العنوان غش + غش = خراب و ضياع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 50
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 45
السبت 07-يونيو-2003
الغش مرض خبيث، إذا أصيبت به أمة قضى على ذمتها ووحدتها ومقوماتها وحضارتها، فهو ضعف في العزيمة وفي القوة العقلية والبدنية، واستئصال للأمانة والشرف. والغش نوع من الخيانة والدغل والتمويه والخرق، يُطمع الناس في غير مطمع ويرفعهم في غير مرفع، فهو إذاً أخو السراب والبرق الخلب، لا ماء ولا ضياء، وهو كذلك جدب بوادٍ غير ذي زرع، يا ويح مقترفيه ويا خراب فاعليه، وقد يتعدى هذا في بعض الأمم إلى الموجهين فيها فتكون الطامة الكبرى والداهية العظمي.
ولهذا حذر الإسلام منه ونفى الإيمان عن مقترفيه، فقال ﷺ «من غشنا فليس منا» ثم رتب الإسلام عليه العقوبة، وكذلك القوانين والأعراف، حتى لا تنحدر الأفراد وتنزلق إلى هذا المستنقع الخطير.
ويقول ﷺ «ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة» وفي رواية «ببيت ليلة سوداء غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». هذه التعاليم الحاسمة تفرض على الفرد أن يكون ناصحاً لأخيه دالاً له على الخير، ناصحاً لأمته، يعمل لخيرها ويرها في كل موطن وزمان، ويفرض على أصحاب الرأي والتوجيه الإخلاص في القول والعمل.
ورغم أن ديننا وتعاليمنا وتقاليدنا، تحذر من الغش والخداع وعدم الإخلاص نجد أن هذا الداء قد وصل إلى نخاع الأمة من الفرد إلى القمة، ومن الحياة اليومية إلى المؤسسات الرسمية، وهذا شيء يجب الالتفات إليه ومعالجته، إذا أردنا بناء أمة تحظى بالاحترام والتقدير وتستطيع أن تأخذ طريقها إلى التقدم والريادة، كما ينبغي أن يكون للناس مثل يقتدون بهم في هذا الأمر، حتى تجدي الكلمة وينفع التوجيه وتصح التربية ويجب أن يكون أصحاب التوجيه على درجة من النقاء والتجرد والشفافية تدفع إلى الاقتداء بهم، فلا تُزور مثلاً الانتخابات من القاعدة إلى القمة، ولا تخاطب الناس بغير الحقائق، ولا تقول ما لا تفعل، أو تعد الأمم بالكثير ولا ترى حتى القليل.
والأمثلة في هذا المضمار مخجلة وفاضحة. وإذا تجاوزنا ذلك إلى القمة نجد البلاء طوفاناً، فهذه مثلاً اجتماعات على أكثر من مستوى وقراراتها كثيرة تداعب أحلام الأمة، ثم تصيبها بالإحباط والغثيان. وهذه التصريحات والوعود التي يتشبث بها الناس كالغريق الذي تهالكت قواه، ثم إذا بهم يكتشفون أنهم وقعوا في الهاوية التي ليس لها من دون الله كاشفة، وهذه الاتحادات والمنظمات التي أنشئت وظهرت للوجود، وهلل الناس لها وكبروا فرحاً وسروراً، فإذا بها سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجد شيئاً .. عشرات الاتحادات، اتحادات المشرق، التي هلكت وتوفاها الله، واتحادات المغرب التي كفنت في يوم عرسها ووريت التراب!.
شيء يدعو إلى العجب والإحباط والرثاء، ويسأل الإنسان نفسه ولم هذا العبث وهذا الخداع والغش للأمم والأفراد والشعوب؟! ولنضرب لذلك مثلاً والأمثلة كثيرة، باتحاد المغرب العربي الذي أسس قبل أربعة عشر عاماً في فبراير سنة ١٩٨٩م في مدينة مراكش المغربية، ويومها تواترت الوعود وتوالت التصريحات، منذ ذلك التاريخ وانتظرت شعوب المنطقة تحقيق الوحدة أو حتى التقارب بينها، ولكنها كانت دائماً تكتشف أنها وعود زائفة، تنتهي دائما بأزمات أو اختلافات واتهامات ومهاترات سياسية بين دولتين أو أكثر من دول الاتحاد الذي يعاني من الكساح وفقر الدم منذ تأسيسه، حتى أصبحت القناعة لدى شعوب الاتحاد أن المسؤولين يتعاملون فيما بينهم بغش وخداع وغياب للمصداقية.
ومرت السنون وضاعت الأيام دون تحقيق أي شيء من شأنه أن يغير حياة شعوبه البالغة أكثر من ٩٠ مليون نسمة، والأسوأ من ذلك أن تظل الحدود مغلقة بين دول هذا الاتحاد، بل إن رؤساء المؤسسات الاقتصادية والتجارية يتعاملون بسهولة مع الاتحاد الأوروبي ولا يتعاملون مع بعضهم البعض.
واللافت في هذه المؤسسات والاتحادات أنها لابد أن تعوق بغابة من القوانين واللوائح حتى تساعد الراغبين في الفشل على وأد المسيرة وبعثرة الجهود وإحباط الآمال. فمن الموضوعات التي طرحت ومازالت مطروحة، طريقة اتخاذ القرار، وتعيين أعضاء المجلس الاستشاري فهل هم بالانتخاب، أم بالتعيين، وتطبيق المعاهدات العديدة الموقعة، هل هو اختياري أم إلزامي؟ وهذا جعل كثيراً من المعاهدات لا تساوي الحبر الذي كتبت به.
وأما النظام الإداري والمؤسسي فهو أشد بيروقراطية وعبثية يستحيل معها الإنجاز أو حتى الاتفاق والمراقبة، فالأمانة العامة من نصيب تونس، ثم المجلس الاستشاري ومقره الجزائر، والهيئة القضائية ومقرها موريتانيا، ومصرف الاستثمار والتجارة الخارجية ومقره تونس، وأكاديمية العلوم والجامعة المغربية ومقرها في ليبيا، أما مقر الاتحاد فقد تم الاتفاق على أن يكون في المغرب، ولهذا لم ير الاتحاد النور في أى شيء. فالأمانة العامة، ومجلس الرئاسة، لم يجتمع أي منهما منذ تأسيسه في سنة ١٩٩٤م، والقرار بإنشاء منطقة للتبادل الحر ومعاهدة الوقاية من المخالفات الجمركية لم يعرف عنها شيء.
أما عن لجنة المتابعة التي ألفت وتتكون من عضو عن كل حكومة فلم تجتمع ولم يعرف أحد إلى الآن مهمتها بعد ١٤ عاماً، وكذلك اللجان الوزارية المختصة وعددها خمسة، وهي المالية والبنى التحتية والموارد البشرية والصناعية والزراعية والنقل، لا يعرف أحد عنها شيئاً، أما الهيئة القضائية التي تضم ۱۰ قضاة اثنين من كل بلد ومقرها نواكشوط، فلم تجتمع قط حتى الساعة، ولم تؤد حتى اليمين، وينطبق ذلك على جميع المؤسسات والقرارات ولا يدري أحد لم هذا الفشل وهذه الشعوب عندها ما يؤهلها للوحدة من الدين واللغة والمذهب الواحد، والتواصل الجغرافي والثروات .. إلخ.
وبعد فما رأي المخلصين والمحللين والمراقبين في هذه العبثيات التي أضاعت الأمة وأحبطت توجهاتها الخيرة! ومن المستفيد من ذلك كله؟ وما الطريق والوسيلة للخروج من هذه الأزمة الخانقة؟ أظن أن عقلاء الأمة سيجدون لذلك حلاً إن شاء الله تعالى.. ولكن متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل