العنوان غزة الكاشفة والفاضحة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1837
نشر في الصفحة 43
السبت 31-يناير-2009
ما أظن أنني قرأت في تاريخ المعارك أو في نشاط الملاحم ما يقارب روعة أو عظمة أو صمود غزة، أو بطولة شعبها الأسطوري الذي بهر الجميع وأذهل المراقبين من شرق وغرب ثبات وشجاعة، وتحمل واستبسال وتضحية، سطرت على جبين التاريخ منظومة من الروائع في كل جوانب النزال والصمود والعطاء.
وكان لهذه الروائع العظيمة آثارها الجاذبة وإرهاصاتها المؤثرة في كل من شاهدها أو عايشها، وكان من آثار ذلك وبركاته:
1-توحيد السنة والشيعة حتى غابت الفروق بين جماهير الأمة، وتوحد الجميع حول بطولة المقاومة، وتجمعت الأمة حول قضية واحدة والتفت الجماهير حول راية مقدسة، حيث لم يسبق أن حظيت معركة في العصر الحديث منذ عقود بمثل هذا المستوى من الإجماع، وإن ساعد على ذلك وضوح الحق وسلامة الوجهة أو ظهور العدوان الإسرائيلي الفج، وظلمه وهمجيته، وطهارة الرموز المجاهدة الذين عرفوا باستقامتهم، وتضحياتهم بأنفسهم وأبنائهم في سبيل الله.
2-توحيد التيارات المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من صوفي إلى سلفي إلى إخواني إلى رجل الشارع العادي من أهل التدين الفطري، بل حتى من غير المتدينين ممن لم يتحملوا بشاعة العدوان الجائر الغادر.
3-التعاطف الإنساني لشعوب العالم، وفي هذا السياق ذهب دبلوماسي ترويجي في حديث لقادة «حماس» إلى حد القول: إنه لو علم الإسرائيليون بأن ما سيفعلونه سيفجر العالم على هذا النحو، ويجدد التعاطف الاستثنائي مع «حماس»، لما شنوا عدوانهم على القطاع.
ومن شاهد المسيرات المليونية التي اندلعت في عشرات المدن والعواصم الغربية، احتجاجًا على الحرب الظالمة التي شنتها الصهيونية بدعم غربي على غزة تذكر مثيلاتها التي اندلعت احتجاجًا على الحرب الظالمة التي شنتها دول غربية على العراق، كما أدت تلك الهجمة الصهيونية إلى شراكة مهمة جدًا بين الحركة الإسلامية وقوى غربية تحررية معظمها يسارية وبعضها يهودية تقدمية أو دينية معادية للصهيونية.
4-هذه الحرب أدت إلى ترميم الجروح التي حاول خصوم الإسلام جعلها نازفة دائمًا خدمة للقوى المعادية للإسلام والمسلمين، حيث جعلت هناك شراكة بين التيار الإسلامي وبقية التيارات الأخرى على كل الصعد، وهو ما سيجعل الحس الغربي شيئًا فشيئًا يلتفت إلى قضايا الإسلام العادلة التي شوهها اللوبي اليهودي، والتي وصمها دائما بقضايا الإرهاب والتعدي وصنف المسلمين زورًا بأنها قوى معادية، وهذا ما جعل الصهيونية دائما يجعلون الرأي الغربي ورقة في جيوبهم يسرفون دائمًا في التلويح بها في وجوه العرب والمسلمين، فجاءت حرب غزة، فقلبت الموازين، وجعلت هناك شراكة تضامنية مع قوى التحرر المناضلة، وهذا مثل بداية مهمة لتحولات استراتيجية في علاقة الإسلام بالغرب.
5-هذه الحرب جعلت للإعلام العربي دورًا مهما في بناء الوعي عند الأمة، ورسمت الدور الجهادي والحربي الذي مثل البطولة الثانية بجانب العمل الجهادي، حيث شكل الوعي وجيش الأمة، وساهم في إظهار البشاعة، وفضح المظالم، وجعلها مرئية معاشة، مما جعل الضمير العالمي يعايش المأساة دقيقة بدقيقة وكان لقناة الجزيرة وقناة الأقصى، وقناة الحوار ريادة عظيمة في هذا المجال.
6-تحريك المياه الراكدة في الأمة ولفتها إلى طريق البطولة، وبعث النخوة في الشباب وزرع الأمل في الناس، وجعله واقعًا لا خيالًا، وذكرت العاملين في الحقل الإسلامي بالصحب الأول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:107)
7-نشرت هذه الحرب قوائم الرابحين والخاسرين الذين ظهرت سوءاتهم في هذه المعركة، كما ظهرت هناك قوائم الكتاب العرب الذين مثلوا الأبواق الصهيونية في الحرب على غزة، والتي أوصت وزير الخارجية الصهيونية بوضعهم على قائمة الشرف الصهيونية، وطبع مقالاتهم التي تمثل وجهة النظر الصهيونية وقال فيهم أولمرت بأنهم أكثر صهيونية من «هرتزل» نفسه.
وأخيرًا نختم بالرابحين الأبطال الذين صدقوا في هذه المعركة العظيمة التي هزت الضمير العالمي، وصمدوا وكان لهم الفضل في النصر العظيم، وأول هؤلاء الرابحين هم أهل غزة الأبطال.
وثانيًا: المقاومة الباسلة التي أرغمت العدو على التسليم بالهزيمة.
وثالثًا: قيادات«حماس»، التي ما وهنت وما ارتعدت وما فرطت وما ضيعت من وقت وجهد وواصلت الليل والنهار، وواجهت المصاعب والأزمات والتحديات والحصار والخيانات والعمالات الداخلية، ونقص المؤن والذخائر، لهم الشكر في ذلك، حيث تحملوا نيابة عن الأمة المسكينة المصابة بزعاماتها الكثير الكثير، ولهم الثواب الجزيل إن شاء الله.
رابعًا: قيادة قطر الباسلة التي دافعت بكل قوة عن مجاهدي الأمة الأبطال ومنحت أجواءها وإعلامها، وأذرعها لدعم الصمود الأسطوري، فجزاها الله خير الجزاء قيادة وشعبًا.
خامسًا: موقف تركيا وموقف رئيس وزرائها «أردوغان» الذي أثار سخط الإسرائيليين ووقف شامخًا مدافعًا عن الحق وعن الجهاد النهاض الذي يدافع عن شرف الأمة العظيمة، ومازالت كلماته الجريئة ترن في آذان الإسرائيليين حيث قال: نحن الذين أويناكم حيث استوعبكم أجدادنا العثمانيون عند فراركم من البطش الغربي.
سادسًا: ظهرت شجاعة أحرار العالم ومنهم الرئيس الفنزويلي «هوغو شافيز» الذي طرد السفير الإسرائيلي من بلاده، احتجاجًا على حرب غزة ودعما لكفاحها.
هذا، ومن اللافت في هذه الحرب أن هناك أثمانًا باهظة دفعت في هذه الحرب، دفعت غزة جمهورا من الشهداء حوالي ١٤٠٠ شهيد، وقرابة الـ ٥٠٠٠ جريح، هذا على صعيد المعارك، أما على صعيد الاضطهادات والاعتقالات والسجون فقد نال الإخوان المسلمون النصيب الأوفى، وكل ذلك قليل في سبيل الله.
هذا قليل من كثير كشفته هذه المعركة الفارقة بين الحق والباطل، والفاضحة للعمالات والجبن والخور، والله أسأل أن يشد من أزر المجاهدين، والمخلصين، آمين آمين.