العنوان عودة السيناريو القديم
الكاتب مصباح الله عبدالباقي
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001
مشاهدات 58
نشر في العدد 1478
نشر في الصفحة 22
السبت 24-نوفمبر-2001
تخوفات من تكرار التجربة السابقة على مجيء طالبان بما تحمله من حروب وإراقة للدماء.
خرجت قوات طالبان من أغلب المدن الكبيرة والولايات الأفغانية، غير بعض المناطق في جنوب غربيها، وسقطت هذه المناطق بيد القادة الميدانيين السابقين والقيادات والمنظمات الجهادية التي تعيد ذاكرة الإنسان إلى الحروب الأهلية المدمرة بين سنتي 1992 و 1996م.
فقد دخلت مدينة مزار شريف وأغلب الولايات الشمالية قوات الجنرال عبدالرشيد دوستم والمليشيات الأوزبكية الأخرى مع قوات حزب الوحدة الشيعي، وقوات الجمعية الإسلامية التي يرأسها الأستاذ برهان الدين رباني، وهذه المناطق كانت قد شهدت حروبًا طاحنة بين تلك القوى الثلاث التي جمعها التحالف الشمالي لمواجهة خصم مشترك هو حركة طالبان.
ووقعت ولاية باميان بيد حزب الوحدة الشيعي كما كانت قبل استيلاء طالبان عليها.
وأما المناطق الجنوبية الغربية المتاخمة للحدود الإيرانية، فقد استولى عليها والي هرات السابق الجنرال محمد إسماعيل خان.
ووقعت الولايات الشرقية مثل ننجرهار وكونر ولغمان بید شوری ننجرهار التي كانت منقسمة على نفسها، وكانت الفوضى تسودها، فقد وردت أسماء القادة الميدانيين التالية أسماؤهم ممن دخلوا جلال آباد: الحاج عبد القدیر خان والي ننجرهار السابق ورئيس شورى الولايات الشرقية، والمهندس عبد الغفار الذي كان تابعًا للحزب الإسلامي (حكمتيار)، ومحمد زمان التابع لجماعة سيد أحمد جيلاني والمعروف بالفساد الأخلاقي، والحاج روح الله التابع لجماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة وغيرهم، وهؤلاء لا يجمعهم سوى المصالح الشخصية، ويريدون أن يستفيدوا من اسم الشيخ محمد يونس خالص الشخصية المقبولة شعبيًّا مع حالته الصحية المتدهورة التي لا تسمح له بالحركة من فراشه.
وتحركت المجموعات المسلحة في كل المناطق التي انسحبت منها قوات طالبان لأن التحالف الشمالي لا يستطيع أن يملأ الفراغ الناتج عن انسحاب قوات طالبان في الولايات الشرقية والجنوبية، ولو فعل لتشتت قواه ولن يتمكن من بسط السيطرة عليها لاتساعها، ولأنها خارجة عن دائرة نفوذه، ومن هنا كانت هذ المجموعات التي ملأت الفراغ تابعة للقادة الميدانيين السابقين في وسط وجنوب وشرق وشمال وغرب أفغانستان، ولا يزال بعض المناطق خاضعًا لسيطرة طالبان.
يبدو الوضع الراهن تكرارًا للسيناريو الذي كان بعد سقوط حكومة نجيب الله الشيوعية سنة 1992م والذي استمر إلى سنة 1996م حيث استولت طالبان على كابل وأغلب الولايات الأفغانية.
لكن هناك بعض التغييرات البسيطة منها غياب الحزب الإسلامي (حكمتيار) سياسيًّا وعسكريًّا عن الساحة، حيث لا تجد له وجودًا إلا عن طريق بعض القادة الميدانيين التابعين له الذي انضموا للتحالفات الأخرى، وكذلك لا توجد قوات مناوئة لقوات الجمعية الإسلامية وبالأحرى لقواء شورى النظار التابعة للقائد الراحل أحمد شاه في كابل وهي تتمتع بحرية أكبر فيه لعدم وجود قوات الحزب الإسلامي وقوات حزب الوحدة الشيعي ومليشيات دوستم.
الأمر الآخر الذي تجدر الإشارة إليه هو عدم وجود أسلحة متطورة إلا عند قوات الجمعية الإسلامية (رباني) التي تتلقى المعونات والسلاح والعتاد باستمرار من روسيا ولن تحصل المجموعات الأخرى على تلك الأسلحة إلا إذا وجدت من يساعدها لاستمرار الحرب من القوة المحلية والدولية التي ترى مصالحها في خطر في ظل حكومة معينة.
ومن التغييرات التي تجعل الوضع يختلف عما كان عليه بعد سقوط الحكومة الشيوعية بروز المجموعات التي تنادي بعودة ظاهر شاه في المناطق الجنوبية مثل: ولایات خوست وبكتيا وبكتيكا.
ومن هنا يتخوف المحللون من تكرار التجربة السابقة المليئة بالمآسي التي تقشعر لهولها الأبدان من حرب وإراقة للدماء البريئة ودمار اقتصادي كامل، وتشريد للأبرياء والعزل من سكان المناطق والجور على أموال الناس وأعراضهم وغير ذلك.
ويتخوف المراقبون للوضع الداخلي عن كثب من سيادة لوردات الحرب التي أوصلت المجتمع الأفغاني في التجربة الماضية إلى العصر الحجري، وأن يصل الأمر إلى حالة من الفوضى واللانظام فلا يأمن الإنسان على نفسه ولا ماله ولا عرضه، كما كان الأمر قبل مجيء طالبان والذي كان سببًا في ترحيب الناس بحركة طالبان؛ ذلك لأنه لا يمكن إيقاف لوردات الحرب والمجموعات المسلحة غير المنضبطة عند حدها في ظل غياب حكومة مركزية قوية.
ويتخوف المحللون أيضًا من تقسيم أفغانستان مرة أخرى إلى مناطق ذات سيادة مستقلة مثلما كان الأمر قبل استيلاء طالبان على السلطة؛ فكل مجموعة ومنظمة تريد أن تحكم الدائرة الحكومية والولاية التي تسيطر عليها باستقلالية شديدة، بحيث لا تعطي أحدًا حق التدخل أو المحاسبة، وهذا سيؤدي إلى تشكيل دويلات داخل الدولة.
هذا إذا لم تتعلم القوى المسيطرة على الوضع دروسًا من تجربتها السابقة، وإذا أرادت أن تخوض معارك لإبعاد الناس عن المشاركة في الحكم وأصرت على إبعاد القوى السياسية والوطنية عن المشاركة في استعادة النظام وإذا بحثت كل الدول المجاورة والقوى المحلية والدولية عن مصالحها الخاصة.
وأما إذا تعاملوا بتعقل وإخلاص واتفقت القوى السياسية والعسكرية الموجودة على الساحة على إعادة الأمن والاستقرار وسمح جيران أفغانستان -وساعدت القوى الدولية والمحلية على ذلك من غير أن تبحث كل دولة عن مصالحها الخاصة في أفغانستان - فلا يستبعد أن يسود الأمن والاستقرار.