العنوان غزوة أحد.. دروس وعبر:النصر مع الصبر وطاعة أوامر القائد والتجرد
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007
مشاهدات 39
نشر في العدد 1775
نشر في الصفحة 49
السبت 03-نوفمبر-2007
(*) مدرس الحديث بجامعة الأزهر
ما أحوج الأمة إلى التدريب على «خلق التشاور» على كل المستويات.
لقد ذاق المسلمون جميعًا يوم «أحد» مرارة مخالفة أفراد قليلين لأمر رسول الله.. صلى الله عليه وسلم.. فماذا عن خطايانا اليوم؟!
قبل وفاته يرحمه الله أرسل الدكتور حمدي شلبي عدة مقالات لـ «المجتمع» ووفاءٌ لفضيلته نواصل نشرها.
إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتاريخ أصحابه هما الترجمة العملية لآيات الله عز وجل، وهما النموذج التطبيقي لما يريده الله من عباده، وبهما تفهم آيات الله وتفصل أحكام الإسلام ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ «الأحزاب: ٢١».
قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ».
وها نحن نعيش في ظلال غزوة أحد التي تركت من الدروس والأحكام ما لم يتركه غيرها من الغزوات والفتوحات. وسوف نسجل في هذه العجالة بعض الدروس والعبر؛ إذ لا يتسع المقام لسردها جميعًا لعل الله ينفع بها.
سبب الغزوة:
لم تنس قريش ما حدث لها في بدر وما أصابها في خيرة أبنائها وقتل صناديدها. فلملمت جراحها وأعدت عدتها ورصدت أموالها لتعيد الكرة على المسلمين وتثأر لمقتل أبنائها. فحشدت لهذه المعركة ثلاثة آلاف مقاتل، وحملت معها نساءها ليمنعن الرجال من الفرار إذا أجهز عليهم المسلمون، وانضم إلى جند قريش بعض الأحباش.
الكفر ملة واحدة: وهكذا أهل الكفر في كل زمان ومكان لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار، وهم دائمًا في إعداد واستعداد، وينفقون الأموال ويجندون الجند ويحيكون المخططات والمؤامرات ويبثون عيونهم في أرض الإسلام ويستميلون ضعاف النفوس من المسلمين إلى معسكرهم، فكل ما يشغلهم ألا تقوم للمسلمين قائمة ولا ترتفع لهم راية ولا تؤسس لهم دولة على وجه الأرض ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ «الأنفال: ٣٦».
الرسول يستشير أصحابه:
سمع رسول الله بما كان من المشركين فجمع أصحابه وشاورهم كعادته في الأمر وكانت المشورة حول الخروج لملاقاة العدو أم التحصن بالمدينة والدفاع عنها عند هجوم القوم عليها.
وكان رأي الشيوخ البقاء في المدينة ومن بينهم رأس النفاق -عبد الله بن أبي بن سلول.
أما الشباب المتحرق شوقًا للجهاد في سبيل الله، المحروم من شرف المشاركة في بدر فكان له رأي آخر وهو الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة حيث قالوا: «يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنًا قد جبنَّا عنهم وضعفنا».
ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا.
فدخل بيته وأعد نفسه للجهاد وخرج عليهم بعد أن أحسّوا بأنهم استكرهوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقالوا: استكرهناك يا رسول الله ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فأجابهم قائلًا: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ـ أي؛ درعه - أن يضعها حتى يقاتل».
وما أحوج الأمة إلى «خلق التشاور» على كل المستويات والأصعدة، وهذا خلق يحتاج إلى تدريب وممارسة يبدأ من مشاورة الرجل أهله وأسرته في شؤونها الخاصة إلى أن يصل بهذا الخلق إلى قمته حيث أمور الدولة والأمة.
الصحابة يتسابقون.. والمنافقون يتخاذلون: وخرج رسول الله في ألف من أصحابه وذلك في يوم السبت، لسبع خلوّن من شوال في السنة الثالثة من الهجرة مقبلين غير مدبرين لا يلوون على شيء يتسابقون لنصرة دين الله يأملون في نيل الشهادة في ميدان العزة والكرامة، حتى إن الغلمان ليلحون على رسول الله ليحملهم معه إلى الجهاد، كما وقع ذلك من رافع بن خديج وسمرة بن جندب وهما ابنا خمس عشرة سنة.
ووسط هذا الجو المليء بالإقبال والتنافس والتضحية نرى على الجانب الآخر النفاق يعلن عن نفسه ويأبى إلا النكوص والخذلان، ففي وسط الطريق ينخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، وهم من شيعته وأصحابه، قائلًا: «عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له، وما ندري علامَ نقتل أنفسنا». وقد كانت حجة المنافقين واهية ومن ورائها سبب حقيقي وهو أنهم لا يريدون قتالًا لأنهم لا يريدون أن يعرّضوا أنفسهم لمخاوف القتال وفتنة بريق السيوف، وتلك هي أبرز سمات المنافقين يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم دون أن يعرّضوا أنفسهم لمغارم.
الرسول يضع الخطة ويصف الجيش:
عسكر النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -وهم لا يزيدون على سبعمائة في الشعب من أحد- فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة. وجعل على الجبل خمسين راميًا وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وأصدر إليهم تعليماته قائلًا: «قوموا على مصافَكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا».
لواء مصعب بن عمير:
ثم أعطى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- اللواء لمصعب بن عمير، وبدأ القتال وحميت الحرب وراح المسلمون يحصدون رؤوس المشركين في اندفاع مذهل، وقُتل مصعب رضي الله عنه شهيدًا.
وأخذ اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنزل الله نصره على المؤمنين فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل، وهنا افتتن الرماة واختلفوا فيما بينهم، فنزل كثير منهم يشارك في جمع الغنائم ظانّين أن الحرب قد انتهت، غير أن عبد الله بن جبير ومعه عدد قليل ثبتوا وهو يقول: «لا أجاوز أمر رسول الله».
ونظر خالد بن الوليد وكان يقود ميمنة المشركين فوجد الجبل خاليًا فأعاد الكرة بخيله على من بقي من الرماة وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف وأعملوا فيهم سيوفهم فأوسعوهم قتلًا حتى انكشف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- واحتوشه الأعداء وكاد يقتل في هذا الموقف لولا بسالة أصحابه وتترسهم دونه وعصمة الله تعالى له.
وفي هذا المشهد تبدو براعة رسول الله العسكرية وخطته الحربية المستمدة من نبوته واتصاله يوحي السماء. ثم نلحظ سير المعركة فنجدها انقسمت إلى قسمين:
القسم الأول: وقد تفوق فيه المسلمون على المشركين -حين التزموا أوامر قائدهم صلى الله عليه وسلم- ونفذوا تعليماته فسارع إليهم النصر وانهزم الكفر ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ «آل عمران: ١٥٢».
القسم الثاني: بعد أن ظن الرماة أن مدة صلاحية الأوامر قد انتهت وأنهم في حلٍ منها فنزلوا يشاركون إخوانهم جمع الغنائم فكان ما كان وتغيَّر الحال وانقلب الميزان وتحول النصر إلى هزيمة والإقبال إلى إدبار -والقرآن يرصد هذا المشهد في قوله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ «آل عمران: ١٥٢».
كم كان وبال هذه الخطيئة جسيمًا، وكم كانت نتيجتها عامة!!
لقد انعكست خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين عليهم جميعًا، بحيث لم ينج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نتائجها –فلنتأمل نسبة خطيئة هؤلاء الأفراد إلى نسبة خطايا وأخطاء المسلمين اليوم. إذا تأملنا ذلك أدركنا مدى لطف الله عز وجل بنا إذ لم يهلكنا بما كسبت أيدينا وبتقاعسنا عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
درس تربوي وشجاعة نادرة: ويرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة ويبيتون ليلتهم في مداواة الجرحى ومواساة المصابين، فلما صلى بهم الصبح أمر بلالًا أن يؤذن في القوم: أن رسول الله يأمركم بطلب العدو ولا يخرج معنا إلا من كان معنا بالأمس. ويلبي الصحابة نداء رسول الله على ما هم فيه من بلاء ومحنة؛ فهم بين مشجوج وموهون ومجروح لا يمنعهم ذلك أن يستجيبوا للأمر ويلبوا النداء.. حتى عسكروا بـ «حمراء الأسد» وأوقدوا نيرانًا عظيمة أوهمت الرائي بكثرة عددهم، ويطير الخبر إلى قريش -التي عسكرت في زهوٍ ومرح لما أصابوه من نصر، وكانوا يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين- فداخلهم رعب شديد وهبُّوا مسرعين إلى مكة وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد ثلاثة أيام ثم رجع إلى المدينة.
إن الدرس الذي ينبغي ألا ينسى هنا أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح والتجرد الكامل في استهداف القصد.
ففي هذه المرة تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس من بعدما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح والآلام ولم يسترح أحد منهم في بيته ولم يفرغ للنظر في حاله وجسمه وانطلقوا خلف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يطلبون المشركين المزهوين بالنصر الموقوت، ولم يكن بينهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي، إنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله. فماذا كانت نتيجة ذلك؟ لقد وقعت آية خارقة ليتم الدرس والموعظة للمسلمين؛ فقد وقع الرعب فجأة في قلوب، المشركين وتصوروا أن محمدًا وصحبه قد جاءوا هذه المرة ومعهم الموت فارتدوا على أدبارهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة وانطلقوا مسرعين إلى مكة:
وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ «آل عمران: ١٧٢، ١٧٣».