; غسل الأموال .. هل يصدر تشريع عربي موحد لمواجهته؟ | مجلة المجتمع

العنوان غسل الأموال .. هل يصدر تشريع عربي موحد لمواجهته؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1371

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

غسل الأموال من خلال الحسابات المصرفية ظاهرة قديمة، إلا أن الجديد فيها هو تطور وسائلها وزيادة حجم الأموال المحرمة المتعامل فيها.

"قرابة 15 مليار دولار جرى غسلها في فضيحة الأموال الروسية .. كم تبلغ قيمة تلك العمليات على مستوى العالم؟"

وتمثل عمليات غسل الأموال امتدادًا لنشاط رئيس سابق غير مشروع أو مكملة له إلى حد أن يصعب الفصل بينهما، وتمر هذه العملية بمراحل من التعتيم والتمويه عبر شبكة معقدة من الترتيبات والإجراءات تجري في إطار من السرية والكتمان، ويتوقف اكتشافها على عدد من الاعتبارات:

1 - وجود آليات تساعد على تحجيم الفساد وضبطه وتقليصه إلى أدنى درجة ممكنة، حيث تتسم مؤسسات بعض الدول بأنها هشة وضعيفة، ولا تحكمها نظم مستقرة، وتعاني من غياب القواعد والتنظيمات التي تحكم الأعمال والمشروعات العامة.

2 - مدى الدور الذي يضطلع به الإعلام من خلال مؤسساته الرقابية كالصحافة في الكشف عن الظواهر المنحرفة وغير الأخلاقية في المجتمع، الأمر الذي يمكن أن يحد منها.

3 - القيم السائدة في بعض المجتمعات التي قد تؤدي إلى النظر إلى الفساد باعتباره ظاهرة طبيعية متوقعة، خاصة عند ممارسة الوظيفة العامة، مما يخلق المناخ الملائم لنموه وانتشاره.

ومن الأنشطة الخفية غير المشروعة التي ترتبط بعمليات غسل الأموال تجارة المخدرات والفساد الإداري وما يرتبط به من جرائم الأموال والتهرب الضريبي وأنشطة المضاربة غير المشروعة في الأراضي والعقارات وتجارة الرقيق الأبيض والتعدي على الأراضي والعقارات العامة.

وهناك ثلاث آليات ومراحل لعمليات غسل الأموال تتمثل في:

- التوظيف: أي توظيف الأموال غير المشروعة في صورة ودائع بالبنوك أو المؤسسات المالية أو شراء أسهم أو عقارات.

- التمويه: أي خلق مجموعة معقدة من العمليات المالية بغرض تضليل أي محاولة للكشف عن المصدر الحقيقي للأموال.

الدمج: بمعنى ضخ الأموال - بعد نجاح أصحابها في التمويه - في الاقتصاد مرة أخرى كأموال مشروعة ومعروفة المصدر.

وهناك تطور مستمر في تكتيكات عمليات غسل الأموال وفي وسائلها وقنواتها، ومن هذه الوسائل إعادة الإقراض والاستثمار في الأوراق المالية. 

أما إعادة الإقراض فيقوم من خلالها الغاسل بإيداع أمواله لدى بنك خارجي لا يخضع لقيود وإجراءات غسل الأموال، ثم يقوم بطلب قرض من أحد البنوك المحلية في بلد آخر بضمان تلك الأموال المودعة في البنك الأجنبي، وبالتالي يكون قد استطاع الحصول على أموال نظيفة.

ويتم الاستثمار في الأوراق المالية لسهولة تسييلها أو تحويلها إلى نقود، فضلًا عما تمنحه أغلب الدول من إعفاءات ضريبية على هذا النوع من الاستثمارات.

وقد انتشرت عمليات غسل الأموال في السنوات الأخيرة وانتشر القلق من آثارها الضارة على الاقتصاد حيث تؤدي إلى الفساد وهدر الموارد الاقتصادية، وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج مما يشكل نزيفًا يحرم الاقتصاد القومي من آليات نمو، فضلًا عما يشكله من تهديد للأمن والاستقرار الاجتماعي وإيجاد شعور عام بالإحباط مما يضر بمناخ الاستثمار ويسيء للمجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. ويمكن تلخيص الآثار السلبية لغسل الأموال إجمالًا في الآتي:

1 - زعزعة الاقتصادات الوطنية خاصة أنه يقل وجود مؤسسة مالية واحدة بعيدة عن إمكان تعرضها لشبهات غسل الأموال.

2 - التأثير على الدخل القومي، حيث يتم استقطاع الأموال المودعة في الخارج من الدخل القومي، وذلك لاستثمارها في دول أجنبية. 

3- ضعف مستوى الإيرادات العامة، وعجز الموازنة، وزيادة أعباء الدين الداخلي والخارجي.

٤ - التأثير على قدرة الحكومات على إدارة ومتابعة السياسات المالية والنقدية. ويؤكد مدير إدارة مكافحة الجريمة في وزارة العدل الأمريكية في شهادته أمام لجنة البنوك والإسكان في مجلس الشيوخ الأمريكي أن منظمات تهريب المخدرات في المكسيك قد أصبحت غنية وقوية إلى الحد الذي يمكنها منافسة الحكومات في مجال التأثير والرقابة، حيث تستخدم ثرواتها المالية الواسعة لتقويض أركان الحكومات والمؤسسات التجارية.

وعلى سبيل المثال، هناك ما لا يقل عن ١٧ مليار دولار تمثل فاقدًا في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأربع الماضية بسبب تجاهل موظفي الاتحاد لعمليات التهريب.

وقد شهد العالم مؤخرًا تفجر فضيحة غسل الأموال الروسية الناتجة من صندوق النقد الدولي الذي قدم مليارات الدولارات إلى البنك المركزي الروسي لتغطية الموقف المالي لروسيا وتمكينها من سداد دفعات ديونها والحيلولة دون إعلان إفلاسها.

وقد تفجرت القضية أوائل هذا العام عندما بعث المدعي العام بوثائق حول تعاملات البنك المركزي وأثارت تساؤلات بعض النواب حول الأرباح والعمولات التي حصل عليها مسؤولو البنك من هذه التعاملات المشبوهة. 

وتقدر المبالغ التي تم تبييضها ما بين ١٠ - ١٥ بليون دولار عبر عدة طرق، وهي:

- التعامل مع متاجر للصرافة التي تستطيع أن تحول الأموال لأي حساب مصرفي في أي بنك بالخارج مقابل عمولة صغيرة.

- استغلال مديري الشركات الحكومية العاملة في مجال استخراج السلع الأولية، واستغلال وجود فوارق كبيرة في أسعار هذه السلع في السوق المحلية، يرجى ملاحظة أن النص تم تدقيقه املائيًا ونحويًا ولغويًا دون إجراء أي تغييرات في الصيغة الأصلية، ونظيرها في الأسواق العالمية والقيام بتصدير كميات كبيرة من هذه السلع بأسعار أقل من سعر السوق المحلي وبالعملة المحلية «الروبل»، في حين يتقاضون أثمانها بأسعار أعلى بالعملات الأجنبية، وبالتالي تكون حصص مصلحة الضرائب من الأرباح صغيرة للغاية. كما أنها دفعت كلها بالروبل، أما العائدات الخارجية بالعملات الأجنبية فإن جزءًا صغيرًا فقط منها يعاد إلى روسيا.

- يقوم البعض بشراء سلع من الخارج التي لا تصل إلى روسيا أبدًا، لأنها لم تُرسَل أصلًا، ويُزعم أنها سُرِقَت أو تلفت خلال نقلها. وفي هذه الحالة، تُخصم المبالغ التي دفعها ثمنًا لها من عائدات الشركة باعتبارها ديونًا معدومة.

وقد بحث محققون أمريكيون وبريطانيون سلسلة من الصفقات والتعاملات في بنك نيويورك، يُقال إنها تساوي أكثر من ١٥ مليار دولار، تسربت من روسيا، ويُنتظر أن تتضخم قائمة البنوك المتورطة في الفضيحة، حيث يقوم محققون أمريكيون وأستراليون وصينيون بفحص الحسابات المالية لمؤسساتهم.

ونتيجة لهذه الفضائح، تعرضت الإدارة الأمريكية لانتقادات شديدة واتهامات بالسخاء المفرط في منح الأموال لروسيا دون التحقق من الجهة التي وصلت إليها بدقة. كما أشارت مصادر أمريكية إلى أن الرئيس الأمريكي نفسه يقف موقفًا دفاعيًا في هذه القضية، حيث يتهمه الجمهوريون بإعطاء أموال لروسيا بسخاء دون التحقق من كيفية توجيهها بشكل سليم، وطالبوا بوقف منح روسيا أي قرض من صندوق النقد حتى يتم التحكم في منع التحويلات غير القانونية منها إلى مصارف خارجية. ولكن على الجانب الآخر، وبعد اتهام يلتسين نفسه بالاشتراك في الفضيحة، قامت الإدارة الحكومية الروسية بتحركات لاحتواء الأزمة وإعلان أن هناك دوائر في الغرب تستخدم هذه الفضيحة لإضعاف دور روسيا الدولي والإضرار بـ اقتصادها المتنامي. وبالتالي كشفت هذه الفضيحة عن خبايا عديدة في العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة وصندوق النقد، بين تبادل الاتهامات ومحاولات الدفاع.

العالم العربي:

ولا تسلم دول العالم العربي من هذه الظاهرة حيث إن عصابات غسل الأموال تستهدف بنوك العالم الثالث ومنها الدول العربية، وتحاول الحكومات الحد من تدفق هذه الأموال إلى بنوكها وأسواقها واستثماراتها بكل الوسائل نظرًا للارتباط الوثيق بين هذه العمليات وبين الجريمة المنظمة بكل صورها وأشكالها. وقد بينت الدراسات التي أُجريت على المستوى العربي أن الأموال التي عملت العصابات الدولية على إدخالها من خلال فروع البنوك الأجنبية الموجودة في بعض الدول العربية، تعود مرة أخرى للاستخدام في الأنشطة ذاتها التي جاءت عن طريقها ومنها المخدرات والسلاح، وبالتالي تدخل في دائرة تدمير الاقتصاد، ولذلك، تسعى الدول العربية لمكافحة تلك الظاهرة بكل الوسائل. 

فبالرغم من عدم وجود نص صريح في التشريع المصري يجرم عمليات غسل الأموال بصورة مباشرة، إلا أنه يمكن القول إن هذه العملية تندرج ضمن جريمة إخفاء الأشياء، وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة ٤٤ مكرر من قانون العقوبات المصري وعقوبتها السجن مع الشغل لمدة لا تزيد على سنتين. وتدرس مصر إصدار قانون لمكافحة غسل الأموال في إطار التزامها باتفاقية فيينا التي ألزمت أعضاءها بإصدار قوانين لمكافحة تلك الظاهرة. ويطالب الخبراء بحق طلب النائب العام الكشف عن الحسابات السرية للأشخاص الذين يدور حولهم الشك كما هو متضمن في النصوص الواردة في قوانين مكافحة تلك الظاهرة في الولايات المتحدة.

وفي البحرين، حذرت مؤسسة نقد البحرين من الخطورة التي تكمن في إمكان استغلال المصارف والمؤسسات المالية العاملة فيها كوسيط في تحويل الأموال التي تنتج عن أعمال إجرامية، بما يسهم في مساعدتها لتلك الأعمال ويعرضها لأخطار وتبعات قانونية كبيرة.

وذكر بيان للمؤسسة أنها اتبعت الأسس الدولية التي أصدرتها لجنة بازل عام ١٩٨٩م والتي شملت التعرف الجيد إلى العملاء والتقيد بالتشريعات القانونية مع الأجهزة الأمنية والقضائية في البلاد، وتوعية العاملين بالمصارف. ثم تلا ذلك حميم أصدرته المؤسسة في عام ١٩٩٣م، ينطوي على تأسيس نظام داخلي لمراقبة المبالغ المستلمة بواسطة المصارف، حيث تتبلور إجراءاته الأساسية في الاحتفاظ بسجل للمبالغ المستلمة نقدًا، صادر غير عادية بما يعادل ١٠،٠٠٠ دينار فأكثر، وإرسال نسخة من ذلك السجل إلى المؤسسة.

وبالنسبة للإمارات، فإن لديها أجهزة صارمة لمكافحة الأموال المشبوهة وتقوم بالتعاون مع الولايات المتحدة في هذا الشأن.

وتضع قطر ضوابط من خلال البنك المركزي ووزارة الداخلية للكشف عن أن عملية غسل الأموال جارية داخل أي من مؤسساتها المالية، وفي الفترة الأخيرة أعلنت عن إحباط محاولة لإدخال نحو ٢٠٠ مليون دولار من الخارج إلى المصارف التجارية القطرية لتنظيفها.

وبالرغم من ذلك، فهناك حاجة إلى وجود تشريع سريع وواضح لعمليات غسل الأموال وذلك لعدة أسباب منها: 

- أن القوانين المعمول بها لا تعتبر عمليات غسل الأموال جريمة، ويقتصر التجريم فقط على النشاط غير المشروع الذي يتحقق منه الدخل (تجارة المخدرات مثلًا.. إلخ).

- أن القوانين الخاصة بملاحقة متحصلات الجرائم لا تسري في مواجهة كثير من عمليات غسل الأموال، لأنها عملية معقدة وتتطلب أكثر من شخص لارتكابها وتتم على مراحل متعددة، ويقوم بها أناس فوق مستوى الشبهات وعلى دراية واسعة بالأعمال المصرفية.

- ضمان تحقيق العقاب الرادع لمن يتواطأ مع أصحاب الدخول غير المشروعة بمساعدتهم على إضفاء المشروعية عليها سواء من العاملين في البنوك أو في غيرها من الجهات ذات الصلة.

والواقع أن هناك من الخبراء من يرى أن يكتفي للتحوط من غسل الأموال بالإجراءات التي حددتها لجنة «فاتف» (قوة العمليات المالية) والتي تتبع الأمم المتحدة وتصدر توصيات بشأن عمليات غسل الأموال، وتستخدم هذه اللجنة مؤشرات للتعرف على الأموال غير المشروعة ومصادرها وتجميع المعلومات حولها.

وعليه، فإن الجدل محتدم بين المؤيدين والمعارضين لوضع تشريع صريح لعملية غسل الأموال، فالمؤيدون لهم حججهم والتي تتبلور في أن عملية غسل الأموال لها آثارها السلبية على الاقتصاد والسياسة في الدولة، كما أنه يشجع العصابات التي تقوم بتلك العملية على أن تقوم بها في الدول التي لا يوجد بها تشريع لمكافحة الظاهرة. 

أما الجانب المعارض لمثل هذا التشريع فيسوق حججه بأن المودع يهمه سرية الحسابات ويحذر من أنه قد ينتهي الأمر إلى تحميل البنوك المسؤولية عن قبول إيداعات غير نظيفة رغم أن ذلك قد يتم بحسن نية، ويحذرون من أن تشريعًا من هذا النوع يعوق الاستثمار ويحد من تنمية صناعة الخدمات المالية. كما أن التشريع في رأيهم قد يضر بالوضع التنافسي للبنوك.

وأيًا ما كان الأمر فإن غسل الأموال قد أصبح مشكلة عالمية يجاهد العالم لمجابهتها، وفي هذا يمكن رصد أبرز الجهود الدولية لمكافحة هذه الظاهرة في:

1- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية في فيينا عام ١٩٨٨م.

2- الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية عام ١٩٩٤م.

3- قانون المبادئ الصادر عن لجنة بازل عام ١٩٨٨م والذي يحظر استخدام البنوك في النشاط المتعلق بالجرائم المختلفة.

4- التوصيات الأربعون للجنة العمل للإجراءات المالية.

5- الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف بشأن تنظيم عمليات تبادل تسليم المجرمين وتبادل المعلومات في مجال مكافحة الجريمة وعمليات غسل الأموال.

6- المؤتمرات المنعقدة لمكافحة الجريمة المنظمة وهي متعددة.

الرابط المختصر :