; غياب العدالة يعكس تطلعات نظام "القذافي" للعودة والسيطرة على مقدرات البلاد | مجلة المجتمع

العنوان غياب العدالة يعكس تطلعات نظام "القذافي" للعودة والسيطرة على مقدرات البلاد

الكاتب خيري عمر

تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015

مشاهدات 51

نشر في العدد 2079

نشر في الصفحة 23

الخميس 01-يناير-2015

 

معضلة تطبيق التشريعات والسياسات الانتقالية تكمن في قانون العزل إذ يطال عدداً كبيراً من العاملين بالدولة

اتساع سلطة رئيس الوزراء أطاحت بالقواعد الدستورية للفترة الانتقالية وركزت الثروة بيد النخبة الموالية لنظام "القذافي"

سياسات حكومة علي زيدان كانت تميل بشكل دائم لتشتيت مسار الفترة الانتقالية

رفْضُ المنضوين تحت عملية "الكرامة" للحوار السياسي والتوجه نحو الخيار المسلح يدلل على رفضهم العدالة وحكم القانون

اجتهدت حكومتا زيدان وعبدالله الثني في إعاقة دمج الثوار بالجيش والشرطة بهدف تفكيك الدولة والقضاء على الثورة

د. خيري عمر

 

بعد مرور ثلاث سنوات على بدء المرحلة الانتقالية في ليبيا، تبدو أهمية مناقشة مسار العدالة وطبيعة التحديات التي توجهها، وخصوصاً في ظل صدور العديد من القوانين التي تنظم مسألة العدالة الانتقالية بما يعكس بروز أولويتها في التشريعات والحوار الوطني، لكنه رغم الظهور الواضح في التشريعات تبدو أهمية الاقتراب من الإنجازات التي تحققت في العدالة والمصالحة الوطنية، حيث يشكل وضع صيغة قانونية لرد ‏المظالم والتعويض والمحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان مطلباً حيوياً لبناء النظام الجديد وفق مبدأ سيادة القانون.

وقد استقرت قوانين العدالة الانتقالية في ليبيا على التعريف بأنها بمثابة إطار ‏تشريعي لمعالجة انتهاكات النظام السابق وأجهزته الأمنية للحقوق ‏والحريات الأساسية، وخصوصاً ما يتعلق منها بتعرض المواطنين ‏لانتهاكات جسيمة وممنهجة، وهنا تقوم فكرة العدالة الانتقالية على تصحيح المظالم التي تعرض لها المجتمع خلال فترة حكم "القذافي" والفترة الانتقالية. 

وقد شكلت مجموعة القوانين الصادرة في عامي 2012 و2013م الأرضية القانونية لنظام العدالة في ليبيا، حيث صدر قانون العدالة الانتقالية بليبيا في 9 ديسمبر 2013م كمحصلة لمجموعة من القوانين تمثلت في القانون (رقم 17/ 2012م) بشأن ‏إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة، وكذلك القانون (38/ 2012م) بشأن الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، والقانون (50/ 2012م) بشأن تعويض السجناء السياسيين.

وقد حدد القانون ثمانية أهداف تشكل ركيزة المحاسبة القضائية والسياسية، بحيث تنقل الدولة لمرحلة جديدة ‏دون انبعاث الصراع الاجتماعي، فقد جاء الحفاظ على السلم الأهلي في أولوية أهدافه، وردع ‏انتهاكات حقوق الإنسان وبث الثقة في نظام العدالة ورد المظالم، ووفق هذه الفلسفة والإطار التشريعي تقترب التجربة الليبية من بلورة الشكل القانوني للعدالة الانتقالية.

وقد شكل القانون "هيئة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية" كشخصية اعتبارية مستقلة إدارياً ومالياً، وتكون ‏تبعيتها للمؤتمر العام، وتختص بتقصي الحقائق حول الانتهاكات ودراسة النزاعات الجماعية، ومشكلات المهجرين والنازحين، وذلك على أن يصدر نشاطها في تقرير يوضح الانتهاكات والجهات التي اقترفتها وحدود المسؤولية السياسية والجنائية. 

كما اعتبر العدالة الانتقالية مكملة لمهمة قانون العزل السياسي، فبينما يتوقف العزل عند الحرمان من المشاركة ‏السياسية، فإن تحقيق العدالة الانتقالية يتناول الجوانب الجنائية والاجتماعية.. ولعل ثنائية العزل السياسي والعدالة الانتقالية تشكل واحدة من معضلات السياسة في ليبيا، فكما تتطلب ‏العدالة استقلال السلطة القضائية، فإن قانون العزل يطال عدداً من القضاة، ويتسع ليشمل الكثير من ‏الإداريين الذين سبق لهم العمل في جهاز الدولة، وهنا تبدو المعضلة في مدى قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق التشريعات والسياسات الانتقالية.

الصراعات السياسية

لقد ترتب على التعدد السياسي والاجتماعي حالة من الانقسام والاستقطاب السياسي، شكلت عقبة أمام تطبيقات العدالة، فالانقسامات، بأشكالها المختلفة، رتبت حالة من المصالح المتناقضة، كان التعبير الواضح في هذا السياق، مطالبة "تحالف القوى الوطنية" بمراجعة العزل السياسي وإلغاء دار الإفتاء أو منعها من التدخل في الشأن السياسي، وهنا صار جدل واسع حول نطاق ومجال العدالة بما يتطلب اضطلاع مؤسسات العدالة بصياغة تصور يرجح أولوية المصالحة الوطنية والتعويض والمحاسبة على الترتيب، وهذا ما يتوقف على توافر الإرادة السياسية لسلطات الدولة، باعتبارها المحرك الأساسي لمنظومة العدالة الانتقالية والضامنة لتحقق مبدأ سيادة القانون.

وقد ذهبت دار الإفتاء الليبية، في 24 أكتوبر 2011م، إلى أن تصورها للمصالحة الوطنية والعدالة يرتكز على قاعدة التسامح إذا ما ثبت الخطأ وعدم القصد، ولكنها في حالة ثبوت البغي والعمد يكون القصاص واجباً، لكنها لم تغلق الباب أمام التصالح في الانتهاكات دون تجاوز للأصول الشرعية أو هدر الحقوق.

ومن وجهة نظر دار الإفتاء، أن المصالحة الوطنية تتعلق فقط بتسوية ما يتعلق بالجنايات ضد الأفراد والمجتمع، لكنها لا تؤدي لتولي مناصب عامة، وهي بهذا المنطق تقر بأولوية العزل السياسي لبعض الفئات التي تعاونت مع نظام "القذافي"، وتشمل التصنيفات؛ من تلطخت أيديهم بالدماء، من كان معروفاً بسرقات الأموال واستغلال النفوذ، ومن كان معروفاً من اللجان الثورية بالنشاط وحضور الملتقيات وقول الزور بالمدح الكاذب والنفاق وملاحقة الأبرياء والوشاية بهم.

الفساد الإداري

أشار التقرير السنوي لديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية لسنة 2013م لعدة ملاحظات على أداء الحكومة، دارت حول غموض السياسات العامة، وغياب خطة عمل واضحة لتسيير الخدمات أو تطويرها.. كما تفتقر سياسات مجلس الوزراء للشفافية، ويعمل بشكل منفصل عن مؤسسات الدولة، ولم تسلم الخطة المالية والتنموية للمؤسسات الرقابية، ‏وهو ما يعد مخالفة للقانون (20 لسنة 2013م) بشأن إنشاء هيئة الرقابة الإدارية.

فاتساع سلطة رئيس الوزراء تطيح بالقواعد الدستورية للفترة الانتقالية، وترسخ تركيز الثروة في النخبة الاقتصادية الموالية لنظام "القذافي".

كما تم ضخ أموال لكل المجالس ‏المحلية دون ضوابط محددة لصرفها وبلغت المصروفات (412.416.876 ديناراً ليبياً)، وهناك ظاهرة عامة في المجالس المحلية تتمثل في تباطؤ صرف المخصصات حتى نهاية ‏يونيو 2013م والتي بلغت نسبة متواضعة مقارنة بالمخصصات الإجمالية، بلغت في بنغازي ‏‏13.5%، وهي سياسات أدت لتدهور الخدمات المحلية وتذمر المواطنين تجاه ثورة فبراير.

وقد أدت سياسات الفساد منذ عام 2012م لحدوث عجز في موازنة عام 2014م مقداره 10 مليارات دينار، وذلك بعد أن حققت فائضاً مقدراه 21 مليار دينار في عام 2012م، حيث أقدمت الحكومة التالية لحكومة عبدالرحيم الكيب على تبديد الفائض والاتجاه نحو العجز، وهي حالة لم تشهدها ليبيا منذ الاستقلال، ووفقاً لتقرير ديوان المحاسبة، تكمن المشكلة ‏المالية في قصور السياسات الحكومية عن تشغيل مرافق الدولة وعدم دقة في السجلات الحكومية.

ويمكن القول: إن السياسات التي تبنتها الحكومة كانت تميل بشكل دائم لتشتيت مسار الفترة الانتقالية.

الإطاحة بالقانون

وعلى خلفية الفساد المالي بميزانية عام 2013م، صدر قرار النائب العام في 11 مارس 2014م باستدعاء علي زيدان للتحقيق ومنعه من السفر، لكنه تمكن من الخروج من البلاد ثم دخل مدينة البيضاء في 19 يونيو، وزار طرابلس في 25 يونيو دون مثوله أمام النائب العام، وشكلت هذه الممارسات إهداراً لمبدأ العدالة، فهذه المواقف تشكل امتداداً لتغييب القانون خلال فترة بقائه رئيساً لمجلس الوزراء، حيث كان التراخي في تطبيق القانون تجاه إهدار الثروة النفطية وتركها تحت سيطرة "حرس المنشآت" البعيدة عن سيطرة الدولة، كما تراخى في تطبيق قرارات دمج الثوار في الجيش والشرطة.

ويعد رفض المنضوين تحت عملية "الكرامة" للحوار السياسي والتوجه نحو الخيار المسلح تعبيراً عن رفض العدالة وحكم القانون، فكل منهم تنطبق عليه معايير النزاهة والعزل السياسي، كما أنه من الناحية الجنائية يخضع الكثير من القيادات السابقين لمحاكمات لم تشهد تقدماً ملموساً في التحقيقات والتقاضي، وقد تطورت هذه الحالة حتى صارت المعارك الدائرة انعكاساً لتطلعات النظام القديم للعودة للسيطرة على موارد البلاد، وتقوم إستراتيجية هذه المجموعات على تفكيك مؤسسات الدولة بحيث لا تستطيع الاضطلاع بوظائف العدالة، سواء باتساع الاغتيالات أو الاعتداء على المؤتمر الوطني العام ومقرات الشرطة.

وتتكامل هذه التوجهات مع تباطؤ الحكومة في برنامج بناء الجيش وجهاز الأمن، حيث يمكن تقييم السياسات العامة بأنها حزمة تفكيك الدولة والإطاحة بالثورة، ولذلك اجتهدت حكومتا زيدان، وعبدالله الثني في إعاقة دمج الثوار في الجيش والشرطة وفق القرارين (612/ 613 لسنة 2013م)، ولكنها على عكس ذلك التوجه توسعت في ضم عناصر المؤسسات الأمنية والعسكرية الموالية لـ"القذافي"؛ وهو ما يعد إمعاناً في حرمان الثوار من الاندماج في مؤسسات الدولة.

وتكتمل سلسلة اختراق القانون بعدم اعتراف بعض نواب برلمان "طبرق" بقرار الدائرة الدستورية بإبطال الانتخابات التشريعية، وظلوا يعملون كسلطة تشريعية، وكان من اللافت، ليس صدور تصريحات تعتبر تقسيم البلاد حلاً مطروحاً، ولكنها تمادت في الطعن في القضاء الوطني وصرحت بإمكانية تدويل القضية.

الرابط المختصر :