; غزة.. بين تقاعس العرب وعرقلة الدور التركي | مجلة المجتمع

العنوان غزة.. بين تقاعس العرب وعرقلة الدور التركي

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1837

نشر في الصفحة 20

السبت 31-يناير-2009


  • يزداد الحصار ويتفاقم التضييق وفي المقابل نستقبل العدو الفاجر بالأحضان والقبلات!
  • ينسى الكذاب ما يقول في تناقض مع نفسه ويحاور ويجادل وينسى أن عين الله ترقبه وعيون الناس تسخر من كذبه وافترائه وبهتانه.

أن يكذب الطفل الصغير خوفًا إذا أخطأ، أو طمعًا إذا أراد أن ينال ما يريد فقد يغفر له، لأنه طفل؛ ومن دواعي الخوف والرجاء أن يبتعد عما يكره، ويحاول أن ينال ما يريد.

أما أن يكذب الكبير «الكبير في سنه وفي المكانة التي أوكلت إليه» فهذا أمر معيب وعجيب.. وعندما يتحرى الكذب ويدافع عن البهتان وهو يتخيل أنه يخدع الله ويخدع الناس، فهذا من العجب العجاب ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (سورة البقرة آية: 9). وينسى الكذاب ما يقول؛ فيتناقض مع نفسه، ويحاور ويجادل مبررًا، وينسى أن عين الله ترقبه، وعيون الناس تسخر من كذبه وافترائه وبهتانه!

وتظهر ملكات الكذب ويتبارى الكذابون في

أيام المحن والشدائد، فيبين الدجل والتبرير والتزوير بتخبط الكذاب، وتعمد الافتراء والإفك، وتبرز الصورة في أجلى حالاتها في تلك الأيام مع ذلك الغزو الإجرامي البغيض على إخواننا في «غزة».

فقد سمعنا وقرأنا عن التدخل للمصالحة الوطنية بين فصائل المقاومة، والمفترض سلفًا أن يكون الداعي إلى المصالحة، والمتدخل لإنهاء الخصومة محايدًا حكيمًا حريصًا على إرضاء الله أولًا، وعلى إعطاء كل ذي حق حقه.

وتدور الأيام وتنكشف الأسرار، وتظهر الحقائق، ويبين التحيز الواضح والتعمد الكريه لمناصرة فصيل على الآخر دونما حق أو سبب.. وبدلًا من المصالحة تتسع الهوة ويزيد الخلاف.. ويظهر الكذاب في أدنى منزلة.

وتتوالى الأيام وأصحاب الحق الشرعي الذين أفرزتهم انتخابات نزيهة «قل إن توجد في أي بلد عربي» والذين يحملون لواء المقاومة والحفاظ على كرامة الشعب الفلسطيني يعانون التجاهل، ويتم التعامل معهم من خلال عساكر الأمن.. أما الآخرون الذين فرطوا في حق أنفسهم وأمتهم وأتخمتهم الثروات والمكاسب فهم محل الرعاية والوصاية والتقدير.. يا لها من مفارقات لن ينساها التاريخ!!

.. وتحاصر «غزة» ويمنع عنها كل مقومات الحياة من الغاصب المحتل.. وينتظر من أصحاب الكراسي أن يقفوا إلى جانب الحق.. ولكن خصلة الكذب لا تفارقهم؛ فبينما نسمع إعلان: أنه لن يجوع أهل «غزة» ولن تستباح حرماتهم.. نفاجأ بأن شرايين الحياة قد سدت دونهم، وأنه لا ماء ولا كهرباء، ولا غذاء، ولا دواء ويا لها من مأساة!

ويزداد الحصار، ويتفاقم التضييق، وفي المقابل نستقبل العدو الفاجر بالأحضان والقبلات والقلوب المفعمة بالحب والود.. بل يتجاوز العدو حدوده، ويطلقها صريحة بأنه سوف يقضي على المقاومة، وسوف يسحق أبناء غزة من منابرنا، ومن خلال إعلامنا.. ويا للهول!!

وينتفض الشعب الكريم العريق ويحاول أن يشارك إخوانه بالمدد، ويقف الأمن حائلًا دون ذلك في صورة مخزية، يندى لها الجبين.. في صورة تتنافى مع الأعراف الدولية، اتفاقية «جنيف» الرابعة، وتتعالى الأصوات مطالبة بفتح المجال أمام تلك المشاركة الرمزية دون جدوى!

وتتكدس شاحنات تنعى، وتلعن من حال بينها وبين الوصول إلى الأطفال والنساء والأبرياء من أهل غزة، وتشكو إلى الله قهر الأغبياء المتغطرسين.

ويطل علينا أهل الكذب بالمبررات والمعوقات والقوانين الدولية والمحاذير الهزيلة ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (سورة آل عمران آية:١٦٨) وكأنهم يحسبون أن الشعوب غافلة عما يضمرون، جاهلة لما يدبرون.. ولكن تنكشف عوراتهم وتنجلي دخائلهم ويصبح العالم بأسره، مناديا لهم أن كفوا عن أكاذيبكم.. كفوا عن دعاواكم الباطلة وتفسيراتكم البائسة الكاذبة؛ فالتاريخ لن يرحمكم.. بل سيرجمكم، ويسود صحائفكم.

وتبدأ المعركة.. وتظهر الحقائق ويقف أبناء فلسطين يدافعون عن الشرف العربي ويتساقط الشهداء أطفالًا ونساء وشيوخًا.. في صورة يندى لها جبين العالم.. ويتصور الجميع أن تؤثر هذه المشاهد في تلك القلوب الجامدة والنفوس المريضة؛ ولكن هيهات ﴿الذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعَم اَلوَكِيلْ﴾ (سورة آل عمران آية: ۱۷۳).

إننا نصدر الغاز الذي يستعمله الكيان الصهيوني في قتل أبنائنا وإخواننا.. ونتعامل مع هؤلاء الصهاينة ومن شايعهم بروح الود طمعًا في رضاهم.. نصدر لهم البترول الذي تستعمله دباباتهم وطائراتهم.. وإخواننا يفتقرون إلى كسرة الخبز وإلى ضوء الشمعة.. بل إلى أقل أنواع السلاح الذي يدافعون به عن وطنهم وعن ذويهم، وعن شرف الأمة العربية والإسلامية.

يا أصحاب المعالي، أما آن لكم أن تستفيقوا وتعودوا إلى رشدكم!

وأما أنتم يا أحرار العالم في كل مكان.. فلكم الشكر على ما أعلنتموه من مشاعر طيبة وعواطف صادقة.. ولكني أسألكم: هل يكفي هذا لحماية شعب من الإبادة؟! نرجو أن تكونوا أكثر إيجابية، وأمضى قرارًا إزاء هذا التواطؤ الإجرامي البغيض في عالم لا تحكمه إلا المصالح والأهواء..

وأما أنتم أيها المغاوير الأبطال في «غزة»، يا شعبنا الكريم السامي، فلكم العزة والفخار ولكم منا خالص الدعاء.. ويا ليتنا نصحو، وقد سمح لنا أن نكون بجانبكم نحارب أهل الضلال والخيانة والعمالة.. وثقوا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الروم آية: 4- 5).

 

الرابط المختصر :