العنوان فتاوى المجتمع: المجتمع (1284)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1998
مشاهدات 103
نشر في العدد 1284
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 13-يناير-1998
دكتور عجيل النشمي - عميد كلية الشريعة - جامعة الكويت سابقًا
من فقه الصيام
مع كل رمضان تتجدد الأسئلة حول العديد من الأحكام الفقهية المرتبطة بالصوم، البحار الذي يقضي أشهرًا وسط الماء، هل يصوم؟ وما حكم الإكثار من الطعام على موائد رمضان والذي يأخذ أكثره طريقه إلى القمامة؟ وما حكم صيام المغمى عليه؟ وهل يجوز علاج الأسنان في نهار رمضان؟
حياتي في البحر
السؤال: ضابط بحري على ظهر ناقلات البترول، وطبيعة العمل تقتضي أن تستغرق الرحلات أشهرًا أربعة أو أكثر، ويتعذر النزول إلى الموانئ، فهل يجوز له قصر الصلاة وجمعها؟ وهل يجوز له الفطر في رمضان، وإذا أحب أن يصوم رمضان وهو في السفينة فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: متى ما شرعت السفينة في السفر فأنت في حكم المسافر فتقصر الصلاة وتجمعها ولو طالت المدة لأنك مسافر لم يستقر بك الحال في بلد ما، وليست عندك نية الإقامة في أي بلد، ولا يلزمك الصوم ولكن إن أردت الصوم وصمت فصومك صحيح.
وقد نص فقهاء الحنفية على أن من شروط قطع السفر أن يكون المكان صالحًا للإقامة فيه، والمكان الذي يصلح للإقامة هو بلدك أو البلدان التي تنزل فيها، وأما السفينة فلا تصلح أن تكون مكانًا معتادًا للإقامة، ولو نويت الإقامة في السفينة أربعة أشهر فلا تعتبر مقيمًا بل تظل مسافرًا ما دمت فيها.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن نية السفر تنقطع إذا نوى الإقامة في مكان، ولو كان المكان غير صالح للإقامة فتصح نيته ويصبح مقيمًا ويمتنع عليه قصر الصلاة والفطر، فعلى رأيهم تتم الصلاة إذا نويت الإقامة هذه المدة في السفينة، والحنابلة لهم رأيان يوافق كل منهما الرأيين السابقين.
ولعل ما ذهب إليه الحنفية أولى مما ذهب إليه غيرهم؛ لأن من على السفينة مسافر وليست هي محل إقامته ولا تصلح أن تكون محل إقامة معتادًا، وحال السفينة حال التنقل بمن فيها كحال المسافر بالطائرة من بلد إلى آخر.
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا
السؤال: في شهر رمضان يُكثر الناس من الطعام ومن أنواع الطعام الكثيرة ويكون مصير أغلب الطعام إلى القمامة.. فهل يعتبر ذلك من الإسراف وما الحكم الشرعي في هذا العمل؟
الجواب: الأصل في رمضان أن يكون شهر التخفيف من فائض الطعام والشراب
والتقشف الذي يشعره بمن حاله الجوع أغلب العام أو بعضه، وهذا من حكم هذا الشهر الكريم، لكن الأعراف المتبعة في سائر البلاد الإسلامية جعلت من هذا الشهر موسم التفنن في أنواع الطعام ولذيذ الشراب حتى بلغ الناس في ذلك مبلغ السرف المذموم أو المكروه أو المحرم، إذ الشراب والطعام بقدر ما يندفع به الهلاك واجب، فإن كان بقدر الشبع المعتدل فهو مباح، وما زاد على الشبع فمكروه، وإن زاد في طعامه وشرابه بحيث أدخل الضرر على نفسه، أو أعاقه ذلك عن أداء عباداته، أو تسبب في إضاعة ماله أو منع عياله نفقتهم فهو محرم.
ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ۳۱) فالأمر بالأكل والشرب مطلوب ليقيم الإنسان حياته والإسراف محرم إذا أدى إلى خلاف المقصود من الأكل والشرب مما سبق ذكره، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (الترمذي 7/51).
وليتذكر المسلم في رمضان خاصة حاجة إخوانه المسلمين إلى ما يلقيه في صناديق القمامة من طيب الطعام، مما لو وصل إلى المحتاجين إليه لأقام حياتهم أو دفع عنهم غائلة الجوع والهلاك، ولو اقتصد المسلم في مأكله ومشربه لاستطاع أن يرسل قيمة ما قد يزيد على حاجته إلى المستحقين له من الفقراء والمساكين والمنكوبين وما أكثرهم.
لم يصم لله
السؤال: ما حكم الشخص إذا نوى الصيام من الليل وأمسك وطرأ عليه أثناء النهار إغماء لأي سبب كان، ولم يفق من الإغماء إلا بعد الإفطار، وهو لم يأكل شيئًا في هذه المدة، فهل يعتبر صائمًا هذا اليوم؟
الجواب: جمهور الفقهاء -عدا الحنفية.. ذهبوا إلى بطلان صومه لقوله تعالى في الحديث القدسي : «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» (مسلم 2/807) فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه.
لكن لو أفاق من الغيبوبة أو الإغماء أثناء النهار فيصح صومه على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
عند طبيب الأسنان
السؤال: شخص ذهب إلى طبيب الأسنان في نهار رمضان وهو صائم وأثناء العلاج دخل بعض دم اللثة إلى جوفه وابتلعه، فهل يفطر؟
الجواب: اختلف قول الفقهاء في هذا والذي يترجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن ابتلاع الدم خاليًا أو مع الريق يفطر الصائم لأن الدم نجس، ولا عبرة بوجود الريق لأنه يتغير باختلاطه بالدم.
وذهب الحنفية إلى عدم الفطر ولو كان الدم غالبًا على الريق لأن ذلك مما لا يمكن الاحتراز منه فكان حكمه مثل حكم الطعام القليل يكون بين الأسنان، هذا إذا لم يصل الدم إلى الجوف.
وذهب الحنفية إلى عدم الفطر إذا دخل الدم المخلوط باللعاب إلى الجوف بشرط ألا يغلب الدم اللعاب أو البصاق، فإن كان الدم أكثر منه فسد الصوم، وعليه أن يقضي هذا اليوم، وإن كان اللعاب أكثر لم يفطر، وإن تساويا فإنه لا يفسد الصوم أيضًا.
اترك السواك بعد العصر
السؤال: صائم أحس بجفاف في فمه آخر اليوم بعد العصر، فهل يجوز أن يستخدم السواك لترطيب فمه؟
الجواب: السواك لا شيء في استخدامه في أول النهار أو في آخره لترطيب الفم أو لغير ذلك، بل سنة ومستحب عند بعض الفقهاء، وقد وردت أحاديث في هذا -كلها فيها كلام- منها قول النبي ﷺ «من خير خصال الصائم السواك» (ابن ماجة 1/536، والحديث فيه ضعف).
والذي نراه من أقوال الفقهاء أن السواك جائز ومستحب بشرط ألا يتحلل منه شيء فيصل إلى الجوف فإنه يفطر حينئذ، وكذلك فإن ترك السواك بعد العصر أفضل خاصة إذا كان مبتلًا رطبًا حذرًا من أن يصل منه شيء إلى الجوف، ولأن النبي ﷺ قال: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الأذفر» والأذفر: نوع من المسك الجيد (البخاري 4/103ومسلم 2/ 807).
لا فدية ولا قضاء
السؤال: رجل كان مريضًاً في رمضان ولم يتمكن من الصوم واستمر مرضه وقدر الله له الموت، فهل يلزم أهله أن يصوموا عنه أو يخرجوا عنه الفدية؟
الجواب: لا يلزم الورثة الصوم عنه الأيام التي أفطرها كما لا يلزمهم إخراج الفدية؛ لأن الصوم كان واجبًا ولم يتمكن من أدائه لمرضه حتى مات فيسقط حكمه مثل الحج إن لم يتمكن من أدائه فيسقط عنه، وهذا باتفاق الفقهاء.
لكن الحكم يختلف لو أن هذا المريض شفي من مرضه وكان بإمكانه أن يصوم ولم يصم ثم مات فالمذاهب الأربعة قالوا: لا يلزم ورثته الصوم عنه؛ لأن الصوم لا تجوز فيه النيابة، فهو عبادة لا يجوز أن ينوب فيها أحد عن أحد أثناء الحياة فكذلك بعد الموت.
وأما إخراج الفدية عمن أخَّر الصيام بغير عذر فجمهور الفقهاء قالوا بوجوب الفدية عن كل يوم، وقال الحنفية يلزمه أن يوصي بالفدية حتى تجب على الورثة.
من يضمن؟
السؤال: سمعت بعض الناس يقول إن العلك لا يفطر.. فهل هذا صحيح؟
الجواب: العلك أو ما يسمى باللبان إذا كان فيه طعم لم يتحلل منه فمضغه الصائم وأحس بطعم مميز ودخل جوف الصائم فإنه يفطر بإجماع الفقهاء، سواء كان حلوًا أو مُرًا أو تفتت أجزاء منه ودخل الجوف، فإن دخول ذلك كله يفطر، وعلى الصائم في هذه الحالة القضاء عند بعض الفقهاء وعند غيرهم عليه القضاء والكفارة.
لكن إذا كان العلك قد تحلل منه كل طعمه ولم يبق منه شيء فإنه مكروه ولا يبطل الصوم.
لا قضاء بعد الفجر
السؤال: إذا فاتت المصلي صلاة التراويح هل يقضيها؟
الجواب: إذا فاتت صلاة التراويح بحيث طلع الفجر من اليوم التالي فلا قضاء فيها عند الحنفية والحنابلة، مثلها مثل صلاة سنة المغرب والعشاء فإنهما لا تقضيان وهما آكد من صلاة التراويح، ولكن إن تمت صلاتها بعد وقتها فتعتبر نفلًا.
توفي في آخر يوم من رمضان
السؤال: توفي شخص في آخر يوم من رمضان، فهل علينا أن نخرج عنه زكاة الفطر؟
الجواب: زكاة الفطر تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان فمن توفي قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا تجب عليه فطرة ولا يجب على أهله إخراج فطرة عنه، لكن من توفي قبل طلوع فجر يوم الفطر تلزم فطرته.
هذا عند الشافعي وأحمد والثوري وهو رواية أشهب عن مالك، لما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض زكاة الفطر من رمضان» والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب شمس آخر رمضان، ولأن الفطرة شرعت طهرة للصائم، فأفاد أن وقت وجوبها بعد غروب شمس آخر يوم.
وعند الحنفية ورواية ابن القاسم عن مالك تجب بطلوع فجر يوم الفطر لأنها قربة تتعلق بيوم الفطر فلا تتقدم عليه كأضحية، فعلى رأي الحنفية ومن معهم من مات قبل طلوع الفجر لا تلزم فطرته.
وعلى كلا الرأيين من مات قبل غروب آخر يوم من رمضان فلا فطرة عليه اتفاقًا، وكذلك من مات بعد فجر يوم الفطر لافطرة عليه.
لا بأس في التعجيل
السؤال: ما حكم الشخص الذي يخرج زكاته ثم يتبين له أن موعد زكاته لم يحل بعد، وبقي عليه حوالي ستة أشهر؟
الجواب: يعتبر ما دفعه زكاة معجلة بشرط أن يكون المال قد بلغ نصابًا، ومن دفع له المال مستحقًا له، ولا يؤثر أن الزكاة وجبت عليه بظن حلول أجلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل