرف الناس إلى أعمالهم ومعايشهم وينتشروا في الأرض أمنين.

ويستفاد من هذا البند أن أمن المسلمين أفرادًا وجماعات ومؤسسات مسؤولية القيادة أولاً، مع العلم أن كل راع مسؤول عن رعيته، وأن كل فرد يجب أن يكون خفيرًا وحارسًا على ثغر من ثغور الإسلام.

فإذا أهملت القيادة هذا الجانب، ولم تأخذ بالأسباب الموجبة والمؤدية إلى تحصين صف الجماعة تكون آثمة بحسب نسبة الضرر الذي سيلحق بالجماعة نتيجة إضاعتها للثغور، وتفريطها بأمن وسلامة المسلمين.

4- إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.

إن هذا يعني ألا تساهل في الانتهاكات الشرعية مع أحد كائنًا من كان، وأن القصاص يجب أن يطال من تثبت إدانته وتقام عليه الحجة ولو كان الأقوى وصاحب الجاه والمال والسلطان أو الأقرب إلى الأمير والقائد وصاحب الشأن والقرار. حيث القدوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».

5- تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الرادعة، حتى لا يظفر الأعداء بثغرة ينتهكون بها محرمًا، ويسفكون فيها دمًا لمسلم.

وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على وجوب الإعداد والاستعداد، وتحاشي كل الأسباب التي تؤدي إلى الضعف والتخاذل والفشل والهزيمة.

والإعداد يبدأ بقوة العقيدة، ووحدة الصف، وحسن القدوة والثبات على الحق والطاعة بالمعروف، والتضحية في سبيل الله بكل غال ونفيس.

 

(*) كاتب ومفكر إسلامي لبناني.

الرابط المختصر :