العنوان فتح الذرائع للخروج من أحكام الطوارئ (4)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2011
نشر في الصفحة 66
السبت 14-يوليو-2012
تتجلى أزمة افتقار علماء الفقه وأصوله لمنهجيات العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تسهم في الإجابة على هذه الأسئلة التي أثرناها في مقالنا السابق.
وكما أسلفنا، فإن مؤلفات المجتهدين أصوليين وفقهاء، قدماء ومحدثين خلت - تقريبا - من أمثال شارحة لقاعدة الذرائع في قضايا المصالح العامة، والمنافع العمومية، ويبدو أن هذا النوع من المصالح قد أحالوه بـ صمت إلى فقه السياسة الشرعية حسبما نجده في كتبها المتكاثرة منذ القرن الثامن الهجري، وفيها فوضوا ولي الأمر في تقدير المصلحة العامة بالتشاور مع أركان حكمه، ووضعوا تعريفات بالغة الدلالة المفهوم السياسة الشرعية، كقول القرافي بأنها تعني التصرف في عموم مصالح الأمة مما زاد على القضاء والفتيا، وتردد هذا المعنى بمضمونه عند آخرين منهم ابن نجيم، وابن عقيل والطرابلسي قديما، ومحمد البنا، وعبد الله جمال الدين، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن تاج وغيرهم حديثا، ولم يكن باب السياسة الشرعية بالمعنى الذي ذكروه سوى الباب الملكي لما سيعرف في تاريخنا الحديث باسم الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ التي تتذرع كلها بوجوب الاحتياط وسد طرق الشر والفساد ؛ بينما يشهد الواقع ونفس الأمر على أنها أدت إلى تجذير السلطة الاستبدادية وإضفاء الشرعية عليها، وحصرت اختصاص الاجتهاد الفقهي بمعناه الأصولي في مسائل العبادات والمعاملات الفردية لا الجماعية التي يعج بها واقعنا، ويئن منها أبناء مجتمعنا.
وليس مصادفة أن تتكرر في كتب الفقه المالكي وأصوله - وفي غير المالكي أيضا - عبارة كالتي ذكرها القاضي عياض (٤٧٦ - ٥٤٤هـ ) قبل ما يقرب من ألف سنة في كتابه إكمال المعلم جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه .!
أتدري لماذا لم تناقش المجامع الفقهية المعاصرة ولو مرة واحدة الحكم الشرعي في قوانين الطوارئ، و المحاكم الاستثنائية، في أي بلد من بلادنا العربية؟ هل لأنها اعتبرتها من شؤون المصلحة العامة، التي يختص بها ولاة الأمر، ومجالسهم التشريعية، التي لم تخذلهم مرة واحدة في شأن العمل بالطوارئ وأحكام الضرورة القاسية حسبما يقدرها ولي الأمر، أم ثمة أسباب أخرى تتصل بمزدوج الترهيب والترغيب.
أيا ما كان الأمر، فإن الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع سدًا وفتحًا باتت تعاني من عدة إشكاليات موضوعية، وهذه الإشكاليات التي أتينا على بعض منها جعلتها معزولة في معظمها عن الواقع المعاصر وخاصة في ظل استمرار عجز المعاصرين عن تجديدها، فضلًا عن إحجامهم عن نقد الموروث منها للتأكد من فعاليتها أو عدم فاعليتها في أداء مهمتها التعليمية والتطبيقية في الواقع الاجتماعي المتغير على الدوام.
والغريب أن المعاصرين في أغلبهم لم يتنبهوا إلى أن استحضار الأمثال القديمة إلى عالم الواقع إما أن يفككها من حمولتها التاريخية، ولا يكون ذلك إلا بجهد واع منهم، وإما أن يبقي على تلك الحمولة ومن ثم يجعل تلك الأمثال مفارقة للواقع المعيش، وعليه تتدنى فوائدها.
إن عملية الاجتهاد في القول بسد الذرائع أو فتحها تدور في أغلبها حول الشروط والتقسيمات التي وضعها الأصوليون أمثال القرطبي (ت: ٤١٠هـ ) صاحب أقدم تقسيم للذرائع، والقرافي، والزركشي والشاطبي وابن تيمية وابن القيم، والغزالي، وغيرهم ممن أتى بعدهم وكرر أقوالهم.
أقول بعد أن تتبعت الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع، في المؤلفات المشار إليها، وبعد أن درستها دراسة أولية: إن السمات الأساسية لتلك الأمثال تتمثل في أنها متركزة أساسًا في العقائد والعبادات وفي المعاملات، ثم العدد القليل منها في العادات والأعراف، والعدد الأقل في الجنايات والجزاءات، ولا نكاد نصادف في تلك المؤلفات مثالًا يتناول مسألة من مسائل المصالح العامة، أو قضية من قضاياها وتلك السمات لم تفارق أغلب مؤلفات الفقه وأصوله منذ بدايات عصر التدوين إلى العصر الحديث.
أغلب تلك المؤلفات تستنسخ الأمثال نفسها، ولئن ساغ ذلك في الأزمنة السابقة؛ حيث كانت تلك الأمثال تؤدي وظيفتها الشارحة والمسهمة أيضا في تكوين الوعي العام، فما مسوغ استمرار المحدثين من أصوليين وفقهاء في استنساخ تلك الأمثال نفسها دون تجديد أو تغيير؟ وقد عدت عليها عوادي التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسلوكية، حتى باتت تلك الأمثال قديمة شاحبة المعنى، ومتيبسة الدلالة، وبات استرجاعها عملًا غريبًا وبلا معنى في سياق المعطيات الاجتماعية المعاصرة.
أضف إلى ما سبق أن جل جهد المعاصرين متجه للتشديد على «الذرائع» من جهة «السد» أو من باب «الاحتياط»، وتبلغ هذه النزعة ذروتها باستحضار مقولة «فساد الزمان»؛ فهنالك ينهض الفقيه الأصولي «لسد» ذرائع الفساد العميم، وينهض فقيه السياسة الشرعية للاحتياط من الفتن، وتغليب دواعي حفظ النظام والاستقرار على أي اعتبارات أخرى، وبينهما وبسببهما تسود «ثقافة» مترعة بالتردد والحذر والإحجام عن أخذ زمام المبادرة في كثير من أشغال الحياة ومتطلباتها بدعوى سد ذرائع الفساد، والنتيجة هي وجود فجوة كبيرة تحجب النظرية الفقهية عن الممارسات الاجتماعية على اتساعها، والنتيجة هي أيضًا مزيد من تراجع تأثير الثقافة الشرعية في توجيه مسارات الحياة الاجتماعية، وإذا أضفنا إلى ذلك إشكالية نقص الاجتهادات في كيفية نقل قواعد الذرائع إلى أرض الواقع وتحديد المسؤول عن ذلك «فردًا كان أو مؤسسة، أو سلطة ما»؛ لوضح لنا عمق أزمة النظرية الفقهية، وقواعدها في واقعها المعاصر وهو ما دفعنا إلى الدعوة لتجديد النظر في الأمثال الشارحة لقاعدة سد الذرائع وفتحها ،وفي غيرها من القواعد الفقهية العملية.
طال انتظار أمتنا لمن يفتح لها ذرائع الحرية، ويخلصها من أحكام الطوارئ، يضعها على سكة الحياة الطيبة التي ما جاءت شريعة الإسلام إلا لإقامتها لإسعاد البشر تحت ظلالها ...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل