العنوان غير المسلمين في المجتمع الإسلامي
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 70
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 56
الجمعة 06-يناير-2012
نظرات إسلامية
غير المسلمين في المجتمع الإسلامي
مع صعود الإسلاميين للحكم ونجاحاتهم في الإنتخابات البرلمانية في أكثر من بلد عربي، ثار جدل واسع حول موقف الإسلام والإسلاميين من غير المسلمين، وتعالت صيحات التخويف منهم، وهناك من تطرف في موقفه وهدّد بالهجرة، وهناك من اأستقوى بالغرب، وهناك من إستخدم سلاح التحريض والإستعداء,
وأمام هذا المشهد، أجدني مدعوًا إلى بيان دستور العلاقة مع غير المسلمين، ومن مواده الراسخة قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البقرة: ٢٥٦)، وقوله جل شأنه: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ (9)﴾ (سورة الممتحنة: 8 – 9).
وقوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (سورة المائدة: 5).
وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 46).
وحسبنا أن نذكر حق الحماية من الإعتداء الخارجي، في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية، حينما تغلّب التتار على الشام، وذهب الشيخ الإمام ليكلم «قطلوشاه» في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق «أهل الذمّة»، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: «لا نرضى إلا بإفتكاك جميع الأساري من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمّتنا، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الذمّة، ولا من أهل الملّة»، فلما رأى إصراره وتشدّده أطلقهم له.
والناس في المجتمع الإسلامي سواسية وقاعدة التسامح الديني والفكري هي أساس العلاقة، وأن يكون لكل صاحب دين حق اعتقاد ما يراه من ديانة ومذهب، فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت، فلا يجوز أن يكلف يعمل في هذا اليوم، وقد ورد في «غاية المنتهى وشرحه من كتب الحنابلة»: «يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعا من عمل في إجارة».
وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، فلا يجوز أن يمنع من ذلك في هذا اليوم، ومن ثم لا يجب التضييق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم، وإن كنا نعتقد أنه حرام في ديننا، وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمّة، إذْ أرتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح. فقد ألتزموا كل ما يعتقده غير المسلم إنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيّقوا عليه بالمنع والتحريم.. وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك، مراعاة لشريعة الدولة، ودينها، ولا يتّهموا بكثير من التعصّب أو قليل، ذلك لأن الشيء الذي يحلّه دين من الأديان ليس فرضًا على أتباعه أن يفعلوه.
إن الإسلام لم يشأ أن يضيّق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حلّه، وقال للمسلمين: «أتركوهم وما يدينون».
شهادة من التاريخ
وكثيرًا ما توضع شرائع حسنة، وأحكام عادلة، ومبادئ قيّمة، ولكنها تظلّ حبرًا على ورق، فلا توضع موضع التنفيذ، ولا يبالي بها الذين في أيديهم سلطة الأمر والنهي والإبرام والنقض.
ولكن ميزة المبادئ والأحكام الإسلاميّة، أنها مبادئ ربّانيّة الأصول، دينية الصبغة.. ولهذا وجدت من القبول والإستجابة ما لم تجده أي شريعة أخرى، أو قانون مما يضع البشر بعضهم لبعض.
وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلاميّة في مختلف عصورها، بأروع مظاهر التسامح، الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم، في معظم بقاع الأرض فلا يجدونه، وحسبنا أن نذكر ما كتبه «وول ديورانت»: «لقد كان أهل الذمّة المسيحيّون، والزرادشتيون، واليهود، والصابنون يتمتّعون في عهد الخلافة الأمويّة بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحيّة هذه الأيّام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، وأحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم».
أما العصر العباسي -عصر إزدهار الحضارة الإسلاميّة، ومكانة أهل الذمّة فيه- فيقول «د. الخربوطلي» الذي يعتمد فيما يقرّره على المراجع التاريخيّة الأساسيّة، وكتابات المستشرقين أنفسهم: «أشتهر من بين أهل الذمّة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل «جرجيس بن بختيشوع» طبيب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه وأكرمه، ومن هؤلاء «جبرائيل ابن بختيشوع» طبيب هارون الرشيد الذي قال الرشيد عنه: «كل من كانت له حاجة إلي فليخاطب بها «جبريل»، لأني أفعل كل ما يسألني فيه، ويطلبه مني»!
ترى، هل آن لغير المسلم أن يتعرف على معالم هذا الديّن القيّم، الذي يدعو إلى العلم، والمنهج العلمي، ويحترم نتائج البحوث العلميّة، ويعتبر الفرد مسؤولًا عن عمله، ولا يقيم هذه المسؤوليّة على اللون والجنس، ويعتبر الإنسانيّة عبر التاريخ أسرة واحدة، ويعتبر الأنبياء جميعًا أخوة ويعتبر المؤمنين بالله إخوة، رجاء التطلّع إلى الأفق العالي.. أفق الإخاء الإنساني، حيث «لا تفرقة عنصريّة»، و «إنما سعادة في الدنيا والآخرة».