; غزوة مؤتة .. تضحيات خالدة ومشاهد آسرة | مجلة المجتمع

العنوان غزوة مؤتة .. تضحيات خالدة ومشاهد آسرة

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1594

نشر في الصفحة 54

السبت 27-مارس-2004

القيادة المؤمنة تتقدم إذا تردد الناس .. و تثبت إذا تزعزع الناس ...

 و تضرب أروع الأمثلة في التضحية و الفداء

في ضوء الغزوة .. للإعلام الإسلامي دور مهم في متابعة الأحداث وتربية الناس على الشوق للجنة

رغم أن النبي ﷺ لم يشهدها إلا أنها سميت بالغزوة لأهميتها في ترسيخ دعائم الدولة الإسلامية وبث هيبتها في نفوس المناوئين والمنافقين.. فقد صمد ثلاثة آلاف من المسلمين أمام مائتي ألف من الروم، وضرب القادة المسلمون والمجاهدون كذلك دروسًا رائعة في الثبات والرجولة والتضحية فداءً ونصرة لهذا الدين.. إنها غزوة مؤتة التي وقعت أحداثها في العام الثامن للهجرة المباركة. ومن المهم أن نشير بداية إلى أن التربية النبوية كانت تتماشى مع التوجيهات القرآنية وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة. فمن التوجيهات القرآنية: قوله تعالى: 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «الصف: ١٠-١٣».

ومن التوجيهات النبوية:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال عمير بن الحمام: بخ بخ. فقال رسول الله: ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي إنها لحياة طويلة فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل». 

إن فكرة الشهادة والأمل برضوان الله ودخول الجنة قد أثبت التاريخ أنها أقوى دافع في هذا الوجود للمواجهة والموت. 

وهذا ما ربى عليه رسول الله ﷺ صحابته رضي الله عنهم أجمعين.

كانت غزوة مؤتة وقوادها الثلاث قد قدموا نماذج لحب الاستشهاد وحب الجنة والشوق إليها. وكان يوم استشهادهم يوم عرس لكل منهم.

فلنقف مع هذه الغزوة وقفات سريعة.

الوقفة الأولى: سبب الغزوة

كان رسول الله ﷺ قد بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطًا ثم قدمه فضرب عنقه، لهذا السبب جيّش النبي ﷺ جيشًا لغزو الروم.

إن الجماعة المسلمة لا بد أن تشعر الفرد بقيمته عند قيادته وأن الجيش كله مستعد أن يخوض معركة للثأر له، وأنه لا يجوز أن يذهب دم الشهيد هدرًا.

وعلى الجنود أن يعوا أن ذلك مرهون بإمكانات الجماعة المسلمة، لأن رسول الله ﷺ في مراحل الضعف كان يمر على آل ياسر ويقول لهم: صبرًا فإن موعدكم الجنة، ومأساة بئر معونة التي راح فيها سبعون من خيار المسلمين لم يتمكن رسول الله ﷺ من الثأر لهم.

الوقفة الثانية: وصية رسول الله للجيش المسلم

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر  بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله ﷺ المسلمين إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم، فلما ودعوا عبد الله بن رواحة بكى فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله: 

«وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا» «مريم: 71».

فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال ابن رواحة:

ولكنني أسأل الرحمن مغفرة ***  وضربة ذات فرغ تقذف الزبد 

أو طعنة بيدي حران مجهزة *** بحربة تنفذ الأحشاء والكبد 

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ***  يا أرشد الله من غاز وقد رشدا 

وشيعهم رسول الله ﷺ إلى ثنية الوداع ووقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدًا... وستجدون رجالًا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم، وستجدون آخرين: رؤوسهم مفاحص الشيطان فاقلعوها بالسيوف. لا تقتلوا امرأة ولا صغيرًا ولا كبيرًا فانيًا ولا تقطعوا نخلًا ولا تقلعن شجرًا ولا تهدموا بيتًا».

الوقفة الثالثة: كيف واجه القادة عوامل الضعف النفسي؟

1. لما رأى المؤمنون جيش الروم خشوا خوض هذه المغامرة، مائتا ألف من الروم مقابل ثلاثة آلاف من المؤمنين، وهنا انطلق القائد الشاعر عبد الله بن رواحة قائلًا: والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة.

هكذا تكون القيادة المؤمنة مقدمة إذا تأخر الناس، ثابتة إذا تزعزع الناس، قوية إذا ضعف الناس، منتصرة إذا انهزم الناس... فالناس يموتون أما هم فيستشهدون.

2. خلجات النفس، فهذا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه راح يبرز خلجات نفسه بعد استشهاد القائد الثاني «جعفر بن أبي طالب» ويقول في شعره:

يا نفس إلا تقتلي تموتي  *** هذا حمام الموت قد لقيت 

ما تمنيت فقد أعطيت ***  إن تفعلي فعلهما هديت 

ثم تابع قائلًا:

يا نفس إلا تقـتلي تموتي ***   هذا حمام الموت قد لقيت 

إن تفعلي فعلهما هديت *** أو تعرضي عنهم فقد شقيت

وانخرط في القتال حتى قضى شهيدًا في سبيل الله.

بعد استشهاد القادة الثلاثة كاد أن يبيد الجيش لولا أن قيض الله سبحانه وتعالى جنديًا شجاعًا ومقاتلًا مغوارًا، لم يأب القيادة نكوصًا عن الموت، بل شعورًا بوجود الأكفأ منه في الجماعة المسلمة وحمل الراية، هذا الجندي هو الصحابي ثابت بن أقرم، حيث صاح: يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس، فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان، فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد...

ونظرة إلى قيادة الجيش نجدها بين مولى وسفير وشاعر، ليؤكد لنا أن طاقات الإسلام كلها في خدمة المعركة، وأن وقودها في حالة الخطر هو كل شباب الإسلام بكل طاقتهم وإمكاناتهم ومواهبهم وتخصصاتهم وليس هناك حد فاصل بين السياسي والجندي والقائد، فكل مسلم جندي في المعركة مهما علت مرتبته واختلفت وظيفته، فلا بد من تضافر جهود كل من العالم العسكري الإعلامي المفكر المصلح المربي المزارع الطبيب المهندس الطفل المرأة ثم توضع هذه الجهود في خندق واحد لتقضي على الباطل وأهله ويعود للأمة مجدها وعزها، ويكون لكل من هؤلاء شرف الجهاد والدفاع عن دين الله.

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)

الوقفة الرابعة: خالد بن الوليد «سيف الله المسلول»

إن السيرة تذكر أن الله سبحانه وتعالى وفق خالد بن الوليد وهزم الروم هزيمة منكرة، بعد أن استعمل حيلة حربية بارعة في فت عضد الروم بتغيير مواقع جيشه حتى استحق رضي الله عنه أعلى وسام في الجيش الإسلامي لم ينله أحد بعده ولا أحد قبله، أعلنه رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: وأخذ الراية سيف من سيوف الله، سله الله تعالى على المشركين، جعل النصر على يديه.

إنها لقفزة هائلة في الميدان العسكري من جندي مغمور إلى قائد فذ قلده رسول الله ﷺ هذا الوسام ومضى معه حتى لقي به العرب والفرس والروم، فقال له قائد جيش الروم في اليرموك: هل أنزل الله سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟

على الجماعة المسلمة أن تتفحص في نفسها، وتبحث عن أفذاذ الرجال الذين يعدل واحد منهم الألف بل المائة ألف، والذين غمروا أو حالت الظروف دون بروزهم وظهورهم.

وصدق رسول الله ﷺ: «إن الله يغرس لهذا الدين بكلتا يديه وكلتا يديه يمين سبحانه وتعالى».

لما أخذ الراية خالد بن الوليد قال رسول الله ﷺ: الآن حمي الوطيس.

إن معايشة الأمة في أحداثها يعتبر من أولويات التربية ومعايشة الأمة للمعاني العظيمة مثل الاستشهاد في سبيل الله والتربية على الشوق للجنة، وسؤال الله معالي الأمور كطلب الفردوس الأعلى، أيضًا من أولويات التربية في الوقت الحالي.

إن نقل الخبر الصادق سواء عن طريق المنابر أو الإذاعات المرئية والمسموعة والجرائد والمجلات يعتبر من أنواع الجهاد، بل يعتبر من قمة الجهاد إذا نقل من أرض المعركة حيث الأخطار والأهوال الجسام، وحيث التعرض للقتل.

الوقفة السادسة: معايشة الأطفال أحداث الأمة

كان أطفال المدينة على من اليقظة والوعي يضاهئون به يقظة ووعي أبطال الأرض:

1. كانوا يقذفون الفصيل المنهزم بالحجارة ويقولون: أنتم الفرار، ولم يخفف من وطأة هذا الهجوم إلا قول رسول الله ﷺ لهم: بل أنتم الكرارون إن شاء الله.

2. خرجوا يشتدون مع رسول الله ﷺ يستقبلون الجيش المنتصر وعلى رأسه خالد بن الوليد سيف الله المسلول.

إن وصل الناشئ المسلم بأمته وبعالمه الإسلامي ليس مجرد عمل يؤدى لذاته، وإنما هو عمل يجب أن يربى عليه الناشئ المسلم لغرس القيم التي لابد منها لكي يمارس حياته الإنسانية، قادرًا على تحقيق السعادة في معاشه ومعاده، وهذه القيم هي:

- الالتزام بأخلاق الإسلام

- الانتماء للإسلام.

- الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين 

إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت.

فلنعد أنفسنا لعمل عظيم، ولنعمل للموتة الكريمة لنظفر بالسعادة الكاملة... رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله... آمين

الهوامش

(1) رواه مسلم

(2) المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير الغضبان (98/3)

(3) الرحيق المختوم(435)

(4) إمتاع الأسماع(346/1

(5)إمتاع الأسماع (348/1)

(6) تربية الناشئ المسلم د: علي عبد الرحيم محمود،ص470

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

114

الثلاثاء 23-يونيو-1970

أمَّة الأمْس وأمَّة اليَوم

نشر في العدد 44

113

الثلاثاء 19-يناير-1971

إستراتيجية إسلامية