العنوان غزو مالي- تداعيات الغزو على العمل الإسلامي في غرب أفريقيا
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013
مشاهدات 67
نشر في العدد 2038
نشر في الصفحة 16
الجمعة 08-فبراير-2013
* على المنظمات الإسلامية سرعة إنقاذ الإرث الحضاري الموجود في مكتبات «تومبوكتو» العريقة قبل أن تدمره آلة الحرب الاستعمارية
* التيار الصوفي في غرب أفريقيا اعتبر ما يجري فرصة لتصفية الحسابات مع الجناح السلفي الذي يعتبرونه خصماً لدوداً
* التيار الإسلامي بمختلف طوائفه لم يطرح حتى الآن موقفاً أو رؤية يمكن أن تكون رداً مناسباً أو تفاعلاً مع الأوضاع
* لا بد من قيام المؤسسات الكبرى في العالم الإسلامي بتنظيم لقاء جامع لتدارس الوضع بقدر من الرَّوِية
يشهد العمل الإسلامي في غرب أفريقيا حالة من الاهتزاز، وذلك منذ بداية الأحداث الجارية في قلب غرب أفريقيا انطلاقاً من اللحظة التي وضع فيها مقاتلو حركة تحرير «أزواد» أقدامهم في شمالي جمهورية مالي، وما تلى ذلك من تطورات حادة ومتسارعة انتهت إلى الهجوم العاصف الذي شنته فرنسا جارَّة وراءها جيوشاً هزيلة وسيئة التسليح من بعض بلدان غرب أفريقيا بدءاً من يوم 11 يناير 2013م، وما جرى على هامش تلك الأحداث المتلاحقة في جنوبي الجزائر وصلت أصداؤها حتى نيجيريا.
كانت جمهورية مالي من الدول المرشحة للقيام بدور محوري في تطور المشروع الإسلامي الإصلاحي مستقبلاً لعدد من العوامل الموضوعية، من أهمها توافر الإرث التاريخي الجيد الذي يمثل أرضية قوية لنهضة العمل الإسلامي الواعي، فضلاً عن وجود كوادر علمية بدأت تأخذ مواقعها في الحياة العامة داخل المجتمع المالي، وكان المراقبون يتوقعون أن ينهض الإسلاميون في مالي بدور مؤثر في المعترك السياسي خلال الحقبة القادمة على غرار ما يقوم به إخوانهم في كل من السنغال وموريتانيا، وهو الخط الإيجابي الذي يمكن أن يتراجع بسبب هذه التصدعات التي يشهدها الوضع.
في الأسطر التالية نحاول رصد تطورات المواقف تجاه هذا الوضع الناشئ في المنطقة، والذي بدأ يربك كثيراً خطط ومشاريع الإصلاحيين، وقد ينتهي إلى خلط كلي للأوراق حين تخف جلبة أقدام العساكر، مع التركيز على المواقف التي اتخذها ثلاثة من الأطراف المهمة في المعادلة الجديدة، وهي الأنظمة السياسية، القوى الدينية التقليدية التي تمثل الاتجاه الصوفي، ثم التيار الإسلامي الإصلاحي الذي ينظر إليه عموماً على أن له نسبًا يمت به إلى الحركات الجهادية التي تواجه فرنسا، ووراءها بعض الفرق العسكرية أرسلتها دول من غرب أفريقيا.
غايات الأنظمة
يبدو لي، من استقراء الطرائق المتبعة في التعاطي مع انعكاسات الأوضاع المتوترة، أن الأنظمة السياسية في المنطقة، وبالأخص في السنغال وموريتانيا ونيجيريا والنيجر وتشاد، لها ثلاث غايات من وراء السياسة الأمنية التخويفية التي أخذوا ينتهجونها:
الأولى: استغلال الوضع لإلهاء الجمهور وفق الرؤية الأمنية السائدة في الدول الضعيفة التي كثيراً ما تلجأ إلى إعطاء شعوبها، بدلاً من الخبز والكهرباء والوظائف لجيوش الجامعيين المتبطلين، هذه الأخبار الملفقة لتلوكها الصحافة، ثم تقدمها وجبات جاهزة للعامة يتلهون بها أياماً وربما أسابيع تبعاً لطبيعة وحجم الطبخة، ما يجعلهم ينسون ما هم فيه من المعيشة الضنك بفعل تقصير الحكام الميامين.
الثانية: محاولة إرضاء المخابرات الغربية بالقول: إننا مهتمون بالملف الأمني أمن المصالح الغربية في المنطقة شركات وجاليات وأرصدة من الثروات..، ولن نتوانى في التعامل مع التيار الإسلامي الذي بدأ ينمو بقدر كافٍ من الحزم، المهم أن نقبض الثمن المناسب في نهاية اللعبة.
الثالثة: تهدئة القوى الدينية التقليدية التي رفعت عقيرتها، من خلال عدد من المنابر وأبواق الدعاية في إطار حملة إعلامية يبدو للمتابع اليقظ أنها قد تم التخطيط لها بعناية بأيد خارجية، محذرة من أن حملة تخريب القبور والأضرحة التي جرت في مالي وتونس يمكن أن تنتقل إلى السنغال وغيرها من البلدان في المنطقة على أيدي المتطرفين الوهابيين، السنيين، السلفيين، ما لم يتم القيام بضربة استباقية تحد من غلو هؤلاء.
بالإضافة إلى المواقف المتشنجة التي اتخذتها الأنظمة، كما جاء على ألسنة بعض الرؤساء وبالأخص بعد قمتهم الأخيرة في ساحل العاج وغير هؤلاء من المسؤولين الأفارقة، فإن القوى التقليدية المتمثلة في التجمعات الصوفية، قد تعاطت هي الأخرى مع الملف بقدر كبير من الحساسية، ما جعل المراقبين يميلون إلى القول: إن هؤلاء يحاولون تصفية حسابات قديمة مع التيار الإسلامي وبالأخص الجناح السلفي الذي يعتبرونه خصماً لدوداً، ربما يمثل ما يجري فرصة ذهبية لتوجيه بعض الضربات، الأمر الذي دفع بعض الرموز المحسوبة على القوى الصوفية أن تحذر من وجود الألوية النائمة في السنغال وغيرها، وهي متحفزة لتوجيه ضرباتها.
يمكننا أن نفهم مدى التوجس الذي يشعر به الناس في المنطقة من جراء مآلات الحرب الراهنة، فيما صرح به المسؤولون الجزائريون، الذين تلقوا الضربة الأولى من تداعيات الحرب الدائرة بالمذبحة التي وقعت في مصنع «عين أميناس» بالجنوب الجزائري، بأنهم لا يريدون «أفغانستان» ثانية في الجوار، وبعبارة أوضح يتخوفون من أن تتجاوز الأعمال القائمة إلى عسكرة النطاق الصحراوي الذي يسيل لعاب كثير من الدول الغربية لما يحتويه من الثروات بدءاً بالطاقة الشمسية التي سيتم الشروع في استغلالها قريباً ونقلها إلى أوروبا عن طريق توصيلات عبر البحر الأبيض المتوسط.
وعموما، فإن رصد المواقف المتباينة التي تتخذها الأنظمة السياسية في المنطقة وسعيها إلى ربط القوى الإسلامية الإصلاحية العاملة في بلدانها بما يجري في شمالي مالي، يرينا تبايناً شديداً حتى لا يكادون يلتقون على شيء سوى الانجرار وراء فرنسا التي لا نشك في أن لها أجندتها الخاصة.
أزمة التيار الإسلامي
وأما التيار الإسلامي بمختلف طوائفه، فلم يطرح حتى الآن موقفاً أو رؤية يمكن أن يكون رداً مناسباً أو تفاعلاًً مع الأوضاع، انطلاقاً من كونه معنياً بهذا الملف بالدرجة الأولى إلا ما كان من الجناح السلفي الذي بدأ في الآونة الأخيرة، كما يبدو من بعض المواقف والمبادرات التي لجأ إليها بصورة يبدو أنها مرتجلة ومتأخرة بعض الشيء، يعي ما يمكن أن يتعرض له من ضربات قادمة، فحاول استباق التطورات المتوقعة، والتي قد لا تكون في صالحه، فحاول طرح مبادرات يمكن أن يخفف الضغط عن نفسه من خلالها، لكنه لم يستطع تجاوز مستوى التبرير والتبرؤ إلى المبادرة والفعل، وفي هذا السياق يمكننا أن نقرأ ما قام به التجمع الذي أطلق على نفسه اسم «الملتقى الأول للقوى السنية العاملة في السنغال» عندما نظم لقاء جماهيريا حاشدا كان يهدف على ما يبدو إلى الرد على ما يكال له من التهم، ومحاولة ربطه بالفكر الإرهابي.
لكن باستقراء كل ما يجري فإن عجز التيار الإسلامي بكل أجنحته حتى الآن عن طرح مبادرات قوية يمكن أن تترجم إلى خطوات عملية من أجل احتواء ما يمكن أن يترتب على الأحداث الجارية في شمالي مالي، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على مصير العمل الإسلامي الإصلاحي على مستوى المنطقة، وربما يحدث تغييراً جذرياً في توجهات وقدرات هذا العمل، وعلى المدى البعيد كذلك، إنما يعود هذا الشلل إلى حالة التفكك التي يعيشها هذا التيار قبل اندلاع الفتنة مع عدم القدرة على قراءة الواقع وتحليله.
من الشواهد التي يمكننا أن نستأنس بها في هذا المقام، فيما يتعلق بحالة التأرجح التي تتعاطى بها القيادات الإسلامية مع الأوضاع، ما ورد في «البيان - الرؤية» الذي أصدره «اتحاد علماء أفريقيا» في 5/ 3/ 1424ه الموافق 17 / 1/ 2013 م، ووقعته الأمانة العامة بعنوان «الأحداث في مالي: رؤية عن قرب»، وفي مقابل تثمين البعض ما ورد في البيان اعتبره البعض الآخر ممن اطلع عليه بأنه هزيل، ولا يفي بالغرض، وأنه لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجه العمل الإسلامي بالمنطقة، وبالتالي لم يستطع الاتحاد اتخاذ موقف واضح وحاسم يمكن التعويل عليه لقراءة ما يجري، وتوجيه الرأي الإسلامي لاختيار الطريقة المثلى للتعامل مع المستجدات في كل البيانات الستة التي أصدرها الاتحاد عن الأحداث حتى الآن.
حضارة في خطر
من عوامل القلق تنامي ظاهرة التحزب في أوساط الشباب المسلم الذي يتابع ما يجري، وهو مشلول الإرادة، وبالتالي فلا يملك سوى اتخاذ مواقف غالباً ما تكون غاية في التباين، ما يهدد بإحداث شروخ في الصف الإسلامي الشبابي، وهذه هي الحقيقة المرة التي يمكن أن نلمسها بوضوح حين نقوم بجولة بين المنتديات الحوارية التي يديرها الشباب المسلم من غرب أفريقيا على شبكات التواصل الاجتماعي مثل «الفيسبوك» و«التويتر»، وفي هذا النقاش كثيراً ما ترتفع النبرات، وتحتد إلى مستوى التناوش والتنابز بالألقاب ما يهدد جو الأخوة الذي كان بعض الفضلاء قد نجحوا في بسطه من خلال فضاءات من التحاور والتبادل والتواصل الإيجابي. في خضم هذه الأوضاع لا مفر من أن نسجل أسفنا بسبب غياب الصوت الإسلامي على نطاق أوسع، حيث لم تقم الجهات الإسلامية، لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي، بطرح مبادرات جادة بحجم الحدث منذ اندلاع القضية حتى الآن، وهذا الغياب لوحظ حتى على مستوى العمل الإنساني، ما جعل المؤسسات الغربية تنفرد بالساحة، ثم نأتي ونندد بالمنصرين والمخربين ناسين أن حضور هؤلاء نتيجة حتمية لغياب الصوت الآخر.
ثمة عامل آخر يحتم على القوى الإسلامية اتخاذ مبادرات شجاعة لمعالجة الموقف يتمثل في التهديد الخطير الذي يتعرض له التراث الإسلامي الحضاري الذي تزخر به مكتبات «تومبوكتو» العريقة، فضلاً عن غيرها من الحواضر الإسلامية التاريخية التي تنتشر في المنطقة وتجتاحها هذه الجيوش، التي تمثل الثقافة والمقومات الفكرية لحضارات الأمم آخر ما تحفل به، كما عايشنا ذلك في مواقع أخرى من ديار الأمة نكبت بمثل ما يجري الآن في مالي.
خيارات مطلوبة: وبعد هذه القراءة السريعة للوضع في المنطقة، يمكن أن نسرد بعض العناصر التي نتصور أنها تمثل رؤية لحسن التعاطي مع الحرب في شمالي مالي، وما يمكن أن ينجم عنها من تداعيات خطيرة على الوضع الإسلامي بصورة عامة ومستقبل التيار الإصلاحي بشكل أخص: يمكن أن يدفع التهور بعض القيادات السياسية إلى ارتكاب بعض الحماقات، فيخوضون مغامرة محفوفة بالأخطار بتوجيه ضربات إلى بعض المكونات للتيار الإسلامي، ويوسعون بذلك باب الفتنة، أو كما قال الرئيس المصري «د. محمد مرسي»، الذي مثل صوتاً نشازاًً لمن يديرون هذه المعمعة، عندما رفض التدخل الأجنبي في مالي تجنباً لإنشاء بؤرة جديدة، ووصف ما يجري بأنه سيوسع دائرة الصراع. والأخطر من كل ذلك أن مثل هذا التصرف الأخرق قد يكون من نتائجه المباشرة خلق مزيد من البلبلة والقضاء على روح الاعتدال والتوسط الذي عرف به سكان المنطقة طيلة قرون، وهم يدورون مع رحى الإسلام، وهو الخيار الجوهري الذي مكنهم من بناء حضارة إسلامية اتسمت بالخصوبة والعطاء الفكري الراقي الذي لا تزال آثاره، رغم قسوة وتكرار الإغارة عليه، ماثلة للعيان يمكن أن يفعل من جديد لتدشين نهضة إسلامية قوية على أساسه. لمواجهة هذه الأخطار، وتفويت الفرصة على أصحاب الخيار الصدامي، نهيب بالقيادة الإسلامية لتغليب لغة العقل في الخطاب الذي يعالجون به الموقف، تتطلب طبيعة القضية وضخامتها أن تتكاتف كل الأطراف الإسلامية، وتتجاوز الحواجز المصطنعة، وترفض الانصياع للأطروحات المضللة التي تحاول شق الصف الإسلامي بتقسيمه إلى إسلاميين مقابل غير إسلاميين أو سنيين ضد المتصوفة؛ لأن الهزة التي يمكن أن تقع ستعرض الوجود الإسلامي للخطر بغض النظر عن الانتماءات الفكرية أو الاعتبارات الطائفية الضيقة، وأن تعمل على الالتقاء على الجامع المشترك الذي يتمثل اليوم في رعاية المصلحة العامة للشعوب بتوفير الحد الأدنى لها من الطمأنينة باعتبارها الخاسرة الأولى في كل ما يجري من فتن داهمة.
ولإيجاد هذا التحالف على من يسمون بالإسلاميين أن يتخذوا الخطوة الأولى، ويطرحوا مبادرات نوعية في سبيل مد الجسور من أجل تواصل وتنسيق للموافق الإيجابية تجاه ما يسمى بالقوى الإسلامية التقليدية في المنطقة من أجل التفاهم معها وتطمينها، كذلك بما يمكن من تدشين مرحلة جديدة من الحوار المثمر لصالح القضايا المشتركة، وهي كثيرة.
ختاماً، ندعو إلى قيام المؤسسات الكبرى في العالم الإسلامي، مثل منظمة التعاون الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بتنظيم لقاء جامع لتدارس الوضع بقدر من الروية، ونرى أن الأفضل أن يتم هذا المؤتمر في إطار شراكة موسعة تجنبًا للحساسيات وللوصول إلى إسماع صوت الإسلام وموقف الأمة الإسلامية فيما يجري في جمهورية مالي، ويهدد بانطلاقة الشرارة إلى الدول المجاورة.
إننا لنأمل من هذا الاحتشاد، الذي نتصور ما يمكن أن يقدمه من منافع ونتمنى انعقاده في أقرب الآجال، أن يفسح فيه مجال واسع للبعد الإنساني بحيث تقوم المؤسسات الإسلامية التي تعمل في ميدان العمل الإنساني بوضع خطة إغاثية مشتركة لاحتواء الآثار الناجمة عن فتنة الحرب وملء الفراغ الخطير الذي تستغله المؤسسات الأخرى التي نصفها بالمعادية غالباً، والتي تستغل غيابنا لتحقق أهدافها، ويمكن هنا الاستفادة من فكرة مؤتمرات المانحين.
وهذا النداء له صدى في البند التاسع من «البيان - الرؤية» الذي أصدره «اتحاد علماء أفريقيا»، الذي ناشد فيه الأمة الإسلامية حكومات وشعوباً الوقوف إلى جانب شعب مالي المسلم إغاثياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وطرح المبادرات الجادة لإنهاء المحنة المريرة التي يمر بها شعب مالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل