; غرقت القدس في بحر المستوطنات | مجلة المجتمع

العنوان غرقت القدس في بحر المستوطنات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1374

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

۲۹ مستوطنة يهودية أقيمت حول القدس يزيد عدد سكانها على عدد سكان القدس العرب

وثيقة أبو مازن - بيلين موجودة رغم تبرؤ السلطة منها وباراك لا يمانع أن تكون أبو ديس العاصمة المقدسية للسلطة

تثير حركة الاستيطان المحمومة في داخل القدس العربية المحتلة وحولها تساؤلات حول جدوى الجلوس والتفاوض على الوضع المستقبلي المدينة محاطة بالمستوطنات الصهيونية من كل جانب، بل إن الزحف الاستيطاني اليهودي اخترقها من الداخل ووصلت الأنشطة الاستيطانية إلى مشارف المسجد الأقصى أو على مرمى حجر منه.

سيدخل مفاوضو السلطة الفلسطينية قاعة مفاوضات الوضع النهائي وأمامهم حقائق جغرافية، وديموغرافية جديدة ابتدعتها يد الإرهاب الصهيونية، وهي حقائق لم تكن موجودة يوم احتلال الدولة اليهودية لها عام ١٩٦٧م، بل إن كثيرًا منها لم يكن موجودًا لحظة توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم الذي نص على تأجيل بحث وضع القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي بعد مرحلة انتقالية بلغت خمس سنوات وانتهت صيف هذا العام.

القدس اليوم ليست القدس التي يعرفها العرب والمسلمون عندما كانوا يزورونها قبل احتلالها عام ١٩٦٧م في ذلك العام لم يكن فيها بيت يهودي ولا أثر يهودي، أما اليوم فيحيط بها ٢٩ مستوطنة من جميع الجهات بشكل يفصلها عن محيطها العربي وهي بهذا الشكل تعزل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، كما تتطفل على أحيائها العربية اليوم وقريبًا من المسجد الأقصى مستوطنتان یهودیتان بدأهما الإرهابي نتنياهو ويكمل بناهما رجل السلام الجنرال باراك أضف إلى ذلك العديد من البؤر الاستيطانية المتناثرة وهي عبارة عن منازل عربية تعود إلى عائلات مقدسية غائبة، بحكم القانون الإسرائيلي الذي يجيز مصادرتها، أو بيوت احتيل على أصحابها من قبل سماسرة الأراضي المتعاونين مع اليهود، وقليل من تلك المنازل باعها اصحابها تحت إغراءات كبيرة إما لضيق اليد أو بعد أن وضعتهم سلطات الاحتلال أمام خيار البيع أو المصادرة

أما الآثار اليهودية فلا أثر واحدًا منها في المدينة وهو ما يثير حنق اليهود وعلى الرغم من أن بعض علماء الآثار الإسرائيليين قد أكدوا على حقيقة عدم وجود أي أثر يهودي في القدس إلا أن هذه الحقيقة تصادم أحلامهم في تهويد المدينة وإثبات أنها كانت عاصمة المملكة إسرائيل التي زالت وحتى حائط البراق أو المبكى الذي يولول اليهود عليه تباكيًا على المدينة التي دمرها الرومان سنة ٧٠ قبل الميلاد، اعترف بعض المختصين اليهود بأنه ليس أثرًا يهوديًّا، وأنه ليس سوى حائط تم بناؤه في زمن الحكم العثماني وعلى الرغم من كل ذلك يجري حفر الأنفاق تحت أساسات المسجد الأقصى مهددة إياه بالانهيار بحثًا عما يحاولون زعمه بأنه آثار يهودية.

وعند الحديث عن القدس الشرقية ينبغي التأكيد على أن القدس الغربية نفسها التي احتلها الصهاينة عام ١٩٤٨م لم تكن يهودية قبل ذلك العام وقليل من المصادر تأتي على ذكر أن غالبية اراضي القدس الغربية هي في الأصل ملك للفلسطينيين كما أن كثيرًا من المصادر تتجاهل حقيقة أن سلطات الاحتلال اليهودي طردت أكثر من ألف فلسطيني من القدس الغربية، والقرى التي حولها وخصوصًا لفتا، ودير ياسين، وعين كارم، والمالحة وقد صودرت أملاك سكان القدس الغربية وتلك القرى القريبة بدعوى أنها أملاك غائبين فمبنى الكنيست الصهيوني ومباني بعض الوزارات وفندقا هيلتون، وسونيستا مبنية على أراضي قرية لفتا شمال غرب القدس، بينما مستشفى هاداسا الشهير مشيد على اراضي قرية عين كارم وما يعرف بمنتزه الاستقلال مقام على انقاض مقبرة للمسلمين في المنطقة فما جرى كان تهويد للقدس الغربية عام ١٩٤٨م ثم انتقل التهويد إلى القدس الشرقية بعد عام ١٩٦٧م.

حركة استيطانية مسعورة

تشكل المستوطنات اليهودية حلقتين تحيطان بالقدس الشرقية وتعزلانها عن بقية الضفة الغربية كما تقسمان الضفة إلى نصفين، فهناك الحلقات الداخلية في القدس الشرقية بينما الحلقة الخارجية المسماة بالقدس الكبرى تصل إلى مشارف رام الله شمالًا وبيت لحم جنوبًا وأريحا شرقًا في منطقة تغطي حوالي ٣٠% من مساحة الضفة الغربية البالغة حوالي ستة ملايين دونم.

هناك ۲۹ مستوطنة يهودية حول القدس مقاة على حوالي ۲۲ ألف دونم مسروقة من أراضي القرى التي تحيط بالقدس ويزعم مكتب الإحصاءات الإسرائيلي أن عدد المستوطنين اليهود في هذه المستوطنات وداخل القدس العربية يفوق عدد سكان القدس العرب الذي يقدر بحوالي ۱۸۰ ألفًا، حسب أرقام المكتب وقد أشار المكتب نفسه إلى أن 6۳,۷۰۰ مستوطن يهودي تركوا هذه المستوطنات بين عامي ۹۲ - ١٩٩٥ م لأسباب مختلفة ويبدو أن ذلك المؤشر قد نغص على المسؤولين الإسرائيليين حياتهم، وقد أوضح موقع الإنترنت الخاص بوزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد اليهود الذين غادروا القدس خلال العقد الماضي كان له تأثير كبير على وضع المدينة من الناحيتين العددية والنوعية، وأنه يجب معالجة هذه المسألة بشكل عاجل، ومن الضروري وقف الهجرة العكسية خارج القدس وتشجيع المهاجرين على الاستيطان في القدس على أساس دائم.

 وعلى الرغم من أن الحركة الاستيطانية اليهودية مستمرة منذ عام ١٩٦٧م وحتى يومنا هذا إلا أن أخطرها تلك الحمى الاستيطانية التي تجري داخل القدس العربية والبلدة القديمة تحديدًا كونها تعمل على طمس الأماكن المقدسة وتغيير معالمها الإسلامية ومن ثم تكريس الهيمنة السياسية على المدينة المقدسة ففي مطلع عام ١٩٩٧م أعلن بنيامين نتنياهو عن مخطط بناء مستوطنة يهودية في قلب القدس المحتلة وعلى جبل أبو غنيم تسمى مستوطنة هارحوما، وكانت فكرة المشروع قد تولدت عام ۱۹۹۰م حين شكل المجلس البلدي اليهودي للقدس فريق خبراء للتخطيط لحي يهودي جديد في جبل أبو غنيم قرب صور باهر جنوبي القدس، وتبلغ مساحة المشروع حوالي ١٨٥٠ دونما كان الصندوق القومي اليهودي قد وضع يده عليها وتتشكل المستوطنة من حوالي ٦٥٠٠ وحدة سكنية تستوعب حوالي ٢٥ ألف مستوطن يهودي.

 ولم يكن الإسرائيليون ليبدأوا أعمال البناء في مستوطنة أبو غنيم لو استمرت انتفاضة الفلسطينيين ضد مشروع النفق الذي حفره نتنياهو تحت المسجد الأقصى في سبتمبر ١٩٩٦م وهي الانتفاضة التي ذهب ضحيتها أكثر من سبعمائة فلسطيني بين شهيد وجريح لكن مسارعة الرئيس الفلسطيني للاستجابة إلى دعوة البيت الأبيض لعقد لقاء في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في ذلك الوقت وبرعاية أمريكية أخمد الثورة الشعبية الفلسطينية، وقد وعدت القيادة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية بكبح جماح أي احتجاجات فلسطينية مستقبلية، وهو ما شجع الإسرائيليين على إعلان مشروع هارحوما الذي لم يجابه فلسطينيًّا بنفس القوة التي ظهرت في أحداث النفق.

لقد بدأت أعمال البناء في مستوطنة أبو غنيم بهدوء نسبي ودون ردود فعل فلسطينية قوية، وهو ما شجع الحكومة الإسرائيلية على الزحف إلى قلب البلدة القديمة وفي منطقة رأس العامود بعد أن استولی قطعان المستوطنين على قطعة أرض في المنطقة تبلغ مساحتها ثلاث هكتارات وزعم المليونير الأمريكي اليهودي موسكوفيتش أنه اشتراها قبل مدة ويهدف مشروع مستوطنة رأس العامود الذي بدأت أعماله قبل فترة وجيزة إلى بناء ۱۳۲ وحدة سكنية لتوطين أكثر من ٧٠ عائلة يهودية

مستقبل القدس

كل المؤشرات التي ظهرت تؤكد أن وثيقة أبو مازن - بيلين ستكون أساساً للتسوية المتوقعة في مباحثات الوضع النهائي حول وضع القدس المستقبلي، على الرغم من محاولات الجانب الفلسطيني نفي وجود هذه الوثيقة وتأكيده أن ما تم لم يتعد نطاق الدردشات بين محمود عباس أبو مازن، وهو الخليفة المتوقع لعرفات وبين يوسي بيلين أحد أقطاب حزب العمل الإسرائيلي الحاكم ووزير العدل في حكومة رابين السابقة.

ولا تنفع محاولات التضليل التي مارستها قيادة السلطة للفت الأنظار بعيدًا عن هذه الوثيقة التي توصل إليها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في عام ١٩٩٦م والتي يقال إن اغتيال رابين قد حال دون توقيعها فحكومة العمل التي صاغت تلك الوثيقة عادت مرة أخرى إلى واجهة الحكم الإسرائيلي لتقود التفاوض مع السلطة الفلسطينية حول الوضع النهائي للقضايا المركزية الأهم وهي القدس والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة، ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين والحدود وقد أكد الباحث الفلسطيني المقرب من السلطة الفلسطينية الدكتور خليل الشقاقي وجود وثيقة أبو مازن - بيلين، ووصفها بأنها تنطوي على تنازلات من الطرف الفلسطيني عن ثوابته المعلنة وقال إنها لا تحقق المصالح الفلسطينية العليا.

وخلاصة هذه الوثيقة المعلقة السماح الفلسطينيين بإقامة دولة لهم ضمن الشروط الإسرائيلية، وتكون عاصمتها قرية أبوديس ضواحي القدس الشرقية، بعد ضمها إلى حدود القدس البلدية لكي تسمى القدس، باللغتين العربية والإنجليزية، بينما تظل القدس الأصلية التي يطلق عليها جيروزاليم تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة مع السماح بتواجد فلسطيني رمزي في منطقة الحرم القدسي الشريف

ويؤكد غازي السعدي الخبير في الشؤون الإسرائيلية على أن حكومة باراك قد أعدت أوراق عمل خاصة بمفاوضات الوضع النهائي التي بدأت الشهر الماضي بجلسة بروتوكولية واحدة ثم توقفت وتتحدث هذه الأوراق عن إمكان إقامة دولة فلسطينية وعن حدود هذه الدولة التي ستكون منزوعة السلاح ودون جيش كما أن منطقة وادي الأردن والحدود النهرية مع الأردن مستظل تحت السيطرة الإسرائيلية.

أما الورقة الإسرائيلية الخاصة بالقدس فهي تعزز ما جاء في وثيقة أبو مازن - بيلين حيث تطرح إمكان توسيع مساحة القدس عن طريق ضم عدد من القرى العربية إليها بما فيها قرية أبوديس وهو ما سيسمح حسب رأي حكومة باراك للفلسطينيين باعتبار أبوديس المقدسية عاصمة للدولة الفلسطينية، كما تطرح إيجاد معبر مفتوح من أبوديس العاصمة، إلى المسجد الأقصى دون الاحتكاك بقوات الأمن الإسرائيلية.

 وتشير صحيفة ها أرتس الإسرائيلية ۱۹۹۹/۹/۱۲۰م، إلى عدد من اللقاءات غير الرسمية عقدت بين شخصيات سياسية وأكاديمية إسرائيلية وفلسطينية في بعض العواصم الأوروبية خلال الصيف الأخير المناقشة وضع القدس النهائي، وقد الخصت الصحيفة نتائج تلك اللقاءات بأنها بحثت تسوية أربع مسائل رئيسة وهي الأماكن المقدسة. والسيادة والإدارة البلدية، وحدود المدينة وذلك على النحو التالي:

الأماكن المقدسة: يتمتع الفلسطينيون حاليًا بحكم ذاتي ديني كامل في الحرم القدسي الشريف وسيبحث في مفاوضات الوضع النهائي إمكان السماح للفلسطينيين أيضًا برفع علم ديني أو سياسي فوق الحرم القدسي إضافة إلى ما تحدثت عنه وثيقة أبو مازن - بيلين وورقة الحكومة الإسرائيلية الجديدة بخصوص الممر الآمن بين أبوديس والحرم القدسي يكون تحت سيطرة فلسطينية محدودة

السيادة إيجاد مناطق مجردة من السيادة وخاصة بلدة القدس القديمة تقوم فيها إدارة دينية مشتركة إضافة إلى توسيع حدود المدينة وتقسيمها من جديد، وفق ما يشترطه الإسرائيليون ويحددونه.

الإدارة البلدية توسيع صيغة الأحياء وفق خطة إسرائيلية تدعو إلى إعطاء السكان الفلسطينيين في القدس حكماً ذاتياً على السكان وليس على الأرض وهي صيغة غريبة، كما يعطون صلاحيات إدارية موسعة

حدود القدس إضافة إلى تغيير الحدود بعد توسيع المدينة وتقسيمها من جديد، سيحاول الطرفان إيجاد ارتباط بين البلدة العليا للقدس ومنطقة متروبيلين القدس التي تمتد خارج حدودها البلدية

مؤشرات الحل النهائي لمدينة القدس غير مطمئنة ولا يتقابل بها سوى الطرف الصهيوني إن صورة القدس قائمة الآن وستبعث على الاكتئاب أكثر عندما يضع المفاوض الإسرائيلي مخططاته وتصوراته لوضع القدس النهائي على الطاولة، بينما سيكتفي المفاوض الفلسطيني بالاستماع وهز الرأس فقد أضحى هذا وللأسف أقصى ما يمكن أن يفعله مفاوضونا البائسون.

 

الرابط المختصر :